وثائق “الجزيرة” والتوظيف العروبي والطبقي لها

 

وثائق “الجزيرة” والتوظيف العروبي والطبقي لها

عادل سمارة

 

        إلى درجة كبيرة كما في تسريبات ويكيليكس، كان صدى الوثائق التي حصلت عليها الجزيرة، وبينهما شبه على الأقل في التالي:

·        إذناً للإثنتين من الولايات المتحدة (أو في حالة الجزيرة ربما غض طرف أميركي)

·        الإثنتان، وثائقياً، متوقعتان بالمفهوم العام ولكن التسريب قدم وثائق وحقائق

·        الإثنتان تهدفان رمي كثير من الحجارة لأهداف ابعد من مجرد رمي الحجار.

·        الإثنتان حقيقيتان.

        نعم، ما ورد في الوثائق موجود في الذهنية السياسية الشعبية ولم يكن إلا بحاجة لتوثيق، ومن هنا عدم الاستغراب، بل وجوب الاستغراب ممن استغربوا! هكذا تعودنا من التاريخ الحديث للقطريات العربية بأن الأنظمة تابعة وخطيرة ولكن تنقصنا عادةً الوثائق، لا اكثر.

 

أهل مدريد وأوسلو

     من يبدأ حديثه عن الوثائق أو لحظة نشرها يخطىء كثيراً لأنه يتجاهل حتى التاريخ الحديث بل الجاري. فاساس كل هذه الوثائق هو مجموع معسكر التسوية على الصعيد العربي بعمومه، والذي يختفي أو يتخفى وراء شعار خطير هو: “نقبل بما يقبل به الفلسطينيون”. وغالباً لا يُسأل السؤال اي فلسطينيين!!!

        اساس هذه الوثائق سواء ما انكره الفريق المفاوض أو ما اقرَّ به، اساس كل هذا هو القبول بالتفاوض مع عدو يرفض مجرد وجود الشعب الفلسطيني، عدو أقيم كيانه لضرب المشروع النهضوي العربي، عدو يريد دولة يهودية خالصة وفي فلسطين كاملة على الأقل. فالتفاوض مع هكذا عدو يعني التنازل لهذا العدو لأن هذا التفاوض يبدأ أو بدأ من الاعتراف بأن فلسطين 1948 هي أرض إسرائيل وأن حديث المفاوض الفلسطيني عن عودة اللاجئين هو لإعادة مجموعات ضئيلة، إن سمح العدو، إلى دولة اليهود!!! والحديث عن إعادة مئة أو مئة وخمسين الف لاجىء هو اساساً من الجنرال الاحتياط الصهيوني شلومو جازيت منذ بدائة التسعينات، وهناك قال حتى إعادة هؤلاء إلى الضفة والقطاع يجب أن يكون بموافقة اسرائيل لأنها لا تطيق كثافة سكانية عالية في هاتين المنطقتين بمعنى أنها ستقود إلى انفجار شعبي ضد الكيان نفسه.[1]

فالمفاوضات هي بين فلسطينيين ودولة الاستعمار الاستيطاني، تفاوضا على أرض فلسطين، اي أرض طرف واحد وليس أرض الطرفين وهنا خلل التفاوض وخطورته. هذا التفاوض يعني:

·        أن الأرض المحتلة 1948 هي ارض إسرائيل وليست ارض فلسطين

·        تقاسم ما تبقى من فلسطين مع العدو، اي تقاسم الضفة والقطاع؟؟

 

        وقبل أن أبتعد، لماذا اذكر مدريد؟ لأن مؤتمر مدريد هو الذي مهَّد لكل ما تلاه. لقد حضر مدريد قيادة منظمة التحرير، والحكام العرب والمثقفين العرب والكيان الصهيوني والولايات المتحدة. كل هذا كان قبل ولادة “قناة الجزيرة” أكاديمية الإعلام التطبيعي مع الكيان الصهيوني. في مؤتمر مدريد واللقاءات العشرة التي تبعته كان وضع اساس التسوية واساس الوثائق التي نشرتها الجزيرة والتي لم تنشرها.

        هناك كان اساس تثبيت الكيان ودمجه اندماجا مهيمنا في الوطن العربي، وإنهاء قضية تحرير فلسطين، وتركيز الدولة القطرية الجديدة باعتبارها مجرد جارة للكيان، فلا حرب ولا تحرير.

        أذكر مدريد لأن الذين شاركوا في جولات ما بعد مدريد العشرة هم الذين ينتقدون السلطة واوسلو وهم الذين اشتغلوا ليل نهار كي تدخل المنظمة مطهر التسوية. هؤلاء الانتهازيون من المثقفين اللبراليين والمتخارجين والماركسيين المرتدين فعلوا الفعلة ثم تحولوا بعد أن بان ما تحت الثلج، تحولوا لنقد من بقوا في المأزق في برزخ التسوية والتنازلات، نقد فريق التفاوض بالطلب إليه أن يفاوض لا مباشرة بدل مباشرة. فاي موقف هذا؟. لا بد من مدريد للنبش والحفر عن اساس تركيز الهزيمة واستدخالها.

        من هنا، فإن اتفاق أوسلو ثم باريس هي نتائج لمدريد، والتنازلات التفاوضية هي المآل الطبيعي لنفس الأسس. لا غرابة ولا صدمة ولا استغراب.

        لماذا اذكر مدريد؟ لأن من الواجب أخلاقياً قول الحقيقة للجماهير.

·        لأن مدريد هي الإطار الرسمي الفلسطيني والعربي للتسوية

·        ولأنه، أي مؤتمر مدريد، ضم كثيرين إلى جانب المنظمة فعلوا اكثر وتنازلوا منهجيا وفاوضوا ثم اصبحو نقديين

 

لا بد من استحضار التحليل الطبقي هنا، ولو كره من يرتعدون من ذكر الطبقات. ليس الحاكم العربي ولا سلطة الحكم الذاتي أو المفاوض وحده الذي يساوم. هناك بنية طبقية لها مصالح مادية في التبعية وإنهاء القضية والانفتاح الاقتصادي على العدو وفي فريقها المثقف العضوي للكمبرادور الذي يقبض ويَعِظْ. ولو لم تكن بنية كهذه لما كان لأية مفاوضات أن تُطل براسها. فليس من الممكن شطب قطر بأكمله، اي فلسطين، وإخضاع الأمة كلها وثروتها وسوقها للمركز الإمبريالي لو لم تكن هذه الأنظمة ومخابراتها وجيوشها وميليشياتها وبالطبع ارتباطاتها.

     إلى جانب مثقفي التسوية (مثثقفون في خدمة الآخر) هناك التكنوقراط، مثقفي التخصص المحدد والمحدود الذين يرفضون أن يعرفوا علمي الاجتماع والسياسة والطبقات. فلا أفضل منهم لخدمة الأنظمة. يبيعون جهدهم لمن يدفع ويقفون على الحياد حتى لو طال الأمر داخل حجرات منازلهم.

        قال لي ذات مرة أحدهم: كنا في مفاوضات باريس الاقتصادية حينما نختلف مع اليهود على قضية ونرفضها، تُحال إلى أحمد قريع ابو علاء رئيس الوفد الفلسطيني وإلى أفرهام شوحاط رئيس الوفد الإسرائيلي، فيوافق قريع لشوحاط على النقطة المحالة. وبالطبع يصمت التكنوقراط لأنه ماكينة لا اكثر، مثلا على الأقل: لا يستقيل.

 

من هو الفلسطيني

القاعدة/البديهة الأولى: في مسألة مصير وطن، لا أحد يمثل أحداً. كل فلسطيني شريك كأي فلسطيني آخر. على مصير وطن لا استفتاء ولا تفاوض. كل وطن لأهله، ومن ليس له وطن، مشكلته عند الله، أو في المكان الذي هجره ليغزو فلسطين. هل يمكن استفتاء شعب للتنازل عن وطنه؟

 

القاعدة الثانية: لا استفتاء على وطن. هناك استفتاءات على أمور عدة. والاستفتاء على امر يخص شعباً يجب أن يشمل كل الشعب وليس من ضمنها الاستفتاء على التنازل عن الوطن أو حتى جزء منه. هذا ما أكده تاريخ الأمم.

        إن حصر تعريف الفلسطيني في الضفة والقطاع، ومن ليس فيهما ليس فلسطينياً هو تعريف رابين لمن هو الفلسطيني، هو تعريف قام عليه اتفاق أوسلو الذي نص على سماح الكيان لمنظمة التحرير بالعمل والحكم الإداري والأمني في الضفة والقطاع بمعنى أن الفلسطينيين هم الذين في الضفة والقطاع فقط. ومقابل هذا السماح اعترفت قيادة المنظمة بالكيان، اي أن فلسطين 1948 هي إسرائيل!

 

لماذا توقيت النشر اليوم؟

        ليس هناك من تأكيد إن كان نشر الوثائق مسألة صدفة بمعنى أنها لم تتسرب إلا خلال الأيام القليلة الخالية، أو مثلا قبل شهرين حيث جرت قرائتها وتدقيقها، أو لأنها اللحظة التي اقتنع شخص ما بتسريبها، لأي سبب كان قد اقتننع. وحتى لو كان ايا من هذه لماذا نشرها اليوم؟ فليس الأمر مجرد مصادفة.

        هل كان السبب أن الولايات المتحدة والكيان بصدد تصفية القضية وفتح الطريق باتجاه مشروع الشرق الأوسط الجديد؟ أليس المناخ الرسمي العربي مناسباً لتصفية القضية؟ هل هي محاولة اللحاق أو الإمساك بالوقت قبل ان يقود ما حصل في تونس إلى ظاهرة على الصعيد القومي؟

        هل التفكير الصهيوني والغربي عامة أمام محاكمة كالتالية:

لقد هرب الجيش الصهيوني من لبنان عام 2000، لقد انتصرت المقاومة 2006 في لبنان، وصمدت غزة 2008، وها هي تونس على مشارف الانتصار. ألا يرى الأعداء أن هذه إرهاصات تغيير هائل في الوطن العربي، فلماذا يسكتون عنها؟ فهي تتفشى وإن لم تُحاصر أو تُذبح ستفلت المنطقة من يدنا، لماذا لا نقوم بإنهاء القضية الفلسطينة من خلال سلطة في منتهى الضعف، جاهزة للتنازلات وقد لا نحظى بغيرها؟ إن سلطة بهذا الوضع لن يكون أمامها سوى التوقيع على ما نُريد لأنها قطعت العلاقة مع العودة إلى المقاومة. قد يعتقد البعض أن الولايات المتحدة والكيان يديرون الظهر لهذه السلطة بعد كل ما فعلت. وهذا وارد بالطبع. فليست الولايات المتحدة والكيان حلفاء إلا لبعضهما، وما يريدانه هو تنفيذ رؤيتهما/مصالحهما لا غير، وماذا يهمهما أن تُدفع هذه السلطة إلى الهاوية في سبيل تنفيذ مخططهما؟ وقد يلقي توقف المفاوضات ضوءا على هذا التحليل بمعنى محاولة إرغام هذه السلطة على مواصلة التفاوض وإنهاء القضية. لذا، ربما كان التوقيت متعلقاً بكون سلطة الحكم الذاتي جاهزة لتنفيذ ما يريده الكيان، أو يتم تغييرها بمن يقبل وهناك من يقبل.

 

والسؤال التالي هو: إذا كان هذا وضع السلطة هل المناخ الفلسطيني داخل الأرض المحتلة من الضعف بحيث يمكن تمرير هذا الاغتيال للقضية؟

        إن للتوقيت لهذه الهجمة علاقة بانخفاض مستوى الكفاح الوطني في الضفة الغربية، اي انخفاض احتمالات التصدي للتصفية. فالحركات السياسية محتواة تحت إبط السلطة، والقوى والقطاعات المجتمعية الطبقية غارقة في تدبير الحياة اليومية، تسبح في التطبيع كما لو كان قدرها الذي لا يُرد، والسلطة تسلح نفسها بالعديد من أجهزة الأمن التي تكاد تضع لها مندوبا في عقد زواج كل رجل وإمرأة. وفلسطينيو الشتات سيقمعهم كل بلد يعيشون فيه إن تحركوا، وما اكثر جيوش القمع من مختلف الألوان، والمثقفون يُطبعون مع الكيان كما لو كان الكيان أخاً عربياً، والجامعات المحلية تبيع دوائر وكليات للممول الأجنبي الذي يجند ضعاف/ضعيفات النفوس كمخبرين ثقافيين أو مخابرات ابحاث، ولقاءات التطبيع تُعقد في البلد وخارجة، وحتى مثقفون عرب يتسربون إلى الأرض المحتلة بحجة “زيارة السجناء”. هذا السقف النضالي المتدني بما يقارب التطابق مع الأرض يغري قيادة أطراف التسوية (أي الولايات المتحدة والكيان) بأن تشن هجمتها. إن الساحة الداخلية الفلسطينية من الضعف بمكان بحيث يمكن تمرير التسوية في هذه اللحظة وإلا أفلت الأمر من يد الولايات المتحدة؟

        وحتى في فلسطين 1948، فما زالت القوى السياسية الفلسطينية هناك أضعف من مواجهة المرحلة. فهناك تنظيمات سياسية فلسطينية صهيونية الهوى ولا أقل على ذلك دليلاً من المشاركة في عضوية الكنيست. والقوى غير المتصهينة ليست بذلك الثقل. فعلى سبيل المثال لماذا لا يتم التحرك ضد ما يسمى تبادل الأرض والسكان. من الذي خوَّل سلطة الحكم الذاتي أن تتبادل بارض وسكان من المحتل 1948؟ ومن الذي خول الكيان بذلك؟ لقد كتبت في هذا الصدد قبل اشهر في نشرة كنعان هذه،: لماذا لا يتم التحرك في 1948 بعريضة على الأقل، عريضة إلى الأمم المتحدة تقول أن لا السلطة ولا الكيان يمثلوننا!!!

     لقد تعرضت الوثائق المنشورة لكثير من القضايا كما أن ردود قيادات سلطة الحكم الذاتي قد أكدت حقيقية هذه الوثائق وإن قال البعض أن هناك تزوير ما. وعليه، يكون الأمر الأساس على النحو التالي:

·        قاد تسريب الجزيرة للوثائق إلى كشف دور سلطة الحكم الذاتي وخضوعها وسياساتها مما يؤكد ما كان يعتقد به الناس

·        ردت السلطة بالتشكيك في الجزيرة وفي حكومة قطر، اي تناكف فريقان من أهل التسوية

·        رد رئيس السلطة بأنه كان يُطلع الحكام العرب على كل هذه الوثائق، اي كشف عن اشتراك الحكام العرب في مشروع التسوية بجوهره التصفوي. وكأنه يرد “الجميل” بالقول: رضينا بما رضيه لنا الححكام العرب.,

·        إتضح بلا جدال أن التسوية مشروع لصالح الكيان والولايات المتحدة ومختلف أعداء الأمة العربية، وهذا لا يفضح هذين الطرفين لأن عدائهما قديم وقائم. ولكنه، اي نشر الوثائق، يفضح المثقفين الفلسطينيين والعرب الذين يروجون للسياسة والثقافة الأميركية الراسمالية تحت أغطية لبرالية، والذين يطبعون مع الكيان الصهيوني سواء في مؤتمرات أوسلو المتعددة وأشباه وتمفصلات هذه المؤتمرات العلنية والسرية، وكذلك المثقفين في 1948 الذين دخلوا ويدخلون الكنيست والذين تربوا وما زالوا يتمتعون ب “نعمة” الحياة والتثقيف الديني في الكيبوتسات. والغريب أن مختلف هؤلاء المثقفين: يهاجمون التطبيع!

 

وهكذا، فإن نشر هذه الوثائق مناخاً لتوظيفها لخدمة المقاومة بما هي ليست البديل وحسب، بل هي الأساس الذي لا غيره لمواجهة معسكر الأعداء، الأساس للتحرير قبل العودة. نعم، لا بد من الاحتياط من القول بحق العودة الذي درجنا عليه، فلا عودة بلا تحرير، لا بد من صنعاء وإن طال السفر.


[1] أنظر كتاب: اللاجئون الفلسطينيون بين حق العودة واستدخال الهزيمة: قراءة في تخليع حق العودة، منشورات دار الكنوز الأدبية، بيروت 2001 ومركز المشرق العامل رام الله 2000.