الأزمة .. والمواقف المعلبة

 

الاردن:

الأزمة .. والمواقف المعلبة

د. عيدة المطلق قناة

 

منذ أن تفجر الوضع الراكد ذات أزمة في عام 1988.. والأردن يعبر بصعوبة بالغة عبر دهاليز برامج وإملاءات وشروط صندوق النقد والبنك الدوليين .. وبعد عقدين ونيف على ذاك العبور المتعسر ..  فإن أحوال الأردنيين  تزداد صعوبة .. وأزماتهم تتزايد عمقاً وامتداداً..إلى أن طالت كافة تفاصيل حياتنا (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والأخلاقية وحتى الروحية )  .. لقد شهد الأردنيون خلال العقدين الماضيين  .. حالة من انصياع تام للمطالب والشروط الدولية .. فتخلت الدولة عن معظم أدوارها.. فالخصخصة ماضية .. إذ امتدت يد البيع لتنال من معظم الأصول حتى وصلت إلى أراضي الدولة (بما في بطنها من خيرات اليورانيون والنحاس) .. بيعت الشركات الكبرى ( الفوسفات والبوتاس والكهرباء والاتصالات والطيران.. وحتى الميناء والمطار) ..

فماذا كان حصاد تلك السنين العجاف ؟؟

لقد كان حصاداً مراً في كل المجالات :

 

·        فحين فقدت الخزينة مصادر دخلها الأساسية .. التفت الحكومات إلى جيوب المواطنين المثقوبة لتعمل فيها ضرائباً ورسوماً .. تعددت مسيماتها وعناوينها .. عبر نظام جباية صارم .. حتى بات المواطن الأردني من أكثر دافعي الضرائب في العالم .. فكان الفقر والإفقار..

 

·        وحين تخلت الدولة عن دورها في إدارة الاقتصاد الوطني وفي إدارة عجلة الانتاج.. راحت تجد لنفسها اقتصاداً جديداً في مجال السياحة والترفيه .. فكان استجلاب الكازينوهات ودور القمار والملاهي الليلية .. فكان التحدي لقيم الشعب ومنظوماته الأخلاقية والدينية !!

 

·        وحين تخلت الدولة عن دورها في إبداع المشاريع وفرص العمل .. فإن مئات الآلاف من شبابنا المؤهل باتوا خارج سوق العمل .. وإن وجدوا عملاً .. فإنه في كثير من الأحوال يكون دون مؤهلاتهم .. والدخل المتأتي منه لا يكاد يسد الأود .. فوقع غالبية الأردنيين دون خط الفقر المعرف من قبل الحكومة .. ( أي 680 ديناراً ) حيث أن رواتب أكثر من 50% هي دون (300 ) دينار .. وازدات جيوب الفقر من 22 جيباً عام 2006 إلى 32 جيبا في عام2008 .. وتمدد الفقر ليشمل في عباءته ( 781403 ) من الأردنيين ..

 

·        وحين يتسكع الشباب – أي شباب –  في الشوارع عاطلاً معطلاً .. عندها ستتحقق فيهم المقولة ” إن الأيدي خلقت لتعمل فإن لم تجد في طاعة الله عملاً وجدت في معصيته أعمالاً ”   فكان السقوط في الرذيلة والمخدرات والاتجار بالبشر.. وإلى ما هنالك!!

 

·        وإذ تدرك الحكومات صعوبة قراراتها وسياساتها ..  فإنها تسعى لتمرير هذه القرارات المؤلمة عبر تفصيل القوانين الخاصة بالتطويع والتركيع .. وعبر آليات  الكبت وإحكام القبضة على الحريات.. وتزوير الانتخابات .. وتصنيع المجالس النيابية والبلدية ..

 

·        وإذ تمضي الحكومات في هذه السياسيات .. في الاختباء بالأزمة العالمية .. وتراقب  الحالة الاحتجاجية بنصف عين .. ونصف أذن .. ونصف انتباه .. ومن ثم تمضي بذات النهج دونما اكتراث .. اعتقاداً منها أن الناس كل الناس ما هم إلا “خشب مسندة”.. فإنها  لا تدرك بأن الشعوب حين تشتد الضائقة عليهم .. ويبلغ بهم اليأس مبلغاً خطيراً .. فينبغي على الحكومات ألا يهدأ لها بال ولا يرتاح لها جنب .. دون أن تكابر بادعاء الارتياح وافتعال “التطنيش” !!

 

·        أما حين يخرج علينا الناطقون باسم الحكومات.. فيفيضون على مستمعيهم بخطاب تهميشي محتشد بالمقولات المعلبة والاستفزازية التي تحمل كل إشارات الاحتقار والاستهانة والاستهتار بأوجاع الناس .. فتصبح في هذا الخطاب احتجاجات الناس وأوجاعهم “هامشية” .. ومطالبهم  “شعاراتية” فارغة من المضمون .. وقياداتهم  “عميلة مرتبطة بالخارج” .. ولاؤها لمن يدفع لها .. ينفذون “أجندات ضد الوطن” ..  وتعبيراتهم “حالة صوتية” .. وحراكهم الاحتجاجي “تعطيل للتنمية” ( التي تفيض لبناً  وعسلاً.. ولكن المحتجون يسعون  لإيقافها ) ..

 

·        وأما المعارضة بكافة أطيافها فهي معارضة  “عدمية”  .. لا تعدو أن تكون إلا “قوة شد عكسي”  للقطار الحكومي السريع نحو النماء والرخاء!!

 

·        وأمام هذه الذهنية تصبح شكاوى الناس “بسيطة” إنما  يجري “تهويلها والمبالغة” فيها من قبل “أصحاب الأجندات السوداء” ..

 

بربكم هل هذا استهبال ؟؟ أم أنهم يريدوننا أن نشعل النار بأنفسنا كيما يصدقونا  ؟

 

نعم .. لقد وصلنا إلى هذا الدرك من الانحدار بالخطاب ولغة الحوار .. ولكن تجارب الشعوب  علمتنا بأن الأمور حين تصل هذا المنحدر.. فيغيب الاحترام .. ويصبح الحوار مستحيلاً .. عندها انتظروا الانفجار..

:::::

eidehqanah@yahoo.com