في معركة البقاء والثبات الرهان على المرأة الفلسطينية

في معركة البقاء والثبات الرهان على المرأة الفلسطينية

بقلم الإعلامي خالد الفقيه

 

مع أفول العام 2010 صدر تقرير عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني جاء فيه أن عدد الفلسطينيين في فلسطين الانتدابية سيتساوى مع اليهود في العام 2014 وأن عددهم في العام 2020 سيكون الأكثر من اليهود بحيث ستكون النسبة وقتها 51.8% من مجموع السكان في هذه البلاد.

استوقفني هذا التقرير لجهات عديدة أولها: أننا كفلسطينيين بعد عشر سنوات داخل الوطن سنكون 7.2 مليون نسمة مقابل 6.7 مليون يهودي هذا باستثناء اللاجئين منا في الشتات في حال بقيت معدلات النمو الحالية على حالها.

فالتقرير يقول أن عددنا أي الفلسطينيين في نهاية العام 2010 وصل إلى 11 مليونا نصفهم يعيشون في الشتات والباقي داخل فلسطين المحتلة ويتوزعون بين الضفة الغربية بواقع 2.5 مليون مواطن و1.6 مليون في قطاع غزة و1.4 مليون داخل الأراضي المحتلة عام 1948 مقابل 5.7 مليون يهودي، ويضيف التقرير أن عدد الفلسطينيين المقيمين في الدول العربية يصل إلى خمسة ملايين نسمة إضافةً إلى 600 ألف في فلسطيني في الدول الأجنبية.

ثانياً: أكد التقرير أن معدلات الخصوبة الكلية للفلسطينيين 3.5 مولوداً للعام 2009، ويعتبر هذا المعدل مرتفعاً نسبياً قياساً بمعدل الخصوبة في إسرائيل البالغ 2.8 مولوداً لكل امرأة لنفس العام وبلغ معدل المواليد الخام حوالي   26.2 مولوداً لكل 1000 من السكان.

ثالثاً:إن ثبات معدلات الخصوبة كما ورد في التقرير عند النساء الفلسطينيات في السنوات الأخيرة أمر مثير للاهتمام يتوجب على الجهات المختصة الإلتفات له وأخذه بعين الاعتبار بما يستدعيه ذلك من موزانات تحسن من برامج رعاية الأمومة والحوامل والأطفال في الأراضي الفلسطينية التي تعاني من واقع اقتصادي مؤلم ينهش القطاعات المختلفة.

رابعاً: إن انخفاض معدل الوفيات والتوقع بمزيد من الإنخفاض يتطلب من السلطة الفلسطينية العمل على زيادة برامج الرعاية والتخطيط لتوسيع المدارس والمؤسسات والبرامج الأكاديمية التعليمية بشقيها المهني والأكاديمي وفتح أبواب جديدة للعمل بما يستوعب الطاقات القادمة من المواليد التي ستكبر حتى لا تلتحق بجيش الفقر والبطالة.

خامساً: عند النظر إلى ما ورد في التقرير من جهة أن عدد الفلسطينيين في العالم وصل إلى أحد عشر مليوناً فهذا يعني أن على الجهات المختصة تفعيل هذه الجموع في أماكن تواجدها من خلال السفارات والممثليات الموجودة في الخارج والحفاظ عليها حتى لا تذوب في أماكن تواجدها بما يحفظ التمسك بحق العودة وهذا يتطلب جهداً إعلامياً وانتاجات مختلفة تؤكد الحقائق التاريخية للأجيال المتعاقبة من الفلسطينيين.

سادساً: المجتمع الفلسطيني مجتمع فتي ف 14.1% من المقيمين في الأراضي الفلسطينية هم دون سن الخامسة عشرة فيما تتقارب نسب النوع الاجتماعي فمقابل كل 103.1 ذكر هنالك 100 أنثى مع الإتجاه نحو زيادة معدلات العمر للفلسطينيين حيث أشار التقرير أن المعدلات تصل إلى 72.2 سنة لكل فلسطيني رغم الحرب الإسرائيلية الضروس التي تشهدها الأراضي الفلسطينية والتي تستهدف الرجال والنساء على حد سواء.

ومع هذه المقدمات تبقى المرأة الفلسطينية التي لولاها لما جاءت هذه المفرزات هي الرهان وحامية النار المقدسة للفلسطينينن ورهانهم على حقهم بوطنهم وهو ما كانت نبهت إليه جولدا مائير عندما أعربت عن فزعها كلما سمعت بمولد فلسطيني جديد ما يسقط النظرية الصهيونية بأن الكبار يموتون والصغار ينسون.

والفنان الشهيد ناجي العلي ربما أدرك قبل غيره دور المرأة في الصراع مع المحتل فالمرأة حضرت بقوة في رسومه: رسم ناجي للمرأة لم يكن سهلاً بل جاء بعد إرهاصات وعصر دماغ، “ناداني ناجي وقال لي ذات صباح وهو عائد من صيدا: إن النساء آلة تعذيب وباردة.. وسألته ما إذا كان يفكر في رسم إمرأة استعصت عليه فقال: المهم ألا يرتعش الخط… ألا يتقلص الشكل.. ألا ينحني الرأس… ألا أضع العينين في الساقين ألا أضع وردة في الصدر.. ألا أتحدى لا مبالاتها وحيلتها ونتوءاتها.. إن التناقض يجب حيث المواجهة، لكن لا أعرف كيف أرسم امرأة غيري مع أنهم لا يرسمون غير نساء غيرهم”[1].

أنصف ناجي المرأة المقهورة وانحاز إليها وخلدها في كاريكاتيراته وأشركها في مراحل ومواقف متقدمة من النضال لإسترداد حقوقها ولإستعادة كرامتها حتى بعد استشهاده، “ولا تزال الدمعة تذرف من جفن فاطمة على الوطن وأحواله المتردية لكنها رغم الشدائد صامدة صابرة تربي أطفالها على حب فلسطين”[2].

انتصر ناجي للمرأة العربية من الظلم الذي لحق بها في مجتمع ذكوري ينكر أي دور للنساء باعتبارهن قاصرات، فامتلك وعياً تقدمياً حضارياً على هذا الصعيد، وجاءت المرأة في إبداعاته، حقاً شريكاً للرجل في المقاومة والحلم والبناء، راصداً رادارياً لما يمكن أن يصيب الرجل من تخاذل أو تقاعس، تلكزه عند الحاجة ليصوب مساره.

جاءت المرأة أيضاً على شكل الأم العربية الفقيرة التي تفقد ابنها ذبيحاً لأنه رفض الواقع الطبقي للأمة العربية، المدافعة عن كرامة الأمة العربية في مواجهة رجالات كامب ديفيد، المرأة المقهورة من النفط العربي الذي لم يدخل ساحة المعركة، المرأة هي مصر أم الدنيا التي ترفض كامب ديفيد، وهي بيروت التي تودع المقاتلين بحزن، “للمرأة عند ناجي دور استثنائي في المعركة فهي سلاح نوعي بما تحمله من طاقات مقاومة كامنة و”فاطمة” لم تقف في فن ناجي العلي عند حدود المرأة الولاّدة والصلبة والمعطاءة، بل تعدت ذلك لتكون المشاركة في الحوار والموقف والشريكة في الموت والمصير، فهي بوصلة الأمان لزوجها “الرجل الطيب” في اقترابه أو ابتعاده من المسار الصحيح في الحكم على الأمور”[3].

24ومن صور الجمال للمرأة عند فناننا الطفلة ساندريلا المصممة على البقاء المتشربة حب الوطن رغم فقدانها لأجزاء من جسمها بسبب العدوان الإسرائيلي على لبنان، إضافة إلى الطفلة التي تقاوم شد شعرها من قبل جندي صهيوني كناية عن الضفة الغربية.

 

 23

المرأة في كاريكاتير العلي حضرت في ميادين عدة أيضاً منها الاجتماعي والثقافي والسياسي ولم تكن فلسطينية دوماً في حضورها، فهي المرأة العراقية المكلومة، وهي كذلك الديمقراطية المسلوبة في الوطن العربي، وهي عين الحلوة في لبنان، والمرأة الجنوبية التي تروي ظمأ المقاتلين من مياه الليطاني.

أشرك ناجي العلي المرأة في إبداعاته وأعطاها عدة أدوار، أكثرها كان من نصيب فاطمة الفلسطينية اللاجئة المثابرة الداعمة للمقاومة الداعية لإستمرارها التي تحض زوجها على النهوض وعدم الإستكانة لواقعه الأليم والمر. أعطى فاطمة الدور الريادي في قيادة المعركة، فهي التي تحمل وتلد وترفد المقاومة بالمقاتلين، وهي التي ترفض التنازل عن حق العودة، وتتمسك بمفتاح بيتها في فلسطين. ظهرت إلى جانب فاطمة في كاريكاتير ناجي العمة حنيفة بملابسها البسيطة الدالة على ما آل إليه حالها، رمزت في رسوماته إلى الأرض والحب والحنان ويقول عنها العلي: “العمة حنيفه، إنسانة حميمة لأنها رمز انتمائي إلى قريتي، إنها جزء من تكويني النفسي. هي الحكم، حكمة الحزن الصادر في أعماق المرأة المقهورة، وهي فرح الأغنية الريفية،…، هي في رسوماتي تلك المرأة الطيبة القوية المعبرة عن هم إنساني شامل”[4].

منح ناجي للمرأة صوراً جميلة فرمزت عنده تارةً لبيروت وأخرى إلى فلسطين بقوامها الجميل وأنوثتها الطاغية وصلابتها ورفضها العنيد للاستسلام الذي صوره أكثر من مرة على أنه محاولات اغتصاب تتصدى لها بعنفوان وقوة، وهي التي تشجع الأطفال المنتفضين بالحجارة. القضية الوطنية والقومية عنده كانت عنده امرأة، “أنا لست آلة كوكا كولا، الرسم بحاجة إلى جو خاص… وسأله آخر، أحكي لنا عن القضية، أجاب، أنا لست ممن يتقنون الكلام، ولكن القضية بالنسبة لي، هي المرأة الفلسطينية في المخيم التي فقدت بيتها من القصف وعم تمسك لوح الزينكو، وضرب بقبضته على راحته الأخرى بعصبية “وبتضرب عليه وبترجعه على سقف الدار” “[5].

 


[1] سعيد، الصافي، الحمّى 42 لا أنبياء ولا شياطين، بيروت: بيسان للنشر والتوزيع، ط1، 1996 ص 415.

[2] ـــ: ناجي العلي مات واقفاً، نابلس: دار الفلسطيني للإعلام والنشر2005، مقدمة الكتاب.

[3] عنبوسي، أحمد: الموضوع والأداة في فن ناجي العلي، ص 37.

[4] العابودي، فادي عيد المجيد: في الذكرى الثانية لاستشهاد ناجي العلي دراسة في كاريكاتير ناجي العلي، ص64.

[5] حموضة، أبو زيد: في الذكرى الثامنة عشر لاستشهاد الفنان ناجي العلي، شبكة يساري الإلكترونية.

 

 

www.yasaree.net/fourms/1ofiversion/index.php?t3571.htm1