عمّا بعد الثورة

عمّا بعد الثورة

جان عزيز

 

في أبستمولوجيا الثورة، نظريّتان لا تتّفقان. الأولى تلخّصها المقولة الشهيرة بأن كل ثورة تأكل أبناءها. أما الثانية، فتسبغ على الفعل الثوري لبوساً إيجابياً، انطلاقاً من معادلة أن حركة التاريخ لا تعود إلى الوراء أبداً، وإن بدا تقدّمها بطيئاً في بعض الأحيان، مقارنة بسياقات تكثيفها أو بانتظارات الناس وتوقعاتهم
هذا الكلام مناسبته بالطبع موسم سقوط الأصنام في محيطنا، وتحديداً في بلدان بدت في لحظة ما ـ وهي لحظة دامت عقوداً ـ كأنها استدخلت الصنمية في وجدانها والأحشاء ونسغ الطبائع والسلوك، حتى صارت لدى شعوب كاملة طبيعة ثانية، لا بل طبيعة ثابتة.
إلى أين تذهب ثورات تونس والقاهرة ـ وغداً سواهما ـ من هنا؟ هل تذهب إلى الفعل الثوري الذي ينتهي بأن يأكل أبناءه، أم إلى دفع حركة التاريخ إلى الأمام، ولو بضع بوصات؟
أصحاب النظرية التاريخية الأولى لا مشكلة عندهم في عرض أنطولوجيا الانقلابات العسكرية والسلمية، الثورات الحمر والبيض وما بينها، في كل أنحاء العالم… ليخلصوا إلى أنها بلغت جميعها نهاية من اثنتين: إما الفشل بالفوضى المطلقة حتى «الكايوس»، وإما السقوط في قبضة «جنتة» جديدة، وبالتالي استبدال طاغية بآخر. ولم يكن ينقص هذه النظرية إلا جورج أورويل، ليكرّسها في الأدب العالمي عبر «مزرعة» حيواناته ـ أو هي حيواناتنا نحن البشر ـ لتصير تلك النظرية موضع شبه إجماع فكري أو شعوري أو انطباعي في كل زمان ومكان. وفي منطق أصحاب هذه النظرية، أن الديموقراطية، كحالة إنسانية مثلى، تضمن «سعادة» الإنسان وخيره وسلامه ورفاهه، لا يمكن أن تكون نتاج لحظة أو حدث أو فعل… بل هي عمل تراكمي ثقافي «أجيالي»، حتى وإن كانت الثورات أحياناً مفاصل تكثيف للمسارات، سلباً أو إيجاباً.
وأقصى ما يمكن هؤلاء أن يقدموه من تنازل في قراءاتهم المفهومية، هو ملاحظة عملية إعادة التكيّف للطبقات الحاكمة، رغم الثورات، أو من فوقها. هكذا يرون قيام الحركة «الديموقراطية المسيحية» في أوروبا الغربية في النصف الثاني من القرن الماضي، «تكيّفاً» من أحزاب اليمين الأقصى، مع «ثورة» سقوط الفاشية والنازية بفعل الحرب العالمية الثانية. ويرون في «سياديّي» الدول السوفياتية السابقة، تأقلماً من شيوعيين سابقين مع «ثورة» فاليسا الإرهاصية لسقوط جدار برلين، التي يعرفون تماماً أنّ حوافزها الفعلية كانت بعيدة عن حوض غدانسك وبوابة براندنبورغ، وأقرب إلى روما فوتييلا وواشنطن بريجنسكي
غير أنّ الرائين إلى فعل الثورة بعينين زهريّتين، لا يحبطهم هذا المنطق، بل يقبلونه ويبنون عليه وينطلقون منه لاستشراف الغد الأفضل، في كل لحظة ثورية. فالتاريخ البشري بالنسبة إلى هؤلاء، حركة أحادية الاتجاه في الزمن، تتباطأ أو تتسارع، تفتح هلالين أو تنجز حلقة كاملة موقتة، لكنها في النهاية حركة مشدودة صوب قطبية الأفضل والأمثل. هي تماماً ما يصفه اللاهوت السياسي بمفردة «تيليولوجيا»، وهي حتى ما يطلق عليه خصوم هذا المنطق «اليوطوبيا».
لا يرجع الإنسان في سعيه إلى الخير نحو الوراء. فالثورة اللينينية، مهما كانت شوائبها الستالينية، أعطت لموسكو زمناً أفضل من زمن القياصرة. وثورة إجهاض البيريسترويكا، مهما كانت سقطاتها اليلتسينية، منحت «روسيا المقدسة» أياماً أفضل من أيام بيريا و«الرفاق»…
هكذا هو تاريخ الإنسان بحسب هؤلاء، والثورات فيه حركات دفع وزخم وتكثيف وتهديف
أيّ من النظريتين ستتأكد بعد أحداث تونس والقاهرة وعواصم أخرى منشودة؟ قد يكون من المبكر التوقع أو التنبؤ، خصوصاً حين تأتي «الثورة» بلا موعد ولا تخطيط ولا توقيت مجلس ثورة ولا ساعة البلاغ رقم واحد. حين يكون الثوار موجات الجياع والمقهورين والمحروقين أو المحترقين، يكون موعدهم الأمل مع الفراغ، ويصير موعد الفراغ الأول مع «العسكر»، ولو لأحكام الضرورة الانتقالية. بعدها يبدأ التحدي الفعلي لمدى نضوج المجتمع والنخب والبنى للفعل الثوري، فإما أن يبلوروا البدائل الديموقراطية، وإما أن يستنقوا في دوامات «المؤسسة الوطنية» الحامية لنفسها أولاً، ولاستدامة الخيبات ثانياً.
مهما كان المؤدى، يظل ثابتاً أن العالم رتيب جداً بلا ثوار، وأن ألوان السماء والبحر باهتة جداً بلا دمائهم، وأن أول قوس قزح في الأرض، امتدّ على الأرجح بين بقعتين من عرق المقهورين. وككل قوس قزح، بعض العلم يرى فيه لحظة سراب، وبعض الناس يرون فيه بشير انقشاع، وكل الأرض تدرك أنه إشارة انعطافة… ليس مصادفة أن تكون كلمة ثورة قد جاءت أصلاً إلى ذهن كوبرنيكوس من دوران النجوم

:::::
“الاخبار”، http://www.al-akhbar.com