استقالة البطريرك صفير للاحراج

 

 

استقالة البطريرك صفير للاحراج والاستمرار ام لضمان الخلف؟

سركيس أبو زيد

انقسم الموارنة حول اداء البطريرك صفير واستقالته. واحتارت روما في علاقتها مع بكركي. ويشير العارفون ان الكرسي الرسولي بدأ يعد الإجراءات لاستبدال البطريرك صفير مع صدور قرار تعيين غابرييللي كاتشا سفيراً للفاتيكان في لبنان في 16 تشرين الأول/ أوكتوبر 2009 وذلك للاسباب التالية:

1- رفض البطريرك منذ انتخابه بطريركاً في 19 نيسان 1986 مأسسة البطريركية وتنظيم أمورها الإدارية والمالية، وتنفيذ ما ورد في الإرشاد الرسولي من اصلاحات.

2- عدم قدرة البطريرك على أداء دور جامع بين القيادات المسيحية، وعدم تمكنه من إقامة علاقات جيدة مع معظمهم. وعدم تمتّعه بروح المبادرة، في فترة شهدت تلاحق الازمات على المسيحيين.

3 – عجز البطريرك عن القيام بدور على صعيد تفعيل الوجود المسيحي، لا في لبنان فقط، بل في سوريا والأردن والعراق وفلسطين ومصر أيضاً، في ظل اقتناع فاتيكاني بأن الكرسي البطريركي الماروني، باعتباره ابن المنطقة، أقدر على أداء هذا الدور من كراسٍ أخرى أكثر نفوذاً على المستوى الدولي.

4- المطارنة يتقاعدون وتشغر مواقعهم دون أن يتمكن صفير من توفير البدلاء وانتخاب مطارنة جدد خلفاً للذين بلغوا السن القانونية. المطارنة الذين قدموا استقالاتهم هم: رولان أبو جودة، سمير مظلوم، يوسف بشارة، بولس اميل سعادة، غي بولس نجيم، فرنسيس البيسري، بولس منجد الهاشم، وقد ينتخب مطران خلفاً للمطران الراحل اميل عيد، اضافة الى امكان استقالة مطران تاسع شارف السن القانونية.

5- تنامي الهوة بين البطريركية المارونية والرهبانيات.

6- بطريرك أنطاكيا يزور بلدات مارونيّة، فلا يلاقيه في شوارعها أبناؤها مما اظهر تبدد الرعية وابتعادها عن راعيها.

7- التصريحات السياسية المنحازة إلى فريق ضد آخر، حولت بكركي من مرجعية وطنية الى طرف مربك.

كيف حصلت الاستقالة؟ وما هي تداعياتها؟ وما هي خريطة طريق انتخاب البديل؟


ذهب البطريرك إلى سينودس أساقفة الشرق في تشرين الأول 2010 وهو الطرف الأضعف في حواره مع البابا بنديكتوس السادس عشر بشأن دور البطريركية المارونية في هذه المرحلة الصعبة بالنسبة إلى المسيحيين في بعض البلدان العربية. لكنّ المفاجأة كانت أنّ البابا لم يجد داعياً لمحاورة راس الكنيسة المارونية، واكتفى بأن بلغه في 20 تشرين الأول، كلّاً من أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال برتوني ورئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال ساندري، ضرورة الاستقالة من أجل توفير استمرارية قوية للكنيسة المارونية.

بعد تردد ومماطلة، اضطر البطريرك صفير الى كتابة استقالته حتى لا تظهر اقالته.


كان الفاتيكان يفضل ابقاء الاستقالة سرية وترتيب انتقال هادئ للمحافظة على معنويات بكركي. لكن البطريرك كشف سره الى مقربين ومنهم سرب الخبر الى جريدة مقربة من 14 اذار ثم اعلنه الوزير حرب مما يكشف ان تهريب الخبر هدفه الاحراج. وحرب البطريرك لن تنتهي قبل ضمان البديل، خاصة وهو يعلم ان الاستقالة لن تُقبل قبل اطمئنان الفاتيكان إلى اتفاق المطارنة الموارنة على هوية البطريرك المقبل أو قبولهم الذهاب إلى انتخابات ديموقراطية بهدوء، كما فعلت الرهبانية اللبنانية المارونية قبل ثلاثة أشهر. وهو أمر يبدو للمقرّبين من صفير مستحيلاً او على الاقل طويلا.

لماذا لم يعلن عن الاستقالة رسميا؟ بل شاعت عن طريق التسريب؟


انها محاولة من البطريرك لاخراج الصراع بين المطارنة الموارنة على كرسي البطريركية المارونية إلى العلن، فيشتدّ التنافس إلى حدّ اقتناع الفاتيكان بأنّ وضع استقالة البطريرك في الجارور واستمراره بتصريف الأعمال، هما أفضل الحلول مع أن الحملة الانتخابية على اشدها اليوم بين المطارنة المقترحين لخلافة صفير ومنهم: بشارة الراعي، بولس مطر ومنصور حبيقة ويوسف بشارة ويوسف سويف وغي نجيم وسمير مظلوم وسمعان عطا الله.

 

خلافات حول توقيت الانتخابات ومندرجاتها


يؤكّد البعض أنّ انتخاب البطريرك الجديد سيسبق تعيين المطارنة الثمانية الذين يفتقدهم المجمع اليوم. بينما البطريرك صفير يصر على ضرورةاستكمال انتخاب مطارنة موارنة على أبرشيات في داخل لبنان وخارجه، شغرت أو ستشغر لمناسبة إحالة رعاتها الى التقاعد بعد بلوغهم السن القانونية، وذلك حتى يشارك المطارنة الجدد في انتخاب البطريرك الجديد. وهذه العملية تتطلب وقتا طويلا وخلافات جمة وتمنح صفير ورقة تحكم بالتصويت عبر ادخال جماعته لانتخاب بطريرك على صورته ومثاله.

تراهن اوساط البطريرك صفير ان الكرسي الرسولي ليس في وارد اتخاذ موقف حاسم وانتخاب بطريرك جديد في الوقت الراهن على الأقل. وقد يتم ذلك بعد انجاز ثلاثة استحقاقات تعد لها بكركي لكسب الوقت وتبرير استمرار البطريرك على كرسيه وهي:

الأول: الاحتفال الكبير الذي سيقام في 23 و 24 شباط في باحة الفاتيكان لرفع تمثال القديس مارون.

الثاني: الاحتفال الذي سيقام في نيسان لمناسبة اليوبيل الفضي لتبوؤ البطريرك سدة البطريركية، واليوبيل الذهبي على سيامته مطرانا. ويجري التحضير حاليا ليكون الاحتفال رسميا وشعبيا وكنسيا.

الثالث: الأزمة السياسية الراهنة بعد استقالة الحكومة والأجواء التي توحي بدخول البلاد في مرحلة فراغ، قد تجعل الكرسي الرسولي يتريث أكثر لضرورة وجود رأس الكنيسة في مرحلة دقيقة يمر بها لبنان.

من جهة ثانية يقول مصدر ان الكرسي الرسولي يتجه الى قبول استقالة البطريرك قريبا جدا (معلومات أشارت الى ان الفاتيكان وافق فعلا على الاستقالة) لقطع الطريق على احتمال حصول بلبلة وتحول الاستقالة موضع تجاذب وانقسام بين من يريد عودة البطريرك عن استقالته ومن يريد قبولها وبتها.

ويشير أصحاب هذا الرأي الى ان الفاتيكان يرصد بدقة ما يحصل، وثمة خشية جدية لديه من الزيارات المنظمة الى بكركي لمطالبة البطريرك بالتراجع عن الاستقالة وسحبها، لا سيما ان الفاتيكان حرص منذ البداية على عدم اظهار انقسام ماروني بين من يريد من البطريرك ان يستقيل ومن لا يريده ان يفعل ذلك.

الكرسي الرسولي لن يجلس متفرجاً على تفجّر صراع مسيحي – مسيحي جديد داخل مجلس المطارنة هذه المرة. ولن تتردد روما في تزكية أحد المرشحين، على طريقتها. ومن المتوقع ان يكون للموارنة بطريرك جديد خلال اذار على ابعد تقدير.


ويبقى السؤال: هل استقالة البطريرك صفير للاحراج والاستمرار لضمان انتخاب خلف على سيرة السلف، ام هي مدخل فاتيكاني لترتيب البيت الماروني بعد الخلافات والوهن الذي عصف فيه؟؟