ألثورة والسحرة

 

ألثورة والسحرة

أحمد حسين

 

        يخطيء من يظن أن لأمريكا والغرب الليبرالي، شركاء استراتيجيين في المنطقة العربية، عدا الإخوان المسلمين وإسرائيل. يمكن  ملء الفراغات مرحليا بالعملاء النظاميين، ولكن هؤلاء ليسوا أكثر من وكالات مؤقتة، لمشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يواجه بعراقيل دولية وإقليمية ومحلية كثيرة.

        مهما تعددت المشاريع السياسية في المنطقة العربية، فليس هناك حاليا، ولم يكن في السابق، ولن يكون في المستقبل المنظور، سوى ثلاثة مشاريع رئيسية. الصهيونية، والإسلام السياسي العلماني (الإخوان) والمشروع القومي. ومن حيث المشروع الأول فإنه جزء من عضوية المشروع الأمريكي الكوني المشترك مع الصهيونية.  بينما يظل المشروع الثاني  هو الخيار الوحيد  أمام  الشريكين، لملء الفراغ الإجتماعي والإقتصادي بحليف سياسي يتطابق جذريا مع استبدادية مشروعهما الإمبريالي الإجتماعية، من حيث تسليمه  الفكري ( المؤسلم ) بالطبقية والتراتب النخبوي، ومن حيث ميوله الكومبرودورية ( البيع والشراء والتمول)  الموروثة التي تقدم فلسفة الربح  التجاري والسياحة المالية،والمردود السريع، على الفلسفة الإنتاجية. هذا الموروث المدعم بالسنن الفقهية، يشكل العقل لإقتصادي لعامة الهجريين.  أما أسبابه  فليس هذا مجال تفصيلها، ولكن أهمها  طبيعة النشأة البرجوازية المالية  للعرب، التي سبقت الإقطاع بقرون عديدة، وأصبحت بعد ذلك محورا للتعاليم الإسلامية اللاحقة. وهذا لا يختلف سوى بالملابسات التاريخية، عن جوهر العولمة التي تسعى للفصل بين الإنتاج السلعي والرأسمال النخبوي للنخبة الأمبريالية العالمية. إن أكثر من الحد الأدنى من المصالح المشتركة، متوفر بين المشروعين على الساحة. بل أنهما متماثلان  في الجوهر التاريخي  والفكر الإجتماعي مع الصهيونية بالذات، إلى حد التوافق.  وإذا أضفنا إلى هذا التوافق، وجود العدو المشترك ممثلا في فكرة التحرر القومي، أصبح من المستحيل منطقيا تغليب التعارض على التوافق بينهما. كلاهما تاريخيا، ظاهرتان، شرقية وغربية، للإستبداد الشمولي، والعداوة للتحرر الإجتماعي.

        ويكفي أن يتنازل الإخوان عن استراتيجية  استرجاع الخلافة الإسلامية، وتكتيك العداوة  لإسرائيل وسوف نجد أمامنا أديان الراسمالية الثلاث داخل قبعة الشيطان  الإمبريالي.

        منذ أيام بوش الأزعر، وأمريكا تحاول أن تقنع مبارك باستدخال حركة الإخوان في النظام، ولكن نوايا التوريث، والرفض الإسرائيلي  لاستدخالهم كمنافسين، جعلته يرفض. أخذه الإستكبار لدرجة  أنه  قال لأمريكا: لا! لأن توريث إبنه  كان شيطانه الملح. وقد شجعه دعم إسرائيل له، لدرجة أنه تحول في السنوات الأخيرة إلى رجل إسرائيل في المنطقة.  ومن أنتبه لموقف البيت الابيض، وما قاله الرئيس الأسود، بعد تلكؤ مهين، أدرك أن كلينتون ووزير خارجيتها أوباما كان يقولان لمبارك بتشف: لقد نصحناك! والآن دعنا نحاول تخليصك إذا وافق شعبك، أي الإخوان المسلمون.

        أما مشروع التحرر القومي، فمن الطبيعي أن يكون في أسوأ حالاته. إنه في نسخته العربية، يشكل الخطر الإستراتيجي الأكبر، على الغرب عموما، من حيث تطلعاته التحريرية والتحررية معا، ومن حيث إمكاناته لوجستياته البشرية والجغرافية والأقتصادية الضخمة، ومن حيث أهليته الحضارية الممتدة، وإمكانية تحوله إلى حائط صد تحرري وقومي وثقافي  في مواجهة الغرب. لقد  ظلت قضية التحرر القومي العربي، هي بن لادن القوميات الغربية. وهي الأن بن لادن العولمة الأمريكية الصهيونية، فماذا ينتظر من الشريكين العولميين، غير الإبقاء بكل وسئل العنف المختلفة  على فراغ قومي عربي، وتصفية أية محاولة قومية بشكل دوري على ساحتنا العربية؟ وأين سيجد حليفا طبيعيا لأهدافه على الساحة أكثر من الحركة الدينية المعتدلة؟ إن هذا الواقع يفسر بوضوح دور حركة الإخوان، في قطع الطريق على  أي نهوض قومي، هو الوسيلة المنطقية  الوحيدة لنهضة الشعوب العربية. وقد رأينا ذلك بالوقائع الدامغة في مصر والعراق، وفي البلبلة التي  خلقوها في الأوساط الشعبية، عن  طريق التأكيد أن الضربات التي وجهت إلى الحركة القومية، كانت نتيجة لفشل الفكرة القومية من أساسها، وليس نتيجة لتعاونهم مع الغرب عموما، ليطرحوا بعد ذلك أن ” الحل هو الإسلام “. هذا الشعار في غياب  تسييس الوعي العربي، شكل  دليلا  حتى دينيا على فجور هذه الحركة السياسي. فقد غيبت كل أشكال التكليف الإنساني والإجتماعي من وعي الشعوب العربية، بالتصديق العفوي لأي تضليل ديني مستغلة وطأة الغيبية على عقول الهجريين.

        ليس هذا بالكلام الجديد، ولكن الحراك الشعبي الجاري على الساحة العربية، أعطى الفرصة لأمريكا لمحاولة تنصيب الإخوان المسلمين بديلا عن جيوب العمالة الرثة  التي قد تتهاوى كما حدث في تونس، ولمنع انحراف حركات التحرر هذه إلى التواصل مع الوعي  التثويري. كما فتح الفرصة أمام العربي العادي للتواصل مع  حقيقة أن أي حراك تحرري، لا يحرر الإنسان العربي من ماضيه المملوء  بالنكبات والجوع والفشل، سيكون انتقالا، داخل السياق، وليس خروجا من السياق. وأنه لا يوجد أمامه خيار موضوعي في هذه الحالة سوى التموضع داخل إمكانه الشعبى الوحيد، وهو الوعي القومي. أي نجاح  تحرري آخر غير ممكن منطقيا.  كل النخب على الساحة هي نخب سياسية  وليس نخب تحررية أو ثورية. أي أنها مرتبطة حتميا بالمرحلة بشكل أو بآخر ومستعبدة  لمصالحها الفئوية. قسم منها سيحاول أن يكون وريثا سياديا للمرحلة الجديدة ( ألنهضة في تونس ) و (الجماعة في مصر ). وقسم منها سيحاول التحالف المدفوع الثمن، كالعادة، مع المرحلة الجديدة  ( تجمع الشغيلة لتجارة الجملة في تونس، والوفد واليسار وكفاية في مصر ). وسيكون معنى ذلك، فرصة تضيع، وظلم يتجدد، وحرية ديموقراطية سيكون الإستبداد صاحبها.

        القومية ليست المثل الأعلى للتحرر في كل العصور. ألقومية مثلها مثل كل المشاريع السياجتماعية مفتوحة على عيوب السياق التاريخي، ولكنها ليست خيارا فكريا يمكن تجاوزه دائما في الجدل الإجتماعي التطوري، فهي جزء من سياق التطور الحتمي للجماعات المتعايشة في التماثل البنيوي للظروف والحركة السياقية. وفي مرحلة من المراحل المتقدمة تكون هي الباب الوحيد والطبيعي، المفتوح على احتمالات التحرر ورفض التبعية، والخروج إلى فضاء استقلال الإرادة. ولا أعتقد أن تجربة قومية تأتي من الأعلى، ستكون  مثل تجربة تأتي من تجربة منبع التحرر وهو الإرادة الشعبية. ونظام تحرري يأتي بالإرادة الشعبية المباشرة، سيظل مرهونا بهذه الإرادة التي أثبتت قدرتها على فرض نفسها. إن بناء مؤسسات الوعي التحرري القومية هو الذي سيقوم بحماية التحرر. ومهما يكن من أمر فلا تحرر من أي نوع كان  خارج هذا الخيار. لا تحرر ولا خيارات في التبعية. ولا مكان محتمل لهما إلا في الخيار القومي  اليساري والتحرري. لا عزة ولا كرامة للمواطن، ولا عدل ولا حرية ولا شخصية، في أنظمة التبعية. لأنها كلها اقتراحات مرفوضة سلفا في الهيمنة الخارجية. مكانها الوحيد هو في  ديناميات الإرادة الذاتية، والإنتماء الموحد لكل مصالح الشعب، في إطار الشخصية القومية. هذه مقولة التاريخ: من القومي إلى الإنساني عبر التحرر الذاتي للشعوب. لأن القومي هو الشعبي. فماذا سنختار؟ لا خيار لنا سوى تصحيح خللنا التطوري والوعيوي الذي أحدثته التبعية للآخر، واستلاب الوعي  في التجربة الدينية.

        والحركة بحاجة دائما إلى نخب، وفي القومية،  الشعبوية هي التي تخلق النخب، لأن مصالحها الجماعية المشتركة هي التي توجه السياق وتصنع ثقافته من كل شيء مشترك في جدل المصلحة الواحدة، ومثقفو السياق يخرجون منه نظريا بمجرد الخروج عليه، لأن السيادة ليست للفلسفة بل للسياق العملي الملتزم بالغايات الواضحة للجميع. والساحة العربية منهكة بالكذب السياسي والثقافي، وكثير من مثقفينا القوميين  يعملون في بلاطات الكذب القومي  بمعزل عن الشارع. لذلك لم ولن يصبحوا نخبا قومية أو غيرها. والقومية ليست بحاجة إلى نخب سياسية، لأنها أصلانية الشعوب وجدليتها الموضوعية التي  بادلتها التكوين. إنها سليقة المصير والمستقبل لدى الناس ولا يمكن أن تخدعها بهلوانيات  المتقومنين.  لذلك رأينا كيف عندما  تصل الأمور حد الضرورة، هي التي تقود نفسها، وتنوب عن النخب في الوقوف أمام التحديات بعفوية المصلحة العامة، وتدوس كل المعوقات الداخلية والخارجية.  ولكن تحيات الركامية الفاسدة والمعقدة التي خلفتها المراحل الضائعة، تستوجب الكثير من الحذر  حتى لا تختنق الثورة، بعملاء الشر العالمي المتجذر في ساحتنا.