روح الثورة..رياح التغيير

 

روح الثورة..رياح التغيير

بسام الهلسه

 

لا تعترف الرياح الهابَّة بالحدود السياسية للدول, ولا تتوقف طلباً للإستذان لمنحها تأشيرة دخول. وكلما كانت قوية وسريعة, كلما اجتازت بلاداً ومناطق أبعد بكثير من الموقع الذي انطلقت منه أولاً.

مثل الرياح الطبيعية, تتحرك وتنتقل رياح الثورات والتغيير. ويجري استقبالها في البلدان المختلفة, بقدر ما تكون أوضاعها مشابهة لإوضاع البلاد التي هبَّت منها, وبقدر ما تكون شعوب هذه البلدان مهيأة لاستقبال ما تحمله من مشاعر, وأفكار, وتجارب, ووعود. فتسري روح الثورة وكأنها كانت على موعد مع الناس الذين يتلقفونها باستبشار وفرح وحماسة كما تتلقف الأرض الظمأى المطر.

*     *     *

حدث هذا في القرن التاسع عشر للميلاد: في مقاومة حملة نابليون على مصر وفلسطين, وفي مقاومة شعب الجزائر للإستعمار الفرنسي عبر ثورات عديدة, ومقاومة شعب اليمن للإستيلاء الانجليزي على عدن, وثورة شعب السودان ومقاومته للإنجليز. وحدث هذا في النصف الأول من القرن العشرين الماضي, حينما انطلقت متوالية الثورات العربية المقاومة للإستعمار بعد نهاية الحرب العالمية الاولى, لتعمَّ الأقطار العربية المختلفة: من مصر إلى العراق إلى المغرب وسورية وفلسطين- دون أن ننسى ثورة شعب ليبيا التي حدثت قبل الحرب, أو الثورة العربية على الإتحاديين الأتراك التي اندلعت خلال الحرب-.

وكما هو معروف لم تحقق أي من هذه الثورات أهدافها في دحر المحتلين ونيل الإستقلال, بسبب الخلل الهائل في موازين القوى لصالح الغزاة الإستعماريين, وبسبب ضعف وتخلف وتشتت قوى المقاومة في هذه الأقطار. لكنها تمكنت- في العديد من الحالات- من إجبار المحتلين على تغيير شكل حكمهم وأدوات سيطرتهم على البلاد. وكان على الشعوب أن تنتظر حتى مجيء النصف الثاني من القرن العشرين, حينما خرجت القوى الإستعمارية القديمة مضعضعة منهكة من الحرب العالمية الثانية, وتبدل موازين القوى الدولية مع ظهور قوى جديدة, لتنطلق من جديد حركات وثورات الإستقلال والتحرر الوطني العربية, وثورات التغيير السياسي, التي حققت أهدافها- بطرائق ودرجات متفاوتة- في كل الاقطار العربية خلال فترة عقدين من السنين, ما عدا فلسطين التي استولت عليها الحركة الصهيونية وأقامت فيها دولتها الغاصبة: (إسرائيل).

*     *     *

في قرننا الحالي, الحادي والعشرين للميلاد, بدا واضحاً أن الكثير مما تم إحرازه قد تعرض للتبديد والإنتكاس, سواء بفعل سياسات السلطات والأنظمة العربية, أو بفعل الإستعمار الذي ظل قائماً في فلسطين, أو الإستعمار الذي عاد من جديد ليحتل البلاد ويهيمن على مصايرها ومقدراتها, ويقرر معالمها وتوجهاتها.

ولم تجدِ نفعاً نداءات ومحاولات الإصلاح والتغيير التي طالبت بها قوى وجماعات عديدة, مع استفحال وتزايد صلف وعتو أنظمة الطغيان والتسلط والفساد والشره والنهب والتبعية, التي تعاملت باستهتار مع الشعوب وأهدرت حقوقها وكراماتها. وكاد اليأس والإحباط والمرارة واللامبالاة أن تعمَّ أوساطاً شعبية عديدة, حتى إندلعت الثورة التونسية الظافرة التي أنجزت خلال أقل من شهر ما كان مجرد تصوره يبدو مستحيلاً عند كثيرين.

*     *     *

لم تحتج الشعوب العربية لمن يشرح لها أو يترجم معنى الحدث التونسي, فالثورة التونسية تكلمت بلسان أحوالها ونطقت بما يدور في عقولها وضمائرها. وكان أهم ما قدمته للعرب هو المثال الحي المجسد على قدرة الشعوب على الفعل والإنتصار, وقدرتها على صنع مصيرها بنفسها ولنفسها, دون إنتظار مخلص يأتيها من وراء الحدود, أو من غياهب التاريخ الماضي البعيد. فهي, وهي وحدها, القادرة على تغيير عالمها وإعادة بنائه بحسب إرادتها, حينما تثق بنفسها وتمتلك الجرأة على تحدي حاكميها الظالمين الذين بيَّنت التجربة بوضوح ساطع أنهم ليسوا أكثر من مجرد فزاعات خاوية سريعة العطب, هم وأجهزتهم الأمنية القمعية التي ينطبق عليها قول قائد الثورة الصينية “ماو تسي تونغ” عن الإمبرياليين:”نمور من ورق”.

*     *     *

هبت رياح الثورة إذاً, وما عاد ممكناً تطويقها وحصرها في تونس بعدما استوعب درسها وتسلم رايتها شعب مصر أكبر وأقوى الدول العربية وأكثرها تأثيراً. لقد ابتدأ عهد عربي جديد لن يتوقف حتى يكمل مسيرته ورسالته: عهد إرادة الشعوب التي لم يعد بالإمكان تجاهلها. عهد الكرامة والحرية والعدالة. عهد التحولات الديمقراطية الإجتماعية.

أهلاً بروحه ورياحه.

:::::

alhalaseh@gmail.com