قصر الرئاسة: إما ان يصله الشعب او الجيش

قصر الرئاسة: إما ان يصله الشعب او الجيش

عادل سمارة

·        ألنظام: امتصاص طاقة الشارع

·        الشعب: مجلس معارضة

·        وخبث البرادعي

 

تدور تساؤلات حارقة عن تمسُّك النظام في مصر وخاصة حسني مبارك بالسلطة إلى هذا الحد. يذهب البعض إلى أن هذا ضرباً من الغباء، وهذا تفسير غير متعمق. ما يجري في مصر هو صراع طبقي بلا مواربة وإن كان تحت سطح مياه النهر حيث التيارات القوية الجارفة لا تبدو، وإن كانت تحمل على ظهرها ماء هادئة وربما زبداً.

إن السلطة الحاكمة في مصر هي بنية طبقية متجذرة:

  •  مصلحياً  إلى درجة توجب عليها التمسك بالسلطة/الثروة المنهوبة حتى الموت وإماتة الوطن.
  • ومتجذرة صلاحياتياً إلى درجة تسمح لها بهذا الاستمرار رغم الطوفان الشعبي.

بكلمة أخرى نحن نتحدث عن بنية طبقية مكونة من الطفيليين والمافيا والكمبرادور (مدنيين وأمنيين وعسكريين) بنية تقف على راس مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع إلى درجة أن اقتلاعها يعني سحب شجرة لها جذور تحيط بكل بنية المجتمع بل اخطبوط لا يُقتل إلا بوصول (القصر الرئاسي) رأسه المختفي بين اذرع عديدية تحميه وتمتص دماء الشعب.

ومن هنا فإن اقتلاعها ليس سهلاً. وحتى حين تقرر الخروج أو تسليم السلطة فإنها هي نفسها لن تتمكن من ذلك بسهولة لأن اقتلاعها لا يعني اقتلاع افراد وحسب. إنها طبقة في مواجهة الشعب بأسره.

ولا شك انها طبقة تسترشد بخبرات عقود طويلة وبخبرات الغرب الراسمالي والصهيونية التي تدير النظام حتى بدرجة من الوضوح.

ربما هذا ما يفسر عدم قدرة راسها على توقع أن يأتي يوم يقول له الشعب: إرحل. وقد لا يكون عدم التوقع هذا وهماً بالقوة بل علماً بعمق احتلال هذه الطبقة للمجتمع، وكأنها تقول لن أُقلع حتى أدمر البلد.

تكتيك السلطة

لم تكن السلطة غبية حتى الآن، فهي تُدير وتعمل لمصالحها وهذا يكفي لإقناعها بالبقاء مهما كلف الثمن. وقد تكون ثروة حسني مبارك مثالاً يُفهمنا معنى تمسك هذه الطبقة بالسلطة. إن وصول ثروته من صفر عام 1980 إلى أربعين مليار دولار تعني أن هذه أربح شركة في التاريخ! إنها حالة نهب بالمطلق.

لابد من أخذ العبرة مما تخطط وتفعل هذه السلطة،  فهي في شد وجذب مع الشعب بطريقة تُراهن فيها على تعب ويأس المواطنين الثائرين. لقد طبقت الخطوات التالية:

  • القتل المباشر والكثير على الطريقة الكلاسيكية (خبرات كيسنجر)
  • سحب الشرطة من الشوارع لتمارس النهب والقتل
  • تمكين اللصوص من قوات  الأمن واللصوص المدنيين من السرقة والتخريب.
  • إنزال الجيش إلى الشوارع في خطة للتخويف كي لا يتقدم الناس إلى القصر الجمهوري ومفاصل السلطة
  • الزعم بأن الأحزاب كانت غائبة بالمطلق لأن الأحزاب هي التي تقدم البدائل
  • وان الشباب وحدهم الذين بدأوا وما زالوا هم قيادة الحراك الشعبي
  • عدم أمر الجيش بالقتل كي لا يتشقق
  • الصبر على المحتجين طالما لم يتقدموا إلى مواقع السلطة،حتى:
    • يتعبوا
    • أو يميلوا للتفاوض
    • أو يختلفوا فيما بينهم
    • أو يختلفوا مع الأحزب وكل ذلك بهدف عدم قيام قوة ممثلة للشارع.
    • أو يشتبكوا مع الأمن ثانية وهذا قد يعطي لقادة الجيش فرصة فرض الأحكام العرفية وقمع الشارع.

وقد لا تكون هذه نهاية ما في جعبة السلطة حتى الآن. ولا شك انها سلطة تشعر بالطمأنينة طالما بقيت قيادة الجيش بيدها.

ففي حالة انسداد كالتي فيها مصر الآن، لا بد من حسم الموقف بقيام الجيش بالخروج على حياده المشبوه، باتخاذ موقف من اثنين:

إما التصدي للشعب كجيش للنظام لوقف الحراك الشعبي

أو محاضرة القصر واستلام السلطة.

او ربما انشقاقات في الجييش.

فالمسألة اليوم هي وجوب الوصول إلى قصر الرئاسة، فإما أن يصله الشعب أو يصله الجيش.

حتى الآن، فالجيش يمنع الشعب من الوصول ولا يذهب هو إلى القصر. وهذا بارومتر حركة النظام وترتيب أوراقه وحصوله على فرصة الظهور بمظهر متماسك.

 

البرادعي فأر أم ثعلب

وصف ربوبرت فيسك[1] في مقالة له مؤخراً، وصف البرادعي بأنه فأر باسنان حادة. ولم يقصد الإهانة بالطبع وإنما ربما التعبير عن علاقاته وتحركاته السرية والمشبوهة.

صحيح ان قوى تحريك وقيادة الثورة ربما ليست معنية في اللحظة بوضع حد لمحاولات الامتطاء التي تكاد تكون حصرية في البرادعي، ولكن هذا لا يعني غض الطرف عنها. لقد اتضح ذلك في حديث حمدين صباحي رئيس حزب الكرامة الناصري الذي قال: نحن لم نفوض البرادعي بالحديث باسمنا، ونحن ضد محاولات امتطاء الثورة.

صحيح أن البرادعي يسبح في فضاء لا باس به وهو غياب قادة معروفين تماما للناس. ولكن هذا يجب أن لا يشكل عقدة أو مصدر خوف، إذا ما نظرنا إلى جوهر الصورة وليس إلى تعبيراتها القيادية. فالثورة كما يبدو هي حركة واسعة ومتماسكة وهدفها إسقاط النظام دون الخوض في شعارات قد تثير الانشقاق.

أما خبث البرادعي فيتضح حين نقرأ ما يقول لمن هم من خارج مصر ونقارنه بما يقوله في التظاهرات.

يقول في التطاهرات أن على الرئيس أن يرحل، وهذا طبعا شعار الشعب. لكنه في حديثه لروبرت فيسك يبين وجهه الحقيقي وارتباطاته والدور المناط به فهو يقول: “إن السلام مع إسرائيل لا يناسبه نظام ديكتاتوري وإنما نظام ديمقراطي”. اي ان البرادعي ليس ضد الكيان الصهيوني وليس ضد اتفاقات كامب ديفيد وهي أهم أخطر ما قام به النظام المصري بعد عبد الناصر اي ما أرساه السادات وعمقه واستمر به مبارك.

ويقول البرادعي: “…مراجعة علاقة متوازنة ، وخاصة في القضية الفلسطينية والعراق وأفغانستان …ومن ثم سيكون لديك عالما عربيا سيكون ذا توجه صداقاتي مع الغرب”

وهذا واضح بأن القضية الفلسطينية بالنسبة له حلا متوازناً، اي لا حق عودة ولا تحرير وإنما اعتراف كتحصيل حاصل بالكيان الصهيوني، وربما لن يرتقي موقفه بأعلى من سلطة الحكم الذاتي (اوسلو-ستان). وليس هنا مجال الحديث عن الصداقة مع الغرب، لأن التناقض التاريخي مع الراسمالية في الغرب لا يُناقش ولا يُقرأ بمثل هذا الحديث السطحي بل الخبيث. إن هذه الأقوال للبرادعي هي في الحقيقة تعبير عن محاولة امتصاص الثورة والإيقاع بها لتحمل هي بنفسها من يحل محل مبارك، اي  رئيساً غربي الهوى ولكن بدون بزة عسكرية. ولا حاجة كذلك للقول أن البرادعي قضى عمره في خدمة الولايات المتحدة وها هو يحاول إكمال الخدمة اليوم!

ورغم أنه يعرف التقدير الهائل شعبيا للرئيس عبد الناصر إلا أنه لم يتورع عن نهشه بطريقة ثعلبية حقيقية  حين قال ل فيسك: “…لم يقاتل الجندي المصري عام 1967 لأن ليس هناك شيئا يريد العودة إليه، ولذلك هربوا، إن عبد الناصر هو اسوأ ديكتاتور مر على مصر، لقد امَّم حتى البقالات”.

واضح تماما أن البرادعي ضد حق العودة، وأنه بلا ولاء ولا انتماء قومي عربي قطعياً. كما ان حديثه عن عبد الناصر يدل على ضحالة سياسية واجتماعية وخاصة بقوله أن ناصر “أمم حتى البقالات”. وهذا إما دليل جهل بالتأميمات او دليل حقد من عيار ثقيل!
ومما قاله كذلك: “أن الذين كانوا حول مبارك لم يجرؤوا على قول الحقيقة له”. وهذا الحديث هو الدارج في الوطن العربي من قيل من يُدافعون عن الحاكم. فالحاكم طيب ومسكين ولكن الحاشية كانت تكذب عليه!!!

يعرف الثوار كيف يشقون طريقهم، ويعرفون البدائل التي يمكن اعتمادها للحفاظ على زخم الثورة وعدم ضياعها. ويعرفون ذلك أنهم أمام دُهاة الإمبريالية والصهيونية والرجعية والكمبرادور العربي، ويعرفون كذلك أن قسماً من أدوات الغرب في السلطة وقسم بين الجماهير.

لذا، ربما تقرر الجموع دخول المعركة الفاصلة بالتوجه إلى قصر الرئاسة لإرغام راس النظام على السقوط. وقد تلجأ إلى العصيان المدني والإضراب العام اي شل مفاصل الدولة. وعندها يلجأ النظام إما إلى استخدام الجيش أو فرض الأحكام العرفية ومنع التجول التام. وعندها قد ترد الجماهير بتحدي النزول إلى الشارع ثانية. أي تحويل الصدام إلى شكل جديد.

وكل هذا منوط بإبداعات الشعب ووعيه بما يجب القيام به.

بقي السؤال المعلق: هل عجزت القوى السياسية وقيادات الشباب عن تشكيل قيادة بديلة للسلطة؟ فلا يكفي القول برفض الحوار، بل لا بد من بدء توجيهات للشارع وطرح تكتيكات يومية بديلة لتكتيكات النظام إلى جانب الإصرار على رحيل النظام.

فأعداء الثورة يقومون بتقسيم عمل خطير وذكي:

  • إصرار النظام على تحدي الشعب
  • إدارة الصراع بخلية صهيونية أميركية كمبرادورية مصرية عربية يكشف عنها صمت الأنظمة العربية
  • رمي بالونات سياسية من البيت الأبيض لا تحمل سوى معنى مساعدة عملائهم في الميدان على مواصلة التمسك بالسلطة وتفتيت جبهة الشعب. وهذا يطرع على العرب في كل مكان التحرك لدعم الثورة في مصر.

لا حياد حين يلتقي الجمعان!



[1] أنظر الرابط التالي:

 http://www.independent.co.uk/news/world/africa/mohamed-elbaradei-the-man-who-would-be-president-2200155.html#