الخطاب الديني السلفي: لماذا نتحاشاه والى متى؟

 

الخطاب الديني السلفي: لماذا نتحاشاه والى متى؟

(مناقشة في مأزق العروبة والإسلام)

الجزء الاول

مسعد عربيد

(1)

 

خطابنا وواقع الحال: دور الجبن في تخريب الوعي

 

        لم تتقدم المجتمعات البشرية عبر التاريخ إلا عندما واجهت الاسئلة الصعبة والتحديات الكبيرة، واستجمعت الجرأة والقدرة على طرحها والبحث عن إجابات لها. هكذا كانت حالة العرب عند مجيء الاسلام، وليس الامر مختلفاً في واقع مجتمعاتنا العربية الراهن.

        إلا ان المجتمعات لم تقدم إجابات حاسمة وقطعية للقضايا والاسئلة الكبيرة إلاً بعد مخاضات طويلة أثمرت انجازات تراكمية وساهمت في النقلة النوعية ـ في القفزة الى الامام. ولم يكن لهذا ان يتحقق إلا بفضل شجاعة مفكريها وجرأة مثقفيها ومتنوريها وإقتحامهم ساحات النضال الفكري والاجتماعي والسياسي، وهذا أمر لا يقدر عليه سوى المثقف الملتزم، العضوي، الثوري والمشتبك. هكذا، أحرزت هذه المجتمعات التقدم والتطور والتنمية التي نشهدها اليوم. ولن يشكل المجتمع العربي حالة استثنائية أو خروجا عن القاعدة من حيث كونه عرضة هو أيضا، كغيره من المجتمعات، لمواجهة مناخات وتحديات وقوانين عامة تتحكم في مسيرة هذه الانسانية.

        انطلاقا من هذا المنظور، نجد ان واقع الحال في مجتمعاتنا العربية، لربما يشكل مفارقة صارخة ومفجعة وذلك لأننا لم نصل بعد الى مرحلة مواجهة الأسئلة الكبرى التي يفرضها الواقع بصراحة وصرامة كي نجيب عليها. إن الواقع، مثل التاريخ، لا يرحم ولا يُعفي من طرح الاسئلة الكبرى والجهد الحثيث للإجابة عليها. بل لعله ـ أي الواقع ـ أسوأ بكثير و ذلك لاننا لم نستجمع بعد الجرأة والصدق في مواجهة هذا الواقع وما فتئنا نهرب دوماً الى الامام.

        ما زال خطابنا (الاجتماعي والثقافي والسياسي، ناهيك عن الاقتصادي)، بفروعة الرئيسية الثلاثة: القومية، والدينية ـ الاسلامية، واليسارية ـ الاشتراكية، يتخبط في دهاليز الاختلاطات الفكرية ومتاهات الضياع التي لا تخفي، في حقيقة الامر، جبنه ومواربته. وما زال خطابنا حتى عندما يومىء برأسه أحيانا، يعود لكي يتوارى من جديد في الازقة المظلمة. إلا ان المأزق الحقيقي لهذا الخطاب، في كل الاحوال ولاسباب مختلفة، يتجلى لا في عجزه عن القيام بدوره فقط وإنما في فشله حتى في أداء الجزء التحريضي والتثقيفي منه، وهنا بالذات تكمن محنة تخريبه للوعي الشعبي. إن هذا الخطاب لا يكتف بالتخاذل والتواطئ والمواربة بل إنه يعمل تشويهاً وتدميراً في وعي شعوبنا. إنه خطاب فئوي متصارع في ذاته بعيد عن منطق و مفهوم التحالف التاريخي ومتبن لعقلية الاقتتال الأبدي. ألسنا في هذا نوفر على العدو ما عليه القيام هو به؟

 

الارهاب الفكري

 

        ينتاب الباحث في تناوله للخطاب الديني، وخاصة السلفي منه، الكثير من الحذر والحيطة حيث تصبح الكتابة عملية مرتبكة وملتوية تحبس الأنفاس، كما يصبح طرح القضايا أمراً محفوفاً بالمحاذير والمخاوف. لقد ملأ خطابنا كل أجواءنا، إعلامنا، صحفنا ومواقعنا الالكترونية وفضائياتنا، إلا انه، وهو الاهم، ظل حبيس عجزنا وخوفنا واسير ما لم نقله. لماذا؟

        هل السبب في ذلك يعود الى هذه الطبيعة القمعية للأنظمة والحركات السلفية والخشية من انتقامها، أوهو الخوف من النقد السلبي وإساءة الفهم والتأويل؟ او ربما هو هذا القلق من أن لا تصل الفكرة كما هي الى القارىء بكامل ضوحها ونقائها من دون تشويه او اجتهاد؟

        هل السبب، او على الاقل في جزء منه، ان الكثير من المفاهيم التي تتناول هذه القضايا قد أُهملت منذ عقود وشُوهت في ذهن القارئ وتراجعت في كثير من الاحيان الى المواقع الخلفية في مخزون ذاكرته ووعيه لتحل مكانها مفاهيم ظلامية تدعو الى إلغاء الآخر وتكفيره وربما إبادته الجسدية كما تشهد الجرائم الاخيرة في كنائس مصر والعراق والتهديدات العلنية بالمزيد؟ إن إلغاء الآخر يبدأ من إلغاء فكر لفكر وحزب لحزب ليغوص بعدها في نفس الفكر والحزب.

         لقد تحولت الكثير من المفردات والمصطلحات التي اعتدنا تداولها الى “تابوات” في حياتنا الفكرية والثقافية حيث لايجرؤ الكثيرون عن التلفظ بها، وإن فعلوا فبكثير من الحيطة والحذر. أذكر على سبيل المقالا لا الحصر كلمات مثل: الدين، الديانة، الايمان، العقيدة، التدين والأمة….الخ. في المقابل، اصبح الكثير من هذه المفردات “مشحونة لما فوق طاقتها” بشتى التأويلات وسوء الفهم وذلك اذا لم يتوفر لدى القارئ الالمام بها وبدلالاتها.

        قد تثير هذه الاسئلة لدى الكثيرين تصادماً مباشراً مع بعض المفاهيم والمفردات التي استخدمتها، وليس هذا الا دليلاً اضافيا على الحضيض الذي وصلت اليه حالتنا في تسفيه المفاهيم والقيم وقمع العقل بين مطرقة الارهاب الديني (التطرف السلفي والتعصب الديني والطائفي) والحزبي/العقيدي، وسندان الانظمة العربية العميلة التابعة للغرب الراسمالي ـ الامبريالي والصهيونية الراعين الفعليين للتيارات والحركات السلفية المتطرفة.

        إن هذه المكونات الارهابية للعقل والفكر، ارهاب الدولة وارهاب السلفيين الاصوليين، وارهاب الغرب الراسمالي ـ الامبريالي والصهيوني، هي التي تصنع المناخ الذي يحيط بنا من كل جانب ويقيم من حولنا حواجز الحيطة والخوف والحذر، فكيف يتسنى إذن إعمال العقل والمنطق والجدل والحوار الحر او حتى المقاربة الموضوعية لهذه القضايا؟ حتى الدقة في اللغة والمفردات والمصطلحات أصبحت مستحيلة مهما توخينا الحرص في استعمالها.

        ماذا نقول للجيل الناشئ من الشباب العربي الذي ترعرع في مناخات الارهاب الفكري والتلقين السلفي المتطرف وتحيط به الحركات السلفية بكافة امتداداتها السياسية والاجتماعية والدينية التي تدعو الى إجتثاث الآخر وإلغائه سياسياً وايديولوجياً واجتماعياً وثقافياً وحتى جسدياً؟

        أليس هذا الجيل معبئاً ومهيأ للنفور من مفاهيم التآخي ورفض العيش المشترك وبناء الوطن الواحد بكافة أديانه وثقافاته وإثنياته؟ كيف لا وهو الجيل الذي لم يعش تجارب ونضالات بناء الوطن القومي والوحدة العربية وإنما سادت في في زمنه “القومية الدينية” (ان صح التعبير مجازاً) التي هيمنت على عقول الناس وقلوبهم. وما اقصده ب”القومية الدينية” هو انه، في ظل هيمنة الايديولوجيات السلفية الاسلامية قد تم حصر القومية في أتباع دين واحد، الاسلام، كما تم تجاهل بل معاداة القومية العربية والأمة العربية بتحويل أتباع الدين إلى امة، الامر الذي لم تبتلي به سوى الامة العربية. أما مختلف الأمم المسلمة أو التي يعيش فيها مسلمون، أكثرية او أقلية (إيران مثالاً)، فبقيت وأبقت على قومياتها وبقي مسلموها مسلمين. والحقيقة ان هؤلاء لم يدركوا ولا يريدون ان يدركوا أن قوة الإسلام هي في قوة العرب وليس في معاداة الأمة والقومية العربية.

        أليس هو الجيل الذي نشأ على إختلاطات فكرية أصابت مفاهيم الدين والوطن والامة، فالتبس عليه الامر واصبح الدين قومية و”الدولة الدينية” وطناً؟ ألم يعش هذا الجيل بسبب هذا كله خارج السياق التاريخي ـ الاجتماعي لتطور مجتمعاتنا ومكوناتها الحضارية والثقافية والقومية؟

 

غياب الحزبية العربية العلمانية

 

        يقع وهن الحياة الحزبية العربية العلمانية في مركز هذا الخلل ويشكل احد اسبابه الجذرية: فامام تساقط الحركة الحزبية العربية (ايديولوجياً وسياسياً وتنظيمياً) منذ هزيمة 1967، وعالمياً منذ الانهيار السوفييتي في مطلع تسعينات القرن الماضي، تصاعدت في اوطاننا الحركة الحزبية الدينية لتملأ الحيز الاجتماعي والسياسي ولتصب جام حقدها وعدائها للعرب وللعروبة. أليس هذا ما نشاهده حيثما التفتنا؟

        أحزاب قومية ويسارية واشتراكية وعلمانية تهاوت ببرامجها وقياداتها وبنيتها التنظيمية لتحل محلها احزاب دينية اسلامية تحتكم الى الدين في رؤيتها وطروحاتها ومواقفها وتحصد الدعم الشعبي والجماهيري لتجيّره في خدمة سياساتها وغاياتها.

        أحزاب هوت بعدما كانت تحتضن كافة المكونات الدينية والثقافية والاثنية لامتنا، فتجد العربي ـ المسيحي والمسلم ـ مؤسساً وقائداً في البعث العربي والناصرية وحركة القوميين العرب والاحزاب الشيوعية العربية. أحزاب إنزاحت لتحل محلها حركات دينية حصرية لا في رؤيتها وبرامجها الاجتماعية والسياسية فحسب، بل حتى في عضويتها وبنيتها التنظيمية حيث تبقى الباب موصداً امام العربي غير المسلم وغير المتدين، المسيحي او حتى العلماني.

        تتميز التجارب الحزبية الاوروبية بسياق اجتماعي وسياسي وتاريخي يختلف جذريا عن سياقنا، ولعل هذا الامر يعتبر احد اهم الفوارق الفاصلة بين حالتنا والاحزاب والحركات الاوروبية بما فيها تلك التي تتخذ اسماء الاحزاب المسيحية او المسيحية الديمقراطية، ولكنها تتبنى في رؤيتها وبرامجها وعضويتها المجتمع باسره بكل مكوناته الدينية وتبقي ابوابها مفتوحة لغير المسيحي (مسلم او غير ذلك) ليساهم في فعالياتها وحتى في قيادتها. وهنا أنا لا أتجاهل حقيقة ان الاغلبية السكانية في المجتمعات الاوروبية مسيحية وأن الاغلبية في بلادنا مسلمة.

        على خلاف النماذج الحزبية الاوروبية (الاحزاب المسيحية الدميقراطية مثالاً)، فإن الاحزاب الدينية الاسلامية ترفض قبول أتباع الديانات الاخرى في صفوف عضويتها (العربي المسيحي على سبيل المثال)، ولا تسمح إلا بمشاركة المسلمين. وفي حين تنفرد الحركات الاسلامية، خاصة السلفية منها، بمثل هذه الإقصائية الاستقصائية والحصرية الدينية. لا يفوت المرء ان يشير الى ان العلاقة التي حكمت الديانات التوحيدية الثلاث على مدى العصور، استناداً الى معاينة الواقع والتجارب الملموسة، هي في حقيقة الامر علاقة تنافسية واحيانا تناحرية ولاغية للآخر. ولعل المفارقة المؤلمة هنا ان خطاب هذه الديانات الثلاث مدجج بادعاء التشابة والمشترك الديني واللاهوتي والعقائدي بينها وبدعوات التآخي بين الناس. اما في الممارسة العملية فنرى أن التلقين والتثقيف وصياغة الوعي الشعبي لأتباع هذه الديانات يؤكد النقيض. ناهيك عن الرطانة والدجل اللذين لا يتوقفان حول حوار الاديان والحضارات والتي يرعاها ويقف وراء تمويلها وتنظيمها الغرب ومنظماته المدنية وغير الحكومية. ولعل ما تؤكده هذه المزاعم عن التآخي وعدم ممارستها واقعياً هو إخضاع الأديان للمؤسسات الدينية وتبعية هذه المؤسسات للأنظمة الرسمية وتحول رجال المؤسسة الدينية إلى مثقفين عضويين للطبقات الحاكمة أو للقيادات الحزبية التي تحلم وتخطط للوصول الى السلطة.

(2)

بعض سمات العقل الديني

 

        لا انوى تقديم بحث مستفيض في العقل الديني وبنيته وإشكالياته بقدر ما اتوخى مقاربة هذا العقل مع موضوع نقاشنا: نقد الذهينة الدينية والسلفية منها على وجه الخصوص. فهل هناك من مشترك يجمع بين عناصر هذه الذهنية؟ أقدم فيما يلي بعض الملامح والسمات العامة:

 

1) رفض الشك وحق التساؤل: يميل العقل الديني بشكل عام، بما فيه الاسلامي، الى التسليم بكل ما هو قدري ومنزل. وبهذا، فهو عقل يرفض التساؤل والشك والبحث عن الفهم والتفسير لظواهر الطبيعة والمجتمع وحتى تفسير الحالات العادية والمألوفة في حياة الانسان ومجتمعه.

 

2) إمتلاك الحقيقة: يدعي العقل الديني امتلاك الحقيقة المطلقة والازلية واحتكارها لوحده، مما يضمن له سطوة كاملة عليها واستفراداً بها دون غيره حتى وان كان هذا الآخر من طائفة او ملة مقربة. ولا يكتفي العقل الديني، ولم يكتفِ يوما، بادعائه امتلاك الحقيقة، بل سعى دوما لاستحواذها وحرمان الآخر، أي آخر، منها او حتى الاقتراب منها.

 

3) رفض الآخر: بسبب طبيعته ونزوعه الى امتلاك الحقيقة والاستحواذ عليها، ينغلق العقل الديني على ذاته ويرفض الآخر وفكرة التعددية، كما لا يقبل التعايش أو الحوار معه، بل ينبذها، في حقيقة الامر، الانفتاح عليه او على الفضاء الانساني والاممي الاوسع. هذا بالرغم من ان النص والخطاب الديني يدّعي ويصر على إدعاء العكس، لانه في الكنه والجوهر يرى نفسه “الحقيقة” كلها، الحقيقة الوحيدة والازلية. وهو ما يشكل النقيض للآخر ولثقافة للتعددية.

 

4) التطرف: ما إن تنغلق الذهنية الدينية على ذاتها ومفاهيمها وتكرر ذاتها وتملأ الدنيا بصراخها، حتى تضحى حبلى بتعاليمها وغيبياتها التي ترفض في الجوهر والاساس العقل والمنطق والفكر مما يؤدي بقوته الدافعة الى توليد التطرف والتعصب فتقيم الحواجز بين الناس وبينها وبين المنطق والعقلانية والموضوعية.

 

5) البلادة الذهنية: قضى العقل الديني، وما زال، قرونا طويلة منهمكاً في تفسيراته ومنشغلاً في تكرارها وتنقيحها وتلقينها. وقد حقق في ذلك ومن خلاله الكثير من الاريحية والاستقرار. وهنا يقف العقل الديني كسولاً بليداً امام العقل التحليلي الذي لا ينفك يسأل ويثير الشكوك ويبحث عن فهم الظواهر الطبيعية والاجتماعية ويتوق الى الاجابات التي يفرضها الواقع المادي ويأتي بها العلم والفكر وشتى موارد المعرفة الانسانية.

        لذلك كله، فان العقل الحر والمنعتق من “اليقين المطلق” المرتكز على أحكام القضاء والقدر قد قطع اشواطاً كبيرة وجريئة في مسيرة الانسان وتقدم الانسانية في كافة مجالات الفكر والعلم والثقافة والمعرفة، فيما تجمد العقل الديني في مكانه مراوحاً منذ قرون أسيراً لنصه وحبيساً لماضيه وموروثه.

 

6) التناقل التاريخي للمفاهيم الدينية: لقد تم تناقل النصوص الدينية عبر العصور والاجيال المتعاقبة، كما تم تناقل المفاهيم والعقائد الايمانية بما فيها من طقوس وشعائر. وقد تمت هذه العملية دون اعتبار للسياق الاجتماعي والتاريخي التي تتفاعل فيه: اي بدون اعتبار للتغيرات والمستجدات في المجتمع والانسان والبيئة، وفي تعامٍ اعتباطي وإزدراء للتطورات المعرفية والعلمية والثقافية الانسانية. وكان من تبعة ذلك ان ظلت المفاهيم الدينية، اللاهوتية منها وتلك المتصلة بشؤون الدنيا والعقيدة الايمانية والشعائر الدينية، ظلت تراوح في مكانها ولم تبرحه منذ نشوء فكرة الله والدين، وذلك في هروب وخروج واضح عن سياقات التاريخ والزمن وأوضاع الانسانية.

 

7) ديمومة الذهنية الدينية: كيف استطاعت الذهنية الدينية بسط هيمنتها على العقل عبر قرون مديدة وما زالت حتى يومنا هذا دون اي تبدل وتغيير؟ أدناه أذكر بعض العوامل التي ساهمت في تكريس هذه الهيمنة واستمرارها:

أ ـ بسبب غياب العقل الذي يثير الشك ويطرح الاسئلة، يظل العقل الديني حبيساً لنصه وتعاليه ومفاهيمه. ويجب ألاّ تغوينا الاختلافات الثانوية او تعدد الشروحات والتفسيرات والاجتهادات لتلك النصوص. فمن الملفت انه على الرغم من تعدد التفسيرات التي قدمتها الحركات الاسلامية الدينية الرافضة او المتمردة عبر تاريخها الفكري والديني، وبالرغم من حملات القمع والطمس التي واجهتها هذه الحركات من قِبَل القوى الحاكمة والمهيمنة والمؤسسة الدينية المتحالفة معها، فان الكثير من هذه التفسيرات ظلت منغلقة ورافضة لنهج التساؤل وذهنية الشك.

ب ـ إدعاء اليقين الازلي عبر المفاهيم الدينية والدنيوية حصرا.

ت ـ استناد العقل الديني الى إمتلاك الحقيقة وإحتكارها. لذا فانه يرى ذاته الافضل والاصح والاكثر أحقية، بل الحقيقة الوحيدة.

ث ـ فصل الوعي العلمي والثقافة المكتسبة من الواقع عن الممارسة الاجتماعية مما يُحدث دوما فصاماً شخصيا أبدياَ وعجزاً في خلق الممارسة المتوازنة.

        كل هذه العوامل وغيرها أتاحت للذهنية الدينية تلك الديمومة المهيمنة التي لم تهتز رغم التقادم والمتغيرات السياسية والاجتماعية والتاريخية.

 

العقل الديني الجمعي: آلية الوظيفة الاجتماعية للدين

 

        إتسم العقل الديني، منذ نشوء فكرة الله والدين، بالنزوع المستمر الى فكرة “الجماعة”، اي السعي نحو خلق “مؤسسة دينية جمعية” وعقل ديني جمعي على اساس المشترك في المفاهيم والعقيدة التي صاغها العقل الديني الفردي. ولقد عمدت هذه المؤسسة الى زرع آليات عملها وأدواتها في وعي الجماهير عن طريق منابر أماكن العبادة ومن خلال الخطاب الاعلامي نفسه عامدة الى حقن رجل الشارع وتلقينه بمختلف المفردات التي تحرض على التكفير والبغض وإقصاء الآخر. وهناك الكثير من المفردات المتداولة في الحياة اليومية والتي أصبحت جزءاً راسخاً غير منفصل عن التراث الشعبي والموروث الثقافي (الديني وغير الديني)، والمتجذر في الاقاويل والحكايات والامثال الشعبية وفي النصوص المكتوبة وتلك المتداولة شفاهيا. وليس بنا من حاجة للعودة الى تلك النصوص او الوثائق، فالواقع المعاش يقول لنا اكثر من ذلك.

        وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لانها تسعفنا في فهم التوظيف الاجتماعي والسياسي للدين: أي فهم العقل الديني، بمستوييه الفردي والجمعي وتجلياتهما في التوظيفات الاجتماعية والسياسية للدين وللمؤسسة الدينية. والحقيقة انه بدون فهم نزوع الذهنية الدينية نحو خلق الجماعة ومن ثم صياغة العقل الجمعي المؤسساتي والسطوة عليه، فانه يتعسر علينا ان نعي كيف يستطيع العقل الديني والمؤسسة الدينية الراعية والحاضنة له، ان يؤدي وظيفته ودوره في المجتمع والسياسة. إن العقل الديني الجمعي، إذن، هو فعلياً الأداة (الآلية) لأداء هذه الوظيفة.

        أما الوظيفة الثانية للعقل الديني فهي القدرة على التأثير في السلوك الاجتماعي الجمعي: اي ان يصبح الفرد جزءاً من الجماعة، بل صورة ممثلة لها، فينغلق الفرد في الجماعة لينغلق كلاهما عن الخارج وعن كل ما هو “آخر”. بعبارة اخرى، ينحصر الجزء في الكل ويذوب فيه ليشكلان بنية منغلقة على ذاتها رافضة الانفتاح على الآخر.

        هكذا تقوم العلاقة بين الفردي والجمعي في الذهنية الدينية في سياق هيمنة محكمة مؤداها الانغلاق على الذات ورفض الانفتاح على الآخر والسطوة الايديولوجية على الوعي الشعبي. وكل هذا يتحقق ذلك على خلفية:

ـ الارتكان الى النصوص الدينية والمرجعيات اليقينية التي لا يجوز المساس بها او طرح اية تساؤلات او شكوك حولها مع إن هذه المرجعيات ليست سوى اجتهاد بشري لا يجوز لها بأي شكل كان احتكار التفسير والتأويل وبالتالي منع الاجتهاد.

ـ تغييب كل شك او تساؤل او سعي وراء العقلانية خوفا من المس بهذه المرجعيات.

ـ الاستحواذ على العقل الفردي والجمعي وضمانة انغلاقهما.

ـ نتيجة لهذا، تصبح النصوص والمرجعيات الدينية هي تحديدا مصادر العلم والفكر ربما الوحيدة والحصرية، وتغدو اساسا لكافة المعارف الانسانية على تنوعها، فيتم قمع ذهنية الشك والتساؤل والنقد والسعي الى التغيير والتي كانت عبر التاريخ القوة الدافعة المركزية لتقدم الانسانية وتطورها.