الغد الآتي وأعياد المُضطهَدين

 

الغد الآتي وأعياد المُضطهَدين

بسام الهلسه

 

تعلَّم العرب اللهجة التونسية بسرعة استثنائية. وهذا طبيعي لمن لم ينسوا أننا شعوب أمة واحدة تجمعها الآلام والآمال برغم اختلاف الظروف واللهجات. وصارت الثورة مرجعية لكل من يتحدث عن التغيير, بعدما تبين أن أصغر مطلب من مطالب الشعب لا يمكن تحقيقه إلا بالثورة, ما دامت الطبقات الحاكمة والمالكة في البلاد العربية سادرة في غيها لا يعنيها إلا تعزيز تحكمها في الشعوب وتكديس الثروات بشرهٍ وصفاقة. لم يعد السؤال عن ضرورة التغيير الوطني الديمقراطي وأولويته مطروحاً. السؤال المطروح الآن هو: من التالي؟ والجواب عليه يشير إلى الجميع: جميع الذين تحكموا في العباد وأفسدوا في البلاد, الذين يتحسس كل منهم الآن كرسيه ويفكر بالملاذ الذي سيلجأ اليه. لا وقت لدينا للشماتة بهم! يحق لهم أن يفزعوا بعدما اكتشفوا متأخرين أن العلاقات التي بنوها وحرصوا كثيرا عليها مع الولايات المتحدة والغرب و”إسرائيل”, لا تنفعهم ساعة انفجار غضب الشعوب وأوان حسابها. لطالما استخفوا بهذه الشعوب وتعاملوا معها بإستعلاء واحتقار وكأنها غير موجودة, وها هي تفصح عن ذاتها وتعلن حضورها بشكل يجبرهم على اتباع أحدى طريقين لا ثالث لهما: إما الإستجابة طوعاً لإرادة الشعوب ومطالبها, وإما الإذعان لها كرهاً وهم صاغرون.

*     *     *

ما يعنينا ويشغلنا الآن كعرب, هو البحث في التغيير المنشود, وصياغته في أفكار وبرامج ومؤسسسات تضعه في خدمة الطبقات الشعبية ولفائدتها, بحيث لا تسرقه العناصر والفئات النخبوية وتجيِّره لمصالحها الفئوية الأنانية الخاصة. وما من ضمانة سوى الجماهير نفسها, التي تنتظم في إطارات ولجان شعبية تشمل المناطق والأحياء ومراكز العمل, وتتولى إدارة شؤون الحياة كافة, وتختار ممثليها المجربين الموثوقين المعبرين عن مطالبها ومصالحها. فالشعوب كما الأفراد: لا ينبغي أن تخدع مرتين..

*     *     *

الآن, وقد قال شعب مصر كلمته, تأكد جميع المعنيين-أصدقاء وأعداء على السواء- أن لا مردَّ للتغيير. ولكن ما يجب الحذر منه والإنتباه إليه, هو محاولات الولايات المتحدة التدخل فيه بأمل أن يأتي بجماعتها, أو أن لا يتوجه ضدها وضد ربيبتها “إسرائيل”. وهذا فقط هو ما يفسر انقلابها على حلفائها السابقين الذين تخلت عنهم –فقط- حينما تأكدت من عجزهم وتداعيهم. ولا غرابة في الأمر, ففي عالم السياسة, لا محل للحب والكره, فهما متقلبان مع القلوب, والثابت الوحيد فقط هو: المصالح. وما من شك أن الولايات المتحدة و”إسرائيل”  قد تلقتا ضربة قوية بخسارتهما مصر أقوى أعوانهما في المنطقة. خسارة تذكرنا بخسارتهما ايران يوم اسقطت ثورتها الشاهنشاه وعرشه الطاووسي. وربما تفوقها في الأهمية بالنظر إلى دور ومكانة مصر كدولة مركزية ذات تأثير كبير: عربياً, وأوسطياً, وإسلامياً, وافريقياً.

*     *     *

قيل عن الثورات بأنها “أعياد المُضطهَدين” وكذلك هي, برغم الآلام التي ترافقها. لكنها آلام المخاض والولادة الجديدة المُشرقة للشعوب والاُمم, وهي لا تقارن بآلام النزع الأخير وحشرجة احتضار الطبقات الحاكمة الآفلة.

تحية لصانعي التغيير, وللثورة: القابِلة المبشرة بغدِ العرب الآتي.

:::::

alhalaseh@gmail.com