مصر وتونس في الممانعة والمقاومة

مصر وتونس في الممانعة والمقاومة

هو العصيان المدني

لا كان مَيْتاً ولن يكون مواتاً

عادل سمارة

 

لا تُلحُّوا على التاريخ دوماً ولا تُلحوا عليه يوماً. لا يأبه هذا الشيخ العتيق بصراخ أو عويلٍ ولا بقصار الأنفاسِ ولا حتى للصدى مهما كان رجعه.

لا يبتئس ولا يهتز  ذلك الجذر العربي الممتد من المحيط إلى الخليج مهما قيل أنه مات. سيورق يوماً، هكذا كنا نقول في أحلك الظلمات. يورق اليوم، يورق الوطن في  اللحظةً فتياناً وصبايا الورد منهم حَيِّياً بل عبقرية المكان واللحظة تركع لإبداعاتهم. فليعوي المثقفون، ولتولول بعضهن وبعضهم. ما اقل من يرتقي من الحب إلى العشق،ولا يصمد إلا عاشق. فالعشق لا يثرثر ولا يذوي سريعاً، بل لا يذوي.

كم نبشنا لحيتك ايها الشيخ العتيق، التاريخَ، وتعلقنا بشاربيك لتعمل بالنيابة عنا إلى أن فهمنا أن العمل شُغلنا، فاعتدل الشيخ وابتسم. حتى اللحظة مجرد ابتسامة بعد. كيف لا وما هي معارفنا أمام أوقيانوسه، لا شيىء بعد.

 العشق قصير الأنفاس لا يجدي أيها الفقراء وضعاً والأحرار إرادة وعقلاً . وحده الإنتماء المشتبك الذي يبقى ويعيش.

يسبق الشعب التحليل والتنبؤات. كذب منجموا الثورات ولو صدقوا. لقد دافعنا دوماً وفي أعتى لحظات الضعف عن هذه الأمة وكل الأمم معتمدين على التاريخ. هذا العظيم كم هو بطيىء ولئيم. كلما نظر إلى شوقنا العارم وعشقنا الداهم للثورة، كلما ابتسم ساخراً من تعجُّلنا. فطالما قال التاريخ، اعتمدوا الثلاثي: العمل والحب والثورة، في قوام التاريخ. دافعنا وجادلنا أن الأمة لن تموت، وستنهض يوماً. وكان ولا يزال نبراسنا: كل شيء يتحول.  والبطولة والمجد لمن يصمد وقت الهزائم لا من يحتفل في عرس الانتصار، هم جيوب المقاومة التي بصمودها وتماسكها تؤسس للثورات الكبرى، فالجذوة تُحدث الحريق الهائل.

بعد تصفية الموجة الرئيسية من المشروع النهضوي/الوحدوي العربي تعرض الشعب العربي للتقريع والاستخفاف وحتى الإهانة من معسكر الأعداء المكون من:

  • من البسطاء والطيبين والمتعجِّلين من أبناء الشعب نفسه.
  • ومن المثقفين المتغربنين والمتخارجين المحليين الذين كانت ولا تزال حياتهم مكرسة لبث الهزيمة وتعميق استدخال الهزيمة، أو بالدارج: التطبيع.
  • ومن الأنظمة العميلة نفسها التي طالما تعمدت دوس كرامة الناس إمعاناً في ضمان استحالة النهوض.
  • ومن الأنظمة الغربية الراسمالية ومثقفيها اللذين يعملون جبهة واحدة بأسلحة الاستشراق والأنثروبولوجيا والإعلام وراس المال والجيش ليؤبدوا هزيمتنا وخضوعنا.
  • وفوق كل هذه من الكيان الصهيوني وملخص موقفه العام: العربي يركع، وما قاله ويقوله: أنتم من المحال أن تنتصروا في أمر، فتوقفوا عن هذا الحلم!

وما أن بدأ نهوض الأمة العربية في تونس ومصر والأردن واليمن والجزائر، حتى أُعيدت الهجمة نفسها  ولكن هذه المرة ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، متبوعا او مشفوعا بالسؤال: بعد فضيحة الوثائق: لماذا لا حراك وبعد الثورات الجارية لماذا لا تضامن!

أسئلة متعجلة تبحث عن من تُدينه. أسئلة ينسى مثيروها أنه كان مع من يُفاخرون ببطولة الشعب الفلسطيني ويوجه لبقية الأمة اللوم وربما الشتم! نسي الطيبون/ات أننا كنا نقول بأن دور الفلسطينيين تفجير الثورة.

لو راجعنا ما كنا نقول أمس عن العرب لفهمنا أنه لا يجب أن نكرر القول نفسه عن الفلسطينيين. فلماذا لا يرتاح المحارب؟ ولماذا لا يحصي جهده بدقة كما يفعل أهل حرب الغوار ويقيس معاركه.

 

المعركة على ابواب مصر

قطع الشعب المصري حتى الآن خطوة على الطريق، خطوة أساسها النهوض ومحركها المقاومة. مصر وتونس تؤكدان اليوم أن الشعب العربي دخل المعركة معركة الممانعة والمقاومة.فلنبايع مصر الآن . كتب حافظ إبراهيم إلى شوقي يوم انتخابه أميراً للشعراء:

أمير القوافي قد اتيت مبايعاً              وهذي وفود الشعر قد بايعت معي

 

هذا حلمنا الكبير والتاريخي. لست ممن يفضلون النظر/فقط/  إلى الجزء المعبأ من الكأس، ولكنني ضد عدم رؤيته. لقد انضم شعب مصر إلى المقاومة، هذه مساهمة ومفاجأة اللحظة. ينتصر نهائيا اليوم أم ينتصر جزئياً، هذا ليس بيت القصيد.

إن العصيان في ميدان التحرير اليوم هو المقدمة الموضوعية للعصيان المدني الشامل. وقد يكون مفترق الطرق، فإذا ما أُُرغم الجنود من قادتهم على قمع العصيان الرمزي فربما يبدأ تفكك داخل الجيش وعندها يصبح الجيش في خدمة الشعب ولا يكون ذلك انقلاباً.

فلندع الجيل الشاب يُبدع ما يراه في الميدان، وبدل أن نولول فلنغني!

بيت القصيد أن مصر اليوم تتقدم للقيادة. ماذا سيحمل قادم الأيام هذا شأن الحراك الشعبي للشباب والفقراء والحزبيين القاعديين والعمال والفلاحين نساء ورجالا.

ما قدمته مصر اليوم هو إذلال الديكتاتور، هذا الفرعون ولكن بلا أهرامات!!! نعم إذلال وفصح حقيقيين أذل مختلف حكام الكمبرادور العربي. لقد انتزع من فرعون بعض ما تحكَّم به، وهذا هام ولكنه لا يكفي. ما حصل في مصر اذل زعماء الإمبريالية الذين كشفوا تماماً عن كونهم مركز العدوان على الأمة العربية، حيث سقطت أوراق التوت السياسية عن أجساد أوباما وكلينتون وزبانيتهم السياسيين والإعلاميين والثقافويين. أليس هذا انتصارا اضاء لكثيرين منا الذين كانوا ما زالوا ينخدعون بمزاعم ديمقراطية الغرب الراسمالي؟

يقولون أن موقف أميركا والغرب كان مضطربا ومتذبذباً!

هذه سذاجة أو تمويه خبيث. ما حصل أن كان هناك مطبخين:

المطبخ الأمني في الميدان: وهو قيادة النظام المصري وأنظمة الكمبرادور العربي بإشراف القيادة الصهيونية والمخابرات الأميركية المركزية وفروعها الأخرى. ولا شك أن مثقفي خدمة العدو كانوا في أحضان هؤلاء. ألم يعمل كنعان مكية (محمد جعفر) مرشداً لجورج بوش الصغير في تدمير العراق! ألم يفعل ذلك مثقفوا/ات (أوسلو-ستان) كآلات تطبيع. والمضحك أن هؤلاء اليوم: يقفون في مظاهرة رام الله المؤيدة لمصر وتونس ويصرحون بحديث ناري وكأنهم فريق من الصحابة أو البلاشفة!!! لا بأس ما زال في المرحلة متسع ليدعي من نزع الشرف بأنه قديساً. وما زال مراسلوا صحافة وفضائيات يلدغون وعي الشعب بهؤلاء مقابل أصعب عملة:دولار الإمبراطورية الواهمة والمتوهم بها!

المطبخ السياسي: بقيادة الولايات المتحدة وحكماء الغرب الراسمالي. إنه تقسيم عمل وليس تناقضاً كما بدا ظاهرياً.

رغم تجويف الوعي الذي قامت به هذه الأنظمة وأنظمة المركز والصهيونية ومثقفيها (الألغام الناعمة) عبر حملات الإعلام الوسخة وقمع القوى السياسية والمثقفين الثوريين والمشتبكين، وحتى قمع القوى المعتدلة، رغم تجويف الوعي وتجريف الطلائع  والقيادات، إلا أن هذه الأنظمة أسست لنقيضها عبر تجريف الثروة ايضاً، فكان أن أزهرت الأرض المحروقة طلائع اقدر من الجميع. كان هذا وسيكون أكثر وسيكون أجمل.