مبارك في إسرائيل

مبارك في إسرائيل

أحمد حسين

 

ِإذا اجبر الشعب المصري محمد حسني على التنحي، فسوف يواجه مشكلة في اللجوء إلى أية دولة في العالم. بقاؤه في مصر مستحيل إلا سجينا. وليس هناك نظام عربي واحد يجرؤ على استضافته، خوفا على استقراره الشكلي. أما الغرب المنافق فهو يربأ بكذبه عن استضافته بعدما ارتكبه في حق شعبه علنا. فالغرب لا يتسامح مع الجرائم العلنية أبدا. فأين يذهب مبارك في حال إجباره على التنحي؟ في هذه الحالة ليس أمامه إلا إسرائيل إذا فضل اللجوء على الإنتحار. إسرائيل ربما تتردد في استضافته بسبب أنعدام الفائدة. فهو مريض وفاقد الصلاحية الزمنية للإستعمال البشري. وهي مثل الغرب لا تؤمن بمصطلحات غير عملية مثل الأمتنان أو تقدير الخدمات. وإذا اقتنعت إسرائيل باستقباله، فيمكن أن يمنح صفة مواطن عادي، وليس صفة لاجيء سياسي، أو ضيف، ولكن يستحيل عليه العيش حتى كشحاذ برسوم التأمين الوطني وحدها. ومن حيث التعاطف، فلن يجد فلسطينيا واحدا هنا يتعاطف معه. كما أن أكثريتهم الساحقة فقراء تجوز عليهم الزكاة. وليس فيهم من يستطيع مساعدته براتب شهري سوى الحركة الإسلامية، التي لو خيرت بين مساعدته أو مساعدة إبليس لاختارت مساعدة الأخير، وبدعم شرعي، بدعوى أن إبليس أكبر منه سنا وأحق بالمساعدة. ولكن رغم كل هذه العراقيل، لا مناص في النهاية لمبارك من الحل الإسرائيلي. وبالنسبة لموافقة إسرائيل فهي مضمونة إذا وافق المجتمع الدولي على اقتطاع جزء من ثروة محمد حسني في البنوك، وتحويله لإعالته.

        ولكن المشكلة العاجلة ليست هذه، وإنما هي في رفض الرئيس مبارك التنحي. وهو موقف لا يستسيغه منطق ولا عقل سليم. لقد أهان شعبه واستخف به في خطابيه الأخيرين، وفي كل ما تبع ذلك من أفعال رئاسية. وشعبه، عدا من هم معه في زريبة الخيانة واللصوصية والتبعية، يرفضه فردا فردا. ولم يعد له من صفات الحقيقة الرئاسية، سوى السب والشجب والتنديد تحت هذه الصفة. وليطل به عناده الهزلي مهما طال، فهو لم يعد رئيسا، بل هاربا من العدالة. فلم هذه البهدلة الإضافية إلى سجله البامبي؟ فهل هو يعيش حالة نفسية أو عقلية استثنائية بسبب العمر أو بسبب آخر؟ أم أن الحيتان المافيوية الأمريكية في الحزب قد سجنته في هذه اللوثة العنادية عمدا، لتجد لنفسها مخرجا من مواجهة الشعب مباشرة؟ أم هي لعبة أمريكية مدبرة لاستلام النظام مباشرة منه وتسليمه للبرادعي والجماعة ولديمو قراطية السوق السياسية؟ الخط الإعلامي لقناة الجزيرة، وإضاءات المفكر الليبرالي الدولي د. عزمي بشارة، تشير إلى الإحتمال الأخير. فالبرادعي يتحدث بلغة من يغني في الجنازة بالأمريكي. وهو من الجرأة وخفة الدم بحيث أن قناة الجزيرة تمهد له في محاوراتها اليومية معه، ليقدم نفسه كضحية ثورية للرئاسة، مثل عروس النيل، وذلك فقط، استجابة للشعب المصري الذي قدم من العناء والدم ما قدم ليستبدل مبارك أصلي بمبارك مستنسخ. من أين يأتون بهم؟ أليس عادل إمام على علاته أفضل منه لهذا المنصب؟ حتى إسمه أكثر ثورية من أسمه.

        هؤلاء لا يهموننا حاليا، فالشعب المصري أثبت أن بسطاءه أعلى وعيا وتجربة من أمثال أولئك. لقد استطاع أولئك البسطاء بنباهة وعيوية راقية، أن يعرفوا لمن ينحازو، وأن يجاروا نخبهم الشعبية الشبابية، ويصنعوا معا المشهد الأرقي للثورة والوعي والشهامة المعرفية في عصرنا. وأثبتوا أن الوعي والمعرفة بدون النبل والشهامة، يمكن أن تصنعا دجالين ورجال أعمال ولصوص وملوك ورؤساء جمهوريات بدون كرامة شخصية أو إنسانية، ولكن لا يمكنهما أن تصنعا ثورة. ليس على ثورة مصر خوف من هؤلاء. فهم مكشوفون مجربون ومفتضحون. ولكن تأثيرات ثورة مصر، هي على مستوى تحديد مصائر دولية وعالمية. وأعداؤها هم كل لصوص الأنظمة في العالم، بينما أصقاؤها هم معظم شعوب الأرض المتربصة بأنظمتها. وللأسف فإننا نعيش في عالم رصيد القوة فيه حتى الأن بيد الأنظمة الإمبريالية والأنظمة التابعة، وليس بيد الشعوب بعد. ولن يتوقف هؤلاء عند حد في محاولة حماية مصالحهم وعروشهم. سيحاولون إجهاض الثورة المصرية كنموذج أعلى لتاريخ جديد يقوم على مواجهة نموذجهم. لذلك يجب رفع درجة الحذر والحيطة بين شباب الثورة إلى عنفوانها. يجب أن يحترسوا من ترك موطيء قدم واحدة لأولئك داخل سياق التاريخ المصري الجديد، فلا يخفضوا سقف مطالبهم قيد أنملة واحدة. فهنا كل الخطر أن يتم تحويل حركة السياق من ثورة إلى تغيير نظام. إن الديموقراطية هي آلية فقط للعلاقات الداخل – سياسية واجتماعية، وليست سياحة حرة للمشبوهين من تجار السياسة الدولية. ويحظرعليها أن تكون محايدة ثوريا وبدون مباديء وطنية ملزمة فوق المسائلة، تمنع تسلل العدو القديم الدائم، بأية صورة من الصور.

        أرجو ألا تستعجلوا الحكم وتتهموني بالتطفل. أنا لا أتكلم بدافع النصيحة، فأنا لست سخيفا ولا غبيا، و لو كنت في مصر لحاولت أن أتعلم منكم. ولكنني مواطن عربي خائف يحاول أن يداري خوفه على الثورة بالمشاركة بالهتاف في ميدان التحرير. والخوف قد لا يكون منطقيا عندما يكون دافعه الحرص على شيء أثمن من الحياة الشخصية، حلمنا به العمر كله. أنتم الأن تناولتم المواطن والوطن العربي من حضيض مميت، ووضعتموه على حافة من العزة والأمل كان على وشك اليأس منهما. فكيف لا يخاف حتى توهما؟ نحن نعرف أنه لو أصاب ثورتكم سوء، لا سمح الله، فقد ضعنا إلى الأبد. فالأعمال المصيرية العظيمة التي تغير وجه التاريخ، لا تأتي كل يوم. وثورتكم هي فرصتنا الأخيرة. فكيف لا نخاف؟ ولكنه خوف الإلتزام وليس حب التطفل.

        ألضغط قائم من كل الجهات على ثورة المصير العربي. وأول المتريصين بها، النظام العربي العميل. فماذا جاء يفعل عمرو موسى في ميدان التحرير؟ هل جاء بدافع الوجاهة الشخصية مثل البرادعي؟ أظن أنه جاء للتهدئة وتسويق المفاوضات مع مبارك، وللقول للشعوب العربية المعبأة والمتحفزة، لا تستعجلوا! دعونا نبدأ عصرا من التنازلات من جانب الأنظمة، تكون ربحا صافيا لكم، بدون ثورة وسفك دماء. جاء باسم “الولايا العربية المتحدة ” إلى ميدان التحرير، ليقول أن الجميع في الجامعة العربية ” متفقون على سقف الديموقراطية والعدالة الإجتماعية الذي قامت من أجله الهبة المصرية!! ” هذا الخبث المأثور عنه، لا يخدع أحدا، ولكنه جاء ليقوم بواجبه. ألم يكن من الواجب أن يطرد من ميدان التحرير، كرسالة معنوية إلى الشعوب العربية.

        أمريكا على لسان كلينتون وماكي وأوباما، تتحدث عن مصر وكأنها تتحدث عن كينتاكي. بل إنها تصرح بمساندة المطالب الإجتماعية ” للمحتجين “، وتندد بطرد الإعلاميين، وتصرح بأنها تؤيد ” تغيير” مبارك. أي أنها ترسم للجميع بما في ذلك ” المحتجين ” إطارا سلوكيا محددا. ما هذا؟ على من الثورة إذن إذا لم تكن للتخلص أولا من تبعية النظام لأمريكا؟ لماذا لا يرد أحد على أمريكا بالعنف اللازم لتغير لهجة خطابها السمج؟ أليس من المفيد استغلال الموضوع تعبويا ومعنويا، لتعميق وعي الثورة في الوسط الشعبي، ورفع لواء الكرامة الوطنية، عن طريق رد مناسب لتوضيح مدى الإلتزام؟

 

وماذا عن شعار سلمية الثورة. ليس هناك ثورات مسالمة. الثورة حركة للتغيير تتم داخل ظروفها الموضوعية، ووفق طبيعة المواجهة المفروضة. أليس هذا محاولة لتحجيم الثورة، وتحويلها إلى سلسلة مظاهلرات مطلبية محدودة؟ لقد عوملت الثورة من جانب النظام بمقاييس الثورات، فردت بالحديد والنار. فمن هو الخاسر هنا في معادلة التقييم للفعل وردة الفعل؟

        وما معنى حماية الجيش للثورة إذا كان مجرد تواجده لم يستطع حمايتها. وهل هو موجود في الشارع بوصفه مستقلا عن النظام، أم بأمر من النظام؟ اللعبة في رأيي مكشوفة. الجيش لا يلعب لعبة النظام ولا الثورة الشعبية. إنه يلعب لعبة أمريكا في كسب الوقت وضرب عصفورين بحجر. ألتخلص من مبارك والثورة معا، في صفقة واحدة. كيف يمكن لجيش تحت إمرة رئيس النظام، أن تكون قيادته العليا غير موالية للنظام أو أمريكا؟ هذا افتراض عبثي.

        وتلخيصا، فإن الثورة الشعبية في مصر قد أثبتت أهلية وعيوية نادرة، واستعدادا غير محدود للتضحية. وصمودها على وعيها لمعادلة التغيير المحتمة هو ضمان نجاحها. ولكن الضغوط مخيفة؟ ومحاولات كسب الوقت من جانب الأعداء تخدم التثبيط المعنوي. على الثورة أن تواصل حركة الثوران إلى الأعلى، وتجدد عنفوانها كل يوم برفع سقف مطالبها. للمحافظة على حيويتها، ومواجهة دسائس التثبيط القاتلة للثورات.