نهاية رئيس غير محترم!

نهاية رئيس غير محترم!

جمال محمد تقي

 

        ربما تكون نهاية مبارك اكثر مهانة من نهاية بن علي، فعلى قدر فهم وتفهم الرؤساء تأتي النتائج، وكلما كان الرئيس المخلوع اقل صخبا في تقبله للامر الواقع كلما كان رحيله اقل اهانة، ويبدو ان مبارك قد اختار طريق الصخب المضرج بالدماء كما فعلها من قبله زميله في المهنة بن علي، وقد تاخذه المآخذ الى ما هو ابعد من حالة بن علي لانه ما يزال يراوغ ولا يريد ان يصدق بانه قد خلع فعلا.

يبدو ان خطة نظام مبارك الامنية والتي وضعت بعد سونامي الثورة الشعبية في تونس والقاضية بترويض واستنزاف ومن ثم استيعاب اي حراك شعبي جارف يحاول فرض اجندة التغيير التي يتداولها الشارع المصري ونخبه، قد تم تنفيذها بحذافيرها، وهنا نذكر مقررات حكومة نظيف بهذا الصدد، ومنها عدم استفزاز الفئات الشعبية بتصريحات تصعيدية، وتجميد كل قرارات رفع الاسعار وتقليص الدعم ورفع الضرائب، واخرها كان وضع خطة امنية للطواريء بغرفة عمليات مشتركة بين الداخلية والدفاع والمخابرات، يرشح لها مندوبون معتمدون وبشكل مباشر من قبل حبيب العدلي وطنطاوي وعمر سليمان، ويكلف هؤلاء بادارة الازمة امنيا وبتكتيكات متكاملة ومتساوقة ومموهة وبتبادل للادوار وبصلاحيات رئاسية مفتوحة، ما لم تعطل بقرار رئاسي اخر، بهدف الدفاع عن النظام وضمان استمراره وفي كل الاحوال، ولغرفة العمليات تلك انشاء بؤر وهياكل تنفيذية فورية وبتمويل مفتوح لتسهيل مهماتها، وفعلا تم تشكيل بؤر في اجهزة الداخلية، وخاصة في مباحث امن الدولة، وادارة شؤون السجون، وشرطة مكافحة الشغب، وكذا في بعض هياكل الحرس الجمهوري، وشرطة حراسة المؤسسات، وفي دائرة الاذاعة والتلفزيون ووزارة الاعلام، والاتصالات ـ كالانترنيت والمحمول ـ واخيرا بؤر في بعض هياكل حزب السلطة.

        لقد جرى الشروع الفعلي بتنفيذ الخطة الامنية منذ فشل اجهزة مكافحة الشغب بتفريق امواج المتظاهرين في وسط القاهرة والاسكندرية والسويس اي منذ ليلة مابعد يوم عيد الشرطة 25 يناير، حيث تم اصدار الاوامر لكل منتسبي اجهزة الداخلية في المدن والاحياء المشتعلة بالانسحاب وترك دوائرهم، ومن ثم اعطاء الضوء الاخضر للفرق المكلفة سلفا بالاعمال القذرة ـ كاشاعة عمليات النهب والسلب والقتل العشوائي واحراق بعض الممتلكات العامة بالتزامن مع اطلاق سراح اعداد غير قليلة من الحكومين والموقوفين لاسباب جنائية ـ لتشويه صورة الاحتجاجات الشعبية من جهة وايضا للحد من امكانية امتدادها وذلك بحكم ترويع الناس وجعلهم ينشغلون بحماية انفسهم وعوائلهم، وجرى انزال رمزي لقوات الجيش ومدرعاته في الاماكن الحساسة من القاهرة والاسكندرية ومن ثم السويس، مع ايقاف كامل لخدمات الانترنيت والمحمول، لكن تلك المجريات المترافقة بقرار حظر التجول لم تثني المحتجين عن عزمهم، وهذا ما دفع النظام الى محاولة الالتفاف على المطالب الشعبية بقرارات توحي بالتجاوب الجزئي ولكنها تبقى غير جوهرية، كاستقالة حكومة نظيف وتعيين نائب لرئيس الجمهورية في اشارة لانتفاء التوريث، وتعيين رئيس للوزراء، احمد شفيق، وهومن العسكريين السابقين غير الملوثين بالفساد الدائر، لكنه بنفس الوقت من المقربين لمبارك مثله مثل عمر سليمان الذي عينة مبارك كنائب لرئيس الجمهورية، بما يعني ان مبارك اختار الحل الامني والى النهاية.

        المواجهات مستمرة والضحايا بالمئات وحركة الاحتجاج تزداد قوة واتساع لتشمل كل مدن والمراكز المدنية والريفية في مصر، الاحتجاجات مستمرة ويزداد انظمام النخب اليها، وترسخ سقفها بحكم اليات التحدي والاستجابة المطالب بالاطاحة براس النظام ومن ثم تغييره على التوالي.

        مقر وزارة الداخلية كان مركزا لغرفة العمليات وكان حراسه يقنصون المحتجين، وشرطته السرية كانت تعبث بامن الاحياء الامنة، لقد حوصر المقر، فهرب حبيب العدلي بمساعدة من قوات الجيش التي منعت المحتجين من اقتحام الوزارة، الان يستخدم نظام مبارك وغرف عملياته الامنية البدائل المتاحة وهي المقرات الامنة والبعيدة عن المواجهات المباشرة، كمقر شرم شيخ، ومقر القصر الجمهوري ومقر وزارة الدفاع، اضافة الى مقر الاذاعة والتلفزيون والذي لا يبعد كثيرا عن ميدان التحرير، عاصمة الثورة الشعبية في مصر المحروسة بشعبها، وليس بالقوات التابعة للنظام وغرف عملياتها، ان تركيز الثلاثي الامني المكون من عمر سليمان وطنطاوي والعدلي، على تامين سلامة ما تبقى لها من بؤر عملياتية وسط القاهرة كالداخلية ومقرالاذاعة والتلفزيون هو امر جلي، فقد قام طنطاوي بزيارة خاطفة لمقر الاذاعة والتلفزيون وهو تحت حراسة مشددة ونقل التلفزيون المصري مشاهد ممنتجة من تلك الزيارة التي اريد لها تاكيد ان السلطة مازالت تمسك بزمام الامور فالوزير طنطاوي كان مرتديا الزي القتالي واخذ يصافح بعض الجنود الذين يحرسون المقر قائلا لهم لا يهمكم فان مصر بخير، ويبدو ومن خلال تلك المشاهد ذاتها فان الجنود كانوا متجهمين، لكنه عندما تكلم مع جنود اخرين من الحرس الجمهوري فان تجاوبهم معه كان ملفتا!

        مبارك يريد ان يثبت لامريكا واسرائيل بانه ما زال ممسكا بزمام الامور، وراح يتكتك هنا وهناك، محاولا فعل ما امكنه وباسرع وقت لاسكات المحتجين حتى لو قصف المحتجين بالطائرات، او فخخ بعض المعتوهين لينفجروا وسط الحشود، لقد اشعل الحرائق في شوارع مصر كلها لاحراج المحتجين واخافتهم، لكن شباب ميدان الحرية قد هتفوا ساخرين منه، وهم يرددون، لا تلعب بالنار يا مبارك لانها ستحرقك.