حروب الاستقلال وحروب الديمقراطية

 

حروب الاستقلال وحروب الديمقراطية

مبدأ توفير ونقل الطاقة

أبو خالد العملة

ساهمت صرعة نشر الوثائق التي بدأها موقع ويكيليكس بإيعاز من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، إلى طرح التساؤل المشروع حول من يهرب هذه الوثائق وبهذا الكم؟ وما هي وظيفة العملية هذه؟ وبعد انتقال العدوى إلى قناة الجزيرة ومن نفس موقع الإيعاز، ولكن بدون ضجيج ومطاردة وهمية لوضاح خنفر مدير قناة الجزيرة كما حصل مع جوليان أسانج نجد أنه يحق لنا طرح المزيد من الأسئلة وقراءة السياق لنشر هذه الوثائق .

ربما كان مسموحاً في بدايات التسريب التي قام بها موقع ويكيليكس أن يتشكك الإنسان في أن العملية محض صدفة ومحض مبادرة من الموقع، لكن انتقال هذه العدوى إلى قناة الجزيرة واستخدام هذه الوثائق في صناعة الفوضى الخلاقة، كما حصل في نشر وثائق المفاوضات بين سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني والكيان الصهيوني وما احتوته هذه الوثائق والطريقة التي نشرت بها، والبروبوغندا المرافقة لها تشير إلى شبهة ووظيفة في منتهى الخطورة. ونحن نشير إلى ذلك فلا يمكن أن نضع أنفسنا في موقع الدفاع عن المفاوض الفلسطيني ولا عن برامجه، ولكننا نطرح سؤالاً على الناقد لنقول أن النقد ربما حق أريد به باطل أخطر. فالناقد القطري مؤسس منذ مدريد لعملية التسوية التي بقي المفاوض الفلسطيني غارقاً فيها وحده، وهو أي المفاوض الفلسطيني منتج هذه الأنظمة العربية وعلى رأسها النظام القطري. والناقد القطري سمسار ذو باع طويل في العلاقة مع الكيان الصهيوني والتطبيع معه واستقبال قادته، والناقد الإعلامي القطري قناة تساهم في تحويل انتفاضات الشعوب العربية ضد تحالف الفساد والاستبداد إلى عملية فوضى خلاقة” تسهم في التحكم باتجاه ومنتجات الانتفاضات العربية القائمة والقادمة.

فما الذي أرادته قناة الجزيرة من هذا التسريب وفي هذه اللحظة التاريخية بالذات، وعلى إيقاع الانتفاضات الشعبية التي تجري في أكثر من دولة عربية، لتبدو قطر وكأنها هي من يقود الثورة العربية في مواجهة التحالف الصهيوني الأمريكي وأتباعه من حكام المنطقة. وهل دولة قطر وتاريخها وحجمها وموقعها ومواقفها الحقيقية يمكن أن تكون مؤهله لهذا المكان ولهذا الدور؟؟

هل قناة الجزيرة هي من أدوات السيطرة الإعلامية المطلوبة للتحكم في إيقاع التحركات الشعبية لتبقى هذه الانتفاضات في حدود إسقاط طاغية انتهت مدته لعدم قدرته على معالجة أوضاع شعبه انسجاماً مع الإستراتيجية الأمريكية لصالح طاغية جديد يتناسب وإيقاع الفوضى الخلاقة غير المكلفة ورخيصة الثمن؟.

وهل المطلوب استثمار مشاعر الغضب الشعبي على الاستغلال والقهر والخيانة القومية لإسقاط نظم وقوى غير مأسوف عليها لإنتاج نظم جديدة على استعداد لتقديم ما لم تستطع  النظم الحاليه  تقديمه نتاج عجزها وتآكل قدرتها على مزيد من الخيانة ؟  مع بعض الإجراءات التجميلية للجديد بمشاركة ديكورات سياسية همها أن تبقى أهداف الجماهير مطلبيه وبعيدة عن أية أهداف قومية تحدد مستقبلنا الذي نريد .

نطرح هذه الأسئلة لأن كذبة المهنية الإعلامية لا يمكن أن تنطلي على عاقل. فأي عاقل يمكنه تصديق أن دولة قطر يمكنها أن تلعب هذا الدور لصالح الشعوب والثورات في مواجهة المعسكر الغربي كله وفي مواجهة تحالفه من النظم العربية الكبرى مثل مصر؟.

إنها لعبة خطرة حين نضعها في سياق كلي، لنرى أن ما يجري في المنطقة هو التطبيق للحزب الديمقراطي لنظرية الفوضى الخلاقة” الأمريكية الناعمة، بعد أن فشل تطبيق الحزب لنظرية الفوضى الخلاقة الخشنة. وحينها يمكننا فهم وظيفة و دور قناة الجزيرة في الثورة التونسية كما نتساءل عن وظيفتها ودورها في فضح السلطة الفلسطينية هل هو من أجل تصويب المسار الفلسطيني ووحدته الوطنية على قاعدة إدامة النضال والمقاومة بكل أشكالها حتى تحرير فلسطين ؟ أم لمزيد من تكريس الانقسام والاحتراب الفلسطيني المدعوم بمئات ملايين الدولارات وفي النهاية تصفية القضية الفلسطينية، كما وظيفتها ودورها في الانتفاضة الشعبية المصرية واليمنية.

انتهت الحرب العالمية الأولى بتقسيم الوطن العربي وتوزيعه كغنائم حرب على الدول المنتصرة من خلال صيغ الاحتلال المباشر، أو الانتداب حيث تم ذلك باستخدام فائض القوة العسكرية والقهر والاحتلال. وانتهت الحرب العالمية الثانية ليجري توزيع غنائم المجالات الحيوية ومجالات النفوذ هذه المرة بذات فائض القوة العسكرية مضافاً إليها طاقة جديدة تمثلت في الطاقة الناجمة عن رغبة الشعوب في التحرر من نير الاستعمار المباشر. وقد أخذت هذه الحرب شكل حروب الاستقلال. ليكتشف العالم العربي أن معظمها لم تكن سوى عملية إعادة انتاج للاستعمار من خلال الاستتباع والهيمنة غير المباشرة ومن خلال وكلاء حكام.

لا نتحدث هنا إطلاقاً عن عدم مشروعية الثورات وحروب الاستقلال والتحركات والانتفاضات الشعبية، فهي بامتياز الحق المشروع الأسمى، وهي الضوء الوحيد في نهاية النفق العربي الطويل والمظلم، وهي الطاقة الوحيدة القادرة على التغيير ورسم المستقبل.

وحاشا أن نتحدث عن تحالف مباشر أو غير مباشر بين تحركات الشعوب والقوى الامبريالية الاستعمارية، أو أن ننحكم لنظرية مؤامرة تافهة هنا أو هناك لتجعل كل تحرك نبيل مشروع شبهة أو سيناريو فرعي داخل مؤامرة كبرى.

ولكننا نتحدث هنا عن القوى التي بإمكانها التحكم في الطاقة المنتجة وتوجيهها بصرف النظر عن مصدرها ونوايا المنتج وأهدافه. فكل طاقة لا يمتلك منتجها وسيلة التحكم فيها ستبقى مفتوحة على إمكانيتين بين الهدم والبناء.

وليس أدل على كلامنا أعلاه من ظاهرة الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987م والتي يمكن اعتبارها بامتياز من أشرف وأنبل وأشجع الانتفاضات الشعبية في التاريخ، ولكنها حين لم تجد متحكمات تحولها إلى طاقة بناء فإنها سرعان ما تم تجييرها وامتطاؤها وتحويلها إلى طاقة هدم أنتجت اتفاق أوسلو الكارثي وكل إفرازاته ، لتضع معظم القوى الفلسطينية في دائرة أوهام التسوية من خلال الحوارات التي تمت بإشراف نظام كامب ديفيد وصولاً إلى المشاركة في السلطة ووقف المقاومة فعلياً من خلال انتخابات ديمقراطية شكلية؟! وفي هذا المجال فإننا نتساءل هل جرى في تاريخ الثورات انتخابات تحت حراب الاحتلال؟ أم أن الهدف هو مغادرة مواقع المقاومة إلى مواقع السلطة؟ وهذا ما جرى للأسف على أرض الواقع.

ونقف اليوم ما بعد نهايات الحرب الباردة والتي أعلنت عن مصادر قوتها وطاقتها الجديدة المتمثلة  في المزاوجة بين القوة العسكرية العاتية وبين الطاقة الكامنة في توق الشعوب للديمقراطية والانفكاك من التبعية.

وقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الكبرى المنتصرة في الحرب الباردة عن استعدادها لمزاوجة القوتين بوضوح من خلال مقولات محاور الشر والفوضى الخلاقة والديمقراطية والشفافية ومحاربة الفساد !

هذا الخلط ليس عفوياً، بل إنه يشكل الأسلوب الأمثل لتجيير الطاقة الشعبية، بكل ما تحتويه من خير وطهر ونبل أهداف،  لكي تتحول هذه الطاقة إلى غير اتجاهها وهدفها المقصود، وعلى مبدأ نقل القوة الميكانيكي، حيث يتم تحويل اتجاه القوة من خلال مسننات نقل القوة.

وهذه الفوضى الخلاقة أخذت أشكال مختلفة بدأت بالقوة العسكرية المباشرة بالحرب المعلنة على محور الشر، فكانت حربا العراق وإفغانستان بكل منتجاتهما المأساوية. وبقدر ما أعطت هذه الحرب من نتائج مأساوية على الشعبين العراقي والإفغاني فإنها أثبتت فشلها وكلفها الباهظة وغير المحتملة على التحالف الإنجلوساكسوني بشرياً ومالياً ، عندما استعملت القوة الغاشمة وحدها، وتجاهلت القوة الكامنة لدى الشعوب في التحرر والانفكاك من التبعية ونزوعها الديمقراطي. فكانت المراجعة لدى مراكز القرار الأمريكي في نهاية عهد بوش عبر وثيقة بيكر هاملتون، لإعطاء الأولوية لتوظيف طاقة الشعوب و توفير أدوات نقل هذه الطاقة من خلال توظيف الاختراقات لتتحرك على محور الاستهدافات الأمريكية، ويتم بذلك توفير الطاقة العسكرية والمالية الأمريكية المباشرة لحالات الاستعصاء وبالحد الأدنى أو مزاوجتها من موقع ثانوي إن لزم، لتظهر بمظهر المنتصر للديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير …الخ ، كما جرى ويجري في تونس ومصر وما يمكن أن يتبع.

حروب التشهير والابتزاز بالوثائق:

في محاولتها الوصول لمنتجات تجزئة المجزأ في الوطن العربي، أو سايكس بيكو جديد داخل سايكس بيكو القديم وتجربتها المرة والمكلفة على كل الصعد في إسقاط النظامين العراقي والإفغاني، سعت الولايات المتحدة لاستثمار طاقة الغضب الشعبية العربية والإسلامية الناتجة عن الحربين العراقية والإفغانية، والتوق الطبيعي للتحرر من نظم التبعية والفساد والاستبداد وتحويلها لتكون جزءاً من طاقتها، بدلاً من أن تكون في مواجهتها لأنها وراء الاستغلال والفساد لشعوب أمتنا العربية من خلال نظمها التابعة.

فلجأت إلى تمليك الشعوب مبررات موثقة للثورة على تحالف الفساد والاستبداد بعد أن نجحت في اختراق المؤسسات البديلة لضمان تبعيتها لها، ووضعتها أمام التحدي، فكانت التحركات الشعبية الساخطة في كل أنحاء الوطن العربي، ابتداءاً من تونس ومصر والأردن والسودان واليمن والقادم كثير.

فبعد أن مر العالم في مرحلة السيولة الاستراتيجية طوال العقد الأخير من القرن الماضي، فإنه في بدايات العقد الأول من القرن الحالي قد بدأ في عملية الصراع على تشكيل النظام الدولي القادم وما يندرج تحته من منظومات إقليمية، حيث من المستحيل الاستمرار في هذه السيولة إلى أمد أطول بما قد يفقد مراكز السيطرة الدولية قدرتها على التحكم.

إن تحالف الفساد والاستبداد في النظم التابعة في بلادنا هو بالقطع الأعجز عن وضع نفسه على خارطة القوة والأعجز عن انتزاع حقوق داخل تشكلات القوى القادمة إقليميا ودولياً. وما ينطبق على تحالف الفساد والاستبداد يكاد ينطبق على القوى السياسية التي نصبت نفسها أو تم تنصيبها كممثل لطموحات القوى الشعبية، فهي في معظمها إما صورة كاريكاتورية للتمثيل الشعبي أو صورة باهتة لنظم التبعية.

محكومة هذه القوى بفشلها التاريخي واستتباعها لشعارات وديماغوجيا النظم والمراكز الامبريالية، وأسيرة للهاثها من أجل البقاء وإعادة إنتاج الذات بالمعنى الضيق أو البيولوجي.

فقد رأينا في تونس كيف أن هذه الانتفاضة الشعبية النبيلة والعظيمة لم تجد قيادة سياسية منظمة وحاملة لاستراتيجية واضحة و تستطيع أن تكون أمينة على المصالح الشعبية وأمينة على مطالب هذه الانتفاضة الشعبية. فبدت بكل طاقتها الهائلة ونبل أهدافها يتيمة عارية تتناهشها قوى الاختراق المتصارعة في بنية النظام، وبقايا تحالف الفساد والاستبداد السابق، ومخلفات معظم القوى  السياسية في الخارج بما هي قوى احتياط غربية جاهزة لحظة الحاجة، وبحكم انتمائها لطبقة وسطى فقدت بحكم التحولات في النظام الرأسمالي لدورها التاريخي وأصبحت منتهية الفعالية بحكم الاستنزاف خارج إطار ساحة الصراع الحقيقي.

ها هو نظام زين العابدين بن علي يغادر غير مأسوف عليه، ولكن نظاماً أمريكياً بديلاً للهيمنة الفرنسية قد يكون الأقدر على التحكم في المنتجات من خلال قوة الجيش باختراقاته ومن خلال ممثلين مصنعين بشكل مسبق كممثلين محتملين للانتفاضة الشعبية.

لكن ألا يحق لنا التساؤل كيف يمكن أن تنجح حركة شعبية لم تحدد في شعاراتها أعداءها المركزيين عالمياً وإقليمياً ولم تحدد مخاطر ولم ترفع شعاراً واحداً يقرأ المخاطر السياسية المحملة في ثنايا التحولات الإقليمية والدولية على أمتنا العربية سوى لقمة الخبز؟؟ كيف يمكن قراءة الصمت على زيارة فيلتمان إلى تونس مباشرة بعد خروج زين العابدين بن علي؟؟ وما معنى الرسالة التي وجهها فيلتمان لقائد الجيش بالسماح للحكومة الانتقالية بالبقاء لستة أشهر؟؟ وكما يقول البعض من المفترض أن يهرب فيلتمان إذا كان في تونس أمام الانتفاضة الشعبية؟ كيف يمكن أن يغيب عن ذهن القوى الشعبية المصرية الوطنية والقومية حرق السفارة الإسرائيلية أو رفع شعار إسقاط معاهدة كامب ديفيد؟؟

تونس ومصر ثم السودان ثم اليمن والصومال  تشكل طوق الكماشة التي ستمسك بها أمريكا على إفريقيا من القرن الإفريقي إلى شمال إفريقيا إلى الجنوب السوداني.

إنها “الفوضى الخلاقة” التي ستدفع امتنا ثمنها من دماء أبنائها الأبطال دون إراقة نقطة دم أمريكية واحدة من خلال الانهيارات المسيطر عليها لنظم الفساد والتبعية لصالح إعادة تشكيل المنطقة العربية ومحاولة إنهاء القضية الفلسطينية وإدماج الكيان الصهيوني في” نظام إقليمي” يقوده تحالف متواطئ على حاضر ومستقبل الأمة ، والدوحة بأموالها وقناتها الفضائية في هذا التحالف ليست أكثر من مخلب قط تحت المظلة الأمريكية !!؟؟

هكذا يفكر أعداء الأمة والعملاء فيها ، لكننا سنبقى نردد بأن هذا ليس قدراً لأمتنا ، فالشعوب بنخبها الثورية هي التي ستصنع مستقبلها .