مستقبل الصحوات

مستقبل الصحوات.. تجربة الخيارات القاتلة

فاضل الربيعي

 

تبدو تجربة مجالس الصحوات في العراق، تلخيصا مأسوياً لأحد أكثر أشكال الصراع، شراسة وقسوة، بين بعض الأطراف المحلية المسلحة التي اختارت، منذ ما يزيد عن سبع سنوات، أدوارها في هذا الصراع. وبصرف النظر عن البواعث والدوافع والظروف، فقد أصبح تغيير الأفراد أو الجماعات لمواقعهم القديمة، والانتقال إلى مواقع أخرى، مضادة وجديدة، خياراً قاتلا. إن عمليات التصفية الجسدية التي يتعرض لها أعضاء مجالس الصحوات، كل يوم تقريبا، تؤكد حقيقة أن ثمن تغيير المواقع القديمة، والانتقال من العمل مع تنظيم القاعدة أو بعض الجماعات المسلحة إلى العمل ضدها، يصبح مع الوقت ثمناً باهظا. وحين يصبح انتقال بعض هذه الأطراف، أفرادا أو جماعات إلى مواقع جديدة، نوعا من خيار قاتل تزهق فيه الأرواح دون رحمة؛ فإن الصراع نفسه سوف يبدو صراع قوى لم تعد قادرة على تغيير مجراه ومساره.

 

النشأة، الأسباب، الدوافع

الأبعاد والنتائج

الحالة الراهنة وآفاق المستقبل

 

أولا: النشأة، الأسباب، الدوافع

 في مطلع العام 2006 وفي إطار الحرب على الإرهاب، ومواجهة تنظيم القاعدة داخل حاضناتها الاجتماعية في العراق، ولدت مجالس الصحوات من رحم برنامج أمريكي أطلق عليه اسم (البرنامج الأمريكي لتسليح القبائل في العراق). كان البرنامج يستهدف، بالدرجة الرئيسة، تشكيل قوة مسلحة من القبائل، يتحدد دورها الوظيفي الأمني، نظريا في مقاتلة القاعدة، لكن تطبيقه سرعان ما اتخذ مسارا آخر، تمثل في التركيز على اجتذاب أفراد من الجماعات المسلحة الأخرى، المتصارعة مع تنظيم القاعدة، وتشجيعها على الانخراط في الحرب المعلنة. كما تضمن المسار الجديد لتطبيق البرنامج، أفكارا ً وتوجهات لمساعدة، وتمكين التجمعات الشبابية في مدن وأرياف البادية الغربية التي تعاني العزلة والبطالة، من الحصول على فرص عمل كمقاتلين محترفين لقاء أجر شهري.

 وكانت مهمة تسريع انتقالهم إلى العمل القتالي العلني مع القوات الأمريكية والحكومية، تتطلب إعادة تدريبهم وزجهم في القتال، كتنظيم شعبي مسلح بإشراف أمريكي مباشر، ودون أي تدخل من الحكومة تقريباً. في المراحل الأولى من التطبيق، بلغ عدد الأفراد المنخرطين في البرنامج نحو مئة ألف عنصر، معظمهم من الشباب الذين كانوا يواجهون ظروف بطالة قاسية، ويتوزعون بين الأعظمية في قلب بغداد، إلى ديالى شرقاً، فأبي غريب والأنبار غرباً. لقد افترض الأمريكيون أن تطبيق البرنامج بسرعة وفاعلية، سوف يؤدي إلى زجّ القبائل (والعشائر) والتجمعات الشبابية في قتال متواصل، لإنهاك القاعدة وحملها على ترك هذه المناطق، كما افترضوا أن امتصاص القوة الشبابية، وتحويلها إلى “قوة من المقاتلين بأجر” في الأرياف والمدن الصغيرة، وفي قلب العاصمة كذلك، يمكن أن يؤدي إلى خلق معادلات جديدة في الصراع داخل البيئة التي تنشط فيها؛ كما افترضوا دون دراسة معمقة للنتائج والتداعيات الناجمة عن هذا التحول في علاقات القوة الداخلية، أن التنظيم المسلح الجديد، سيكون قادراً على مواجهة تنظيم القاعدة، بفضل دعم وإسناد الأهالي. وهو أمر تحقق جزئي ً بفضل عمل إعلامي مكثف، راح يصوّر القاعدة كخطر داهم على المناطق السنيّة.

 كان تشجيع التجمعات الشبابية التي قاتلت في أوقات سابقة إلى جانب تنظيم القاعدة، أو انخرطت في نشاط قتالي إلى جانب بعض الفصائل المسلحة على الانتقال إلى الطرف الآخر، وتشكيل مليشيا شعبية رادعة، هو الهدف الحقيقي من تطبيق البرنامج. لكن الظروف المحيطة بولادة مجالس الصحوات، كانت تشير إلى أنه سوف يؤدي عملياً إلى خلق مليشيا “سنيّة” تعمل بطريقة شرعية وعلنية، وبرعاية أمريكية، ضد “جماعات سنية” أخرى. وهذا ما كان من شأنه أن يثير حفيظة وشكوك الكثير من القوى الاجتماعية والجماعات المسلحة على حد سواء في هذه المناطق.

 بيد أن أجواء الشك هذه، سرعان ما تبدت في صورة مخاوف من الدور الوظيفي الأمني الغامض الذي ستلعبه الصحوات. وتجلت أكبر المخاوف من هذا الدور، حين صدرت أولى الإشارات عن وجود محاولة حكومية يائسة لمنع الأمريكيين من توسيع الجهاز القتالي الجديد، وتقليص إمكانيات تحوله إلى مليشيا، قد تصبح تحت ظرف ما، قوة ردع خارجة عن السيطرة. كانت حكومة المالكي، ومعها الكثير من الأطراف السياسية الشيعية التي راحت تراقب تطبيق البرنامج الأمريكي بحذر، ترى في تسليح جماعات “إرهابية سابقة”، إيذانا بحقبة جديدة من الصراع. ولذلك، ترافقت ولادة مجالس الصحوات مع تفجر نقاش صاخب في مختلف الأوساط، تخطى في الكثير من الأحيان حدود الطبقة السياسية المنقسمة على نفسها، ليتحول إلى نقاش داخل المجتمع العراقي نفسه، المنقسم والممزق، حول دور وظيفي أمني موضع الشك؛ ذلك أن نشوء وقيام جماعات مسلحة جديدة، تقوم بدوريات راجلة، أو بنصب الحواجز على الطرق بإشراف الأمريكيين، وفي أجواء القتال الطائفي الذي اندلع قبل نحو ستة أشهر فقط من تطبيق البرنامج (في أعقاب تفجير المرقدين الشريفين في سامراء في شباط/ فبراير 2006)، أمر لم يكن مألوفاً أو متوقعاً.

 وكانت إدارة بوش السابقة، قد رصدت ما يناهز 62 مليون دولار لاختبار عمليات التطبيق الأولى للبرنامج في محافظة الأنبار. وفي 14 سبتمبر/ أيلول 2006 تمّ الإعلان رسمياً عن قيام أول مجلس تحت اسم “مجلس إنقاذ الأنبار” برئاسة الشيخ عبد الستار أبو ريشة. وبعد أسابيع فقط من تأسيسه، كان التنظيم القبلي ينخرط في قتال شرس مع تنظيم القاعدة، ويعلن عن تطهير أجزاء كبيرة من المحافظة التي أصبحت في غضون أقل من عام، نموذجاً لنجاح الأمريكيين في المعركة، وهو ما حمل الرئيس بوش على القيام بزيارة سرية ومفاجئة للقاء أبو ريشة. وكان أمراً لافتاً أن الرئيس الأمريكي، فضل الهبوط في مطار عسكري في المحافظة دون الالتزام بالبروتوكول الرسمي. ويبدو أن اللقاء بين الرئيس بوش وأبو ريشة، أثار حفيظة بعض المسئولين العراقيين في بغداد، الذين فهموا منه إشارة إلى دور جديد للقبائل، يريد الأمريكيون من ورائه، لا خلق معادلات جديدة للصراع ضد القاعدة، بل إضعاف السلطة المركزية، وأن الحكومة في سياق تعبيرها عن مشاعر القلق من تطبيق هذا البرنامج، يمكن أن تصبح مجرد طرف، بين أطراف محلية أخرى تخوض غمار صراع قاسٍ وعنيف. وبعد أيام فقط، من اللقاء، وفي الذكرى الأولى لتأسيس المجلس يوم 14 سبتمبر/ أيلول 2007، وحين كان الأمريكيون يتباهون بإنجازات المجلس ونجاح البرنامج في حشد الجماعات القبلية من وراء التنظيم الجديد، ويعدون بتوسيع نطاق المعركة لتشمل كل مناطق ديالى والموصل، نجحت القاعدة في تسديد ضربة قاتلة للمجلس بقتل الشيخ أبو ريشة داخل معقله الحصين في الأنبار، بواسطة سيارة مفخخة اقتحمت منزله. منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، ومجالس الصحوات تواجه دون رحمة، عمليات تصفية منهجية لأفرادها في كل مكان. لقد أصبح خيار انتقالهم من مواقعهم القديمة إلى موقعهم الجديدة خياراً قاتلاً بالفعل.

 

ثانيا: الأبعاد والنتائج

 أسفرت تجربة إنشاء مجالس الصحوات عن سلسلة تداعيات، سياسية واجتماعية وعسكرية (ميدانية) في الحالة العراقية، يمكن تصنيفها على النحو التالي:

 أ: على مستوى الجماعات المسلحة:

 أدّت المواجهات اليومية بين التنظيم الجديد في مختلف مناطق غرب العراق، وفي قلب بغداد كذلك إلى حدوث تبدل طفيف في موازين القوى، ولكنه كان تبدلاً كافياً بالنسبة للأمريكيين لتأكيد نجاحهم في تطبيق البرنامج. بيد أن هذا المتغيّر بكل عناصره السياسية والعسكرية، لم يكن ليعني بالنسبة للجماعات المسلحة، وبشكل أخص لتنظيم القاعدة، أكثر من تغيّر طارئ، يمكن التكيف والتعايش معه وامتصاص نتائجه المباشرة، إما بإعادة هيكلة وسائل وأدوات الانتشار، أو بإنتاج أشكال جديدة من الصراع. لكن معظم الجماعات المسلحة الأخرى، ردّت على هذا التطور، بطريقتين متناقضتين، تعكسان درجة التباين في الموقف من المجالس ووظيفتها الحقيقية.

 الأولى، واتسمت بإعلان بعض الفصائل المسلحة (الجيش الإسلامي في الانبار وحماس العراق في ديالى، مثلا) عن ترحيبها بدور المجالس، وأهميتها وضرورتها لمقاومة تنظيم القاعدة، عدوها ومنافسها في الأنبار، وفي الآن ذاته لمقاومة النفوذ الإيراني المتنامي؛ بينما رأت جماعات أخرى (جيش المجاهدين، مثلاً) أن مجالس الصحوة باطلة شرعاً، وأن القتال إلى جانب العدو، هو تحول يستوجب القصاص. لقد نظر كل من الجيش الإسلامي وحماس العراق إلى دور المجالس من منظور مختلف عن منظور سائر الجماعات المسلحة الأخرى، باعتبارها قوة صِدَام شعبية لمواجهة خطرين متماثلين في الدرجة والقوة، القاعدة والنفوذ الإيراني. في المراحل الأولى من قيامها، وحين كانت أجواء القتال الطائفي تنذر بالتصاعد المأسوي لأعمال التهجير والقتل، بدا أن بعض الجماعات المسلحة، بنت مواقفها من دور ووظيفة المجالس على أساس أنها أداة “سنية” لمقاومة مليشيات شيعية، كانت تخترق مناطقها وحاضناتها الاجتماعية، ولم تلحظ أنها كانت بفعل طبيعتها وديناميكياتها الداخلية، تتشكل كقوة منافسة طامحة إلى فرض سيطرتها بالكامل.

 أما الثانية، فاتسمت بتصعيد الجماعات المسلحة الأخرى، لمشاعر العداء والرفض والتشكيك بأغراض وأهداف هذا التحول في المواقع، وهو ما قامت القاعدة، عملياً باستغلاله على نطاق واسع، ورأت فيه فرصتها لتصعيد عمليات استهداف أفراد الصحوات ودورياتهم، وتحويلها إلى هدف مواز ٍ ومماثل للهدف العسكري الأمريكي أو الحكومي. ويلاحظ في هذه المرحلة من الصراع المبكر مع المجالس، أن استهدافها كان يندرج هو الآخر ضمن برنامج الجماعات المسلحة، لتفكيك أدوات ومؤسسات الاحتلال، ولم يكن مجرد ردة فعل طارئة. وبذلك، نشأ وضع معقد في مناطق غرب العراق، مصدره وجود برنامجين متصارعين، أحدهما يهدف إلى امتصاص وتحويل القوة الشبابية إلى “تنظيم من المرتزقة المحليين” الذين يقاتلون لقاء أجر، وتديره القوات الأمريكية بواسطة رجال القبائل الطامحين بلعب أدوار سياسية جديدة، وآخر يهدف إلى منع هذه المجالس من التحول إلى أداة ضاربة من أدوات الاحتلال، قد تستخدم لأهداف تتخطى حدود الحرب على القاعدة.

 ب: موقف الحكومة:

 على الطرف الآخر، ومع تنامي مشاعر القلق والخوف من الآثار المحتملة لتأسيس مجالس الصحوة، سعت الأوساط الحكومية والقوى الشيعية المهيمنة على المؤسسة العسكرية والأمنية، وبكل الوسائل، إلى عرقلة ظهور التنظيم المسلح الجديد كقوة موازية، ونجحت في حالات كثيرة في تقليص قدرته على بناء شبكات جديدة في ديالى وبغداد وإلى الغرب منها. لقد أثار تأسيس المجالس الكثير من المخاوف السياسية والأمنية في الأوساط الحكومية، تجلت في أكثر اللحظات إثارة للحرج، أثناء لقاء الرئيس بوش بالشيخ أبو ريشة في الأنبار، حين قام المالكي بنفسه بزيارة المحافظة في بادرة عدت رمزية إلى أقصى حد، للتعبير عن قدرة الحكومة على استيعاب وامتصاص نتائج هذا التطور. ولم يكن لمثل هذه البادرة أن تقلص من درجة وحدود القلق داخل أوساط الأحزاب الشيعية الكبرى المهيمنة على المؤسسة العسكرية والأمنية، التي ظلت تعتقد أن الأمريكيين، عبر برنامج تسليح وتدريب قبائل غرب العراق، قد يساهمون في خلق قوة “سنية” مسلحة خارج السيطرة، وأنها يمكن أن تستخدم لا في إطار صراع سني/سني؛ بل وكذلك، كقوة صدام مع الجماعات الشيعية. ولذلك ثار جدل صاخب بين الأمريكيين وحكومة المالكي، حول تمويل المجالس ودمجها في المؤسسة الأمنية والعسكرية على غرار ما فعلت مع المليشيات الشيعية في عهد وزير الداخلية باقر جبر صولاغ، خصوصاً وأن مبلغ 62 مليون دولار كان قد استنزف كلياً في المراحل الأولى من تطبيق البرنامج. ويبدو أن الحكومة ردّت هي الأخرى بطريقتين متناقضتين على هذا التطور.

 الأولى، من خلال إبداء رد فعل، يؤكد استعدادها وقدرتها على التكيف والتعايش مع التنظيم الجديد، والإعلان عن استعدادها لدعم استراتيجية الحرب على الإرهاب، ولكن فقط من خلال دمج 20% فقط من أفراد الصحوات في القوات المسلحة، بينما كان الأمريكيون يواصلون ضغوطهم باتجاه دمج عدد أكبر من ذلك، مع التأكيد على أهمية تأمين الموارد اللازمة للحفاظ على زخم وجودها الميداني.

 أما الثانية، فتمثلت في صدور قرار مفاجئ من حكومة المالكي، بتشكيل مجالس الإسناد، وهي مجالس عشائرية شبه مسلحة، مؤلفة من رجال العشائر في المناطق الشيعية. كان ظهور مجالس الإسناد هذه دليلاً من بين أدلة كثيرة على أن الصراع مع مجالس الصحوة قد بدأ في جبهة أخرى، هي جبهة الموقف الحكومي الرسمي، وأنه سوف يتخذ منذ الآن، مساراً جديداً قد يجد فيه أفراد الصحوات أنفسهم داخل كماشة متعددة الرؤوس. رأى الأمريكيون في تدبير المالكي هذا مجرد محاولة لاستغلال الظروف لتأسيس أرضيات حشد سياسي من حوله، بأكثر مما رأوا فيه تدبيراً عسكرياً لمواجهة خطر الصحوات، وأن حكومة المالكي عبر هذا القرار، تسعى إلى تشكيل حزام عشائري مسلح مؤيد لها في الجنوب، ولكن في سياق التنافس والصراع مع المليشيات الشيعية على النفوذ، وبشكل أخص مع التيار الصدري (وجيش المهدي)، حين كانت هذه المليشيات تفرض سلطتها في بعض المحافظات. ولم يكن هذا التصور واقعياً لأن الحكومة أظهرت ما يكفي من الدلائل على أنها ماضية على طريق مواجهة خطر الصحوات. كان تكتيك “الحرمان من الأجور” هو التدبير الذي لجأت إليه حكومة المالكي، حين بدا لها أن الأمريكيين غير مستعدين لتوفير أموال أمريكية كافية لتمويل نشاط الصحوات. ويبدو أن هذا التكتيك، نجح بصورة مذهلة في خلق أزمات داخلية للتنظيم الجديد، دفعت أفراده إلى التخبط والشعور باليأس.

 ج: الموقف الأمريكي:

 إثر مصرع الشيخ عبد الستار أبو ريشة، واجه البرنامج الأمريكي لتسليح القبائل، مأزقاً مزدوجاً، تمثل في إيجاد شخصية كارزمية جديدة، قادرة على ملء الفراغ في القيادة، ومواصلة تعبئة وحشد الجماعات القبلية لتصعيد القتال ضد القاعدة، وفي الآن ذاته إرغام الحكومة على تمويل المجالس وإعادة دمجها في المؤسسة العسكرية على غرار عمليات دمج المليشيات الشيعية. كان الشيخ أحمد أبو ريشة، الشقيق الأصغر للشيخ عبد الستار، هو الشخصية المناسبة التي رأى فيها الأمريكيون فرصتهم للحفاظ على زخم البرنامج، لكنهم لم يتمكنوا، لا من تحقيق تطلعاتهم بدمج المجالس في بنية المؤسسة الأمنية والعسكرية، ولا من تأمين موارد مالية كافية لتغطية نفقاتها (رواتب الأفراد، حاجات التنقل والنشاط المسلح)، وهو أمر أدى، فيما أدى، إلى تدهور مفاجئ وسريع في أوضاعها، وفي مطلع العام الثاني لتأسيس مجالس الصحوة 2007، بدأ الزعيم الجديد عهده، بزيارة إلى واشنطن للمطالبة بميزانية ضخمة، لم يتمكن من الحصول عليها قط، بينما واصلت حكومة المالكي تكتيك حرمان أعضاء الصحوات من تلقي مرتباتهم بانتظام لحملهم على الخروج منها، وهو تكتيك ثبت أنه قد يثمر في النهاية عن تحول جديد في أدوارها الوظيفية، إذ بدأ عدد من أفراد الصحوات بانتهاج سياسة الإضراب عن العمل، والتلويح بالعودة إلى صفوف القاعدة أو الفصائل المسلحة الأخرى. وابتداء من منتصف عام 2007 بدأت مجالس الصحوات تشهد تراجعاً مزرياً، وتحولت من قوة ردع ومواجهة إلى جهاز مشلول تستدعي أوضاعه الإنسانية، حمايته من القتل المنهجي والضربات المتواصلة. في النهاية، لم يجد الشيخ أحمد أبو ريشة مناصاً من إبداء كل ما يلزم من الولاء للمالكي. ولعل دخوله في ائتلاف دولة القانون كطرف سني، ومساندته العلنية للحكومة، هي أكثر الأدلة وضوحا على النهاية المأسوية للبرنامج الأمريكي.

 

ثالثا: الحالة الراهنة وآفاق المستقبل

 مع استمرار تدهور حالة التنظيم المسلح، وتزايد فرص تسرّب الأفراد، نتيجة العوز واليأس والإحباط والشعور بالحرج من الدور الوظيفي الأمني، تراخت إلى أبعد حدّ قدرته على البقاء، وبات هدفاً سهلاً لضربات القاعدة التي راحت تجهز عليه في كل مكان، باستخدام تكتيك الهجمات المنظمة على الحواجز، أو بزرع العبوات اللاصقة في السيارات والمركبات التي يستخدمها أعضاء الصحوات، وصولاً إلى تفجير المنازل بساكنيها. وفي وضع من هذا النوع، يمكن استشراف آفاق مستقبل الصحوات بوصفه تطوراً محتوماً، تنذر رجّاته الزلزالية الأولى بنهاية محزنة. وثمة ثلاث عوامل مركزية سوف تتحكم في مستقبل هذه المجالس:

 العامل الأول، داخلي، ويتصل بمسألة تآكل الدور الوظيفي الأمني الذي لعبته الصحوات، كما يتصل بفشلها المستمر في تبرير وجودها كجهاز مسلح. إن انهيار قدرتها على حماية وجودها ومواصلة لعب الدور نفسه، يمكن أن يؤدي إلى خروجها من مسرح الصراع في نهاية المطاف. لقد تلاشت مبررات هذا الدور تدريجاً، وبات من المؤكد أنها عاجزة عن إنتاج مبررات جديدة لدور جديد. ولذلك، فمن المحتمل أن الصحوات ستتلاشى مع الوقت كتنظيم، وتتحول إلى أداة، بين أدوات كثيرة، سوف تستخدمها الأجهزة الحكومية، الأمنية والعسكرية في صراعها مع الأطراف المسلحة، ولكن بشكل محدود للغاية. وهذا يعني أن انتفاء دوافع الاعتماد عليها من جانب الحكومة والأمريكيين، سوف يفقدها أهم مبررات وجودها.

 العامل الثاني، خارجي، ويتصل بطبيعة هذا الدور. ومن غير شك، فإن الدور الذي رسمه الأمريكيون لمجالس الصحوات، يفوق طاقتها وقدرتها على مواجهة أطراف كثيرة ومتعددة في آنٍ واحد. وهذا ما يفسر لنا، كيف أن الصحوات تحولت من تنظيم مسلح، وظيفته حماية الأمريكيين، والقوات الحكومية، من خلال مواجهة خطر القاعدة، إلى جهاز أمني باحث عن الحماية. هذا التدهور في حالة الصحوات، هو ما سيدفع باتجاه التخلص من عبئها، إما بالتصفية الجسدية، أو بتركها دون حماية وتعريضها لضربات القاعدة.

 العامل الثالث، داخلي/خارجي،هو خلاصة تشابك الظروف والعوامل المحيطة بوجود المجالس:

 أ: فما هو عامل داخلي يتصل بافتقادها للقدرة الذاتية على تطوير وظيفتها الأمنية، يصبح عاملاً خارجياً، مصدره الضغط الحكومي وإهمال الأميركيين لمصيرها.

 ب: وما هو عامل خارجي، يتصل بتلقيها للدعم المالي والسياسي، يصبح عاملا داخلياً شديد الحساسية، لأن أفراد الصحوات بثقافة أغلبهم القبلية التي تعليّ من قيم الاعتزاز بالشرف الشخصي، لن يوافقوا في النهاية، ومهما كانت المبررات، على تكريس صورتهم كجماعة من “المرتزقة المحليين”؛ وهذا ما سوف يتسبب في تفككها من الداخل. إن التناقض بين تصورات أفراد الصحوات لأدوارهم، وتصورات الأميريكيين والحكومة لهذه الأدوار، هو الذي سيؤدي إلى تفككها.

 لقد رسم الأمريكيون تصورات غير واقعية عن إمكانية زحزحة الأطراف المسلحة عن مواقعها التي اختارتها خلال الصراع، أو وجدت نفسها فيها، وذلك عن طريق اجتذاب أفراد مستعدين لتغيير مواقعهم، ولعب أدوار قتالية جديدة، ولم يلاحظوا أن إنشاء تنظيم (قبلي) وشعبي مسلح، هو أمر يتناقض تماماً مع محاولة بناء جيش من المرتزقة المحليين، أي “بلاك ووتر” عراقية.

:::::

كاتب عراقي

المصدر: “كاتب من أجل الحرية”،