وكالة المخابرات المركزية الأمريكية

وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والتسونامي التونسي

محمود جلبوط

 

        تخشى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية من أن تؤدي الانتفاضة التونسية إلى تسونامي سياسي يضرب العالم العربي ومنطقة حوض البحر الأبيض ككل.

        أقضّ انهيار أحد حلفاء الامبريال الغربي في العالم العربي وأحد رموز فساده مضجع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية  حين فاجأتها الانتفاضة التونسية. وطيّر النوم ، ليس من عيني مسؤوليها وحسب، بل ومن عيني الإدارة الأمريكية والأوربية بالإجمال وقبلهم عيون مجمل الكولونياليات العربية وأنظمة الفساد فيها .

        فلقد نقل عن مصادر إعلامية قريبة وموالية للإدارة الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية أن تغيير النظام في تونس قد شلّ قدرتها على التصرف وخصوصا  بالطريقة التي تمت فيها : أي عن طريق نموذج ثوري جديد لم تتوقعه عقول البصّاصين العرب والغرب معا ، أبدعه جيل جديد من الشباب التونسي والشابات ،  عن طريق احتجاجات شعبية عامة بلا سلاح سوى العزيمة والشجاعة والحجر (ذكرتنا بالانتفضة الفلسطينية الأولى التي اغتالتها سلطة أوسلو بعد أن استهلكتها للدخول إلى أراضي الاحتلال الثاني في الضفة وغزة وأفرغتهما بعد ذلك من الثوار والمنتفضين بالوكالة عن العدو الصهيوني) مضيفة بذلك لونا جديدا إلى ألوان الثورة مزعزعة أركان نظام شمولي أمني عملت الامبرياليات الغربية جاهدة أن يكون “أيقونة اقتصادية وسياسية” تقتديها الكولونياليات العربية الأخرى في “شرقها الجديد” الذي تنوي إعادة صياغته صهيونيا .

        لقد واجه الشعب التونسي البطل الرصاص بصدور أبنائه العزل ، لم يستعمل أي قوة عسكرية أو سلاح  سوى قوة الشعب الناعمة كما يقولون وهي في الحقيقة لا تنضب .

        أصبحت الرؤية لدى الإدارة الأمريكية ووكالة مخابراتها المركزية ضبابية ، يقلّبونها ذات اليمين وذات اليسار بنشاط محموم علّهم يهتدون إلى وضع ستائر وقائية تصدّ موجات تسونامي التي من المحتمل أن تضرب بناء جيران النظام التونسي المخلوع وربما لا تقف عند هذا الحد فتمتد إلى أبنية معظم الكولونيات العربية فتزعزع ما بذلته الامبرياليات الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية من جهود مضنية عمرها من هذه الكولونياليات وعمر الكيان الصهيوني بعد أن فتتت الوطن العربي واقتسمته مغانم حرب .  

        تتأهّب الامبرياليات الغربية الآن لما ستسفر عنه هذه التسونامي التونسية ، ويراقبون بحذر شديد ما اتخذه وسيتخذه أصحاب القرار والخطط  في ليبيا، الجزائر ، مصر ، سوريا ، اليمن وكولونياليات أخرى لامتصاص النقمة الشعبية كوقاية من شر قادم ، إنها تخشى كل الاحتمالات : لأنه : إن لم تعصف تسونامي تونس ببعضهم فهي حتما ستضعضع من تحتهم قوائم الكرسي الذي أجلسوهم عليه منذ عشرات السنين .

        في الوقت الذي ما زالت الإدارة الفرنسية تعاني من سكرة الصدمة تنهمك المخابرات المركزية الأمريكية لاجتراح ما تراه معالجة للموقف تقدمه لإدارتها ، وهاهو برلسكوني أيضا يخشى أن يطاله من الطين بلّة ، فهو يخشى أن يكون لما جرى تداعيات على مشروع خط أنبوب الغاز الروسي الذي من المفروض أن يصل أوربا من الطرف الجنوبي للبحر المتوسط .

        من الواضح أن عصف التغيير الذي أحدثته الانتفاضة التونسية المباركة سيطال جميع شواطئ البحر الأبيض المتوسط .

 

انتفاضة للجوعى وليس ثورة للياسمين

        يقيس أصحاب القرار الغربيين كل ما يجري في العالم من أحداث بل وحتى ما جرى في التاريخ بناءا على نظرتهم الأوربية العنصرية المتعالية تقودها نزعة تفوق يعانون منها بالنسبة إلى الشعوب الأخرى التي تسكن الأصقاع الأخرى من الكرة الأرضية : فالتاريخ تمرحل سابقا ولاحقا وعالميا على مقاساتهم وكما تجلى بقانونه الخاص لديهم ، فيصبح الفكر البشري برمته هو امتداد لفكر اليونانيين أو ترجمة إرثهم الفكري ، فقبل اليونان لم يكن هناك بشر . ولم الحضارة البشرية المتوارثة من وجهة نظرهم مسلكا آخر إلاّ إليهم ثم صدّروها هم إلى بقية العالم بمعرفتهم وبالقوة والقتل والإبادة . فإن لم يأكل الآخرون بطريقتهم فهم متخلفون ، وإن لم يعبدوا الله بطريقتهم فهم متخلفون ، وإن لم يصلوا مثلهم فهم متخلفون أيضا ، حتى اليهودية والمسيحية التي انطلقت من شرقنا إليهم صادروها ، فتحولت يهوديتهم ومسيحيتهم “حضارية” و”عقلانية” وبقيت يهوديتنا ومسيحيتنا “متخلفة” ، إنهم بكل بساطة نازيون وعنصريون .

        لقد طاب لهم أن يخلعوا على الثورة التونسية أسما “حضاريا” ليليق بمقامهم وأطلقوا عليها “ثورة الياسمين” ، فهم يا حسرتي يخجلون أن يطلقوا عليها ثورة جوعى أو محرومين على أساس أن قاموسهم اللغوي قد خلا من مفردة “جوع” و”حرمان” فهي قد انتفت من لدنهم منذ فترة طويلة ( منذ أن تحولوا إلى امبرياليين واستعمروا البلاد في جميع أنحاء العالم ونهبوا ثرواته وأبادوا الشعوب أو استعبدوها ) لذا هم لا يعرفون في وقتنا الحاضر طعم الجوع وإن كانوا قد عانوه سابقا فقد نسوه ، فالكلاب عندهم شبعانة ، بل اكتشفوا فجأة إن الجوع والفقر سمة من سمات “العالم الثالث” “المتخلف” ، لذلك فهم لم يشهد تاريخهم الحديث ، بعد أن نسوا تاريخهم المتوسط والقديم ، سوى ثورات “برتقالية” و”أرجوانية” و”ديموقراطية” و” وردية” و” أرزية” و” تويترية-فيسبوكية”(نسبة إلى موقع الالكترونين تويتر وفيسبوك وهي تسمية قد أطلقوها على حركة الاحتجاجات في إيران أعقاب انتخاب أحمدي نجاد) لتغيير الأنظمة التي لا تعجبهم في بلادهم . لا ينبغي أن يغيب عن البال أن كل هذه “الثورات” الآنفة الذكر كانت مجرد انقلابات مدبرة برعاية المخابرات المركزية الأمريكية وتحريضها وتمويلها البذخ وغيرها الكثير ، لزعزعة أمن بلدان وشعوب وأنظمة رفضت الانصياع لهم في محاولاتهم المتواصلة للاعتداء عليهم وعلى أمنهم لنهب ثرواتهم أو لتوظيفهم في سياق هذه الأهداف في جميع أصقاع العالم .

        ما علينا ، فإن صيرورة الثورة التونسية والشعارات التي حملها الشعب في إطارها ونتائجها كشفت عن رؤية جديدة للقوة الشعبية الناعمة التي تملكها الشعوب إن تسلحت بالشجاعة ووعت مصالحها ، وأظهرت هذه الثورة أن الشعب هناك قد نفذ صبره من مصاعب تحصيل لقمته ولقمة عياله في ظل العلاقات الرأسمالية السائدة ، من أجور متدنية وبطالة وإفقار وتمايز طبقي مهول بين ثلة قليلة من لصوص أغنياء يتحكمون بمصائر الناس ويصادرون حرياتهم ويتحكمون في مصائرهم ومصائر أبنائهم ولقمة عيشهم من جهة وعامة الشعب من الجهة الأخرى . إن هذه الثورة في أبعادها العربية والعالمية أشارت إلى المعاناة الاقتصادية التي يعانيها شعوب العالم الفقيرة والأزمة المعيشية العامة والتمايز الطبقي على المستوى العالمي في ظل اقتصاد الكازينوهات المعولم .

        يطلق على الانتفاضة التونسية في الصحافة الغربية والأمريكية منها بشكل خاص “ثورة الياسمين” ، ولا ندري إن كان هذا بسبب أن هؤلاء الصحافيون الغربيون قد شاهدوا الشعب التونسي يحمل في أعناقه عقودا من الياسمين أثناء احتجاجاته في شوارع المدن التونسية؟ أم أنهم قذفوا عناصر الأمن التونسية بالياسمين ردا على إطلاقهم الرصاص عليهم(كما استقبل الشعب العراقي قوات الاحتلال الأمريكي بالورود؟ الله يجعل أحلامهم دايما وردية) أم أنهم كانوا يرتدون قمصانا ياسمينية ؟

        لماذا لم يتنازل هؤلاء الصحافيون عن أبراجهم العاجية ليقتربوا من صفوف الشعب أكثر إن أرادوا معرفة الحقيقة ،  لكانوا شاهدوا عندئذ جموعا مختلفة من الفقراء والجياع والعاطلين عن العمل شجعانا ، خاضوا غمار انتفاضة بقبضة واحدة في أبهى تجليات الصراع الطبقي أبو الصراعات جميعها ، ولكانوا اكتشفوا أنه لم يكن على رأس مطالبهم كما يحلو لهم أن يحللوا : حرية التعبير والنشر والانتخاب والرأي والمواقع الالكترونية على الرغم من حقهم في ذلك ، ولكن كانت قوتهم المحركة باتجاه المطالبة بتخفيض أسعار المواد الغذائية الأساسية وحقهم في العمل ثم الحريات . إن الدوافع الأساسية للقلاقل الاجتماعية الحالية في العالم ولانتفاضات الشعوب في عصرنا الحالي هو ما يتبعه لصوص وول ستريت والبنك الدولي وشركات النفط والمواد الغذائية والأدوية ومجموعة الثمانية من سياسات منحازة لمصالحهم وجني أكبر كمية ممكنة من الأرباح لزيادة أرصدتهم المليارية في بنوكهم ، وسطوهم المتكرر والمتعاقب على ما يسد رمق الشعوب واستغلال قوة عملهم وسرقة فوائضها وتركهم نهبا للجوع والبطالة والموت مرضا .