ألرد على اليانكيين

 

ألرد على اليانكيين

أحمد حسين

 

دلت مجريات الثورة المصرية على مدى تورط الشعوب في هذا العصر مع أنظمتها. فمن ناحية، كل آليات التقدم البشري، سواء العلمي أو الإجتماعي، في هذا العصر، هي ملك خاص للأنظمة، تستغلها في تشكيل صورة العلاقات بينها وبين شعوبها، على أساس تعميق مصطلح ودلالة النظام، مقابل تسطيح دور المواطنة وتبعيته الكاملة للنظام. يقولون في الإعلام أو يوحون، أن المواطنة في هذا العصر المحكوم بالتقدم المعقد،واقتصاد المصنع والشركة، وصراعات السوق، أصبحت من ضرورات إنتاج المصلحة العامة التي يمثلها النظام البيو – تكنو – ديمو- قراطي. فالشعب لم يعد يستطيع عمليا التدخل المباشر في تعقيدات العمل النظامي لخبراء الإدارة أو التكنوقراط، سوى بالإنتخابات الحرة التي تشرف عليها الأنظمة. بمعنى آخر أن النظام لم يعد سلطة وتحكم، بمدى ما هو جهاز نخبة خدماتي منتخب. وأية مداخلة عدا الإنتخابات في التغيير، ليس لها أي معنى سوى مخلفة الدستور. بذلك فقدت الشعوب في الدول المتسيدة اقتصاديا، أي عقل سياسي عدا ما يطرحه الإعلام من معلبات ” روحية ” تختص بالإجهاض، والزواج المثلي، وحرية الأنثى التي يسميها حرية المرأة، وحرية التعبير. أي أن الغربية أقنعت مواطنيها المرفهين نسبيا، أن الحرية هي تمكين المواطنين من اختيار سادتهم الطبقيين. وبذلك نجح النظام الغربي عن طريق الديموقراطية تمرير استبداده الفاضل بالإنتخابات، ومستوى المعيشة المتراتب، والضمان الإجتماعي المتآكل زمنيا. وليس هذا فقط، فقد أصبحت الديموقراطية الطبقية، دينا تبشيريا شاملا للبشر كلهم، وأصبح له محاكم تفتيش، ومحارق، وخوازيق، تم تطبيق أحكامها دوليا، على بعض شعوب العالم الأخرى.

        في بلدان العالم المنهوبة والمهمجة غربيا، يختلف الأمر جوهريا بالنسبة لاستعمالات الديموقراطية. فهي في النهاية فلسفة علاقات اجتماعية للإستبداد الطبقي المتقدم. ولكن في مجتمع يشكل الجياع فيه أوسع الشرائح، والمحرومون والمظلومون والمنهوبون والمطعونون في إنسانيتهم بقية الشعب، عدا عن النخبة المتسيدة، فإن فلسفة الحكم والنظام غير موجودة، لأنها كأية فلسفة لا تبدأ من الجوع مباشرة، ولا تبدأ من القبلية النظامية مباشرة ايضا، وبالخصوص لا يمكن أن تبدأ من نظام بدون مضمون نظامي، لا هدف له العمالة واللصوصية. لذلك فإن تطبيق الديموقراطية الشكلي في العالم الثالث، له غرض واحد هو استحداث أنظمة عميلة للغرب، تحت شعار التعددية لإقامة سوق حرة لشراء الأنظمة في دول التبعية. وقد أدى هذا بالمنطق، إلى نشوء حالة استبداد رئاسي أوتوقراطي، يحكم ليسرق ويتسلط، ويمنع قيام تنمية وطنية في بلاده، كما يريد الغرب.

        إن الثورة المصرية هي أنقى مداخلة شعبية وثورية ممكنة تاريخيا، لأنها قامت من التجمع الشعبي العفوي لروافد الظلم المشتركة، النابعة من التجربة العينية لمجموع الشعب، وليس من صراعات الإيديولوجيا، أو منطق إصلاح ما لا يمكن إصلاحه. إنها عبارة عن تدفق لحيوية إنسانية حبيسة، لم يعد من الممكن الجدلى كبتها. إنها تتبدى بوضوح الضرورة كثورة بالنيابة عن كل الشعوب المقهورة بالعصر الذهبي للإستبداد العالمي. مجموعة مصالح كيدية منظمة، تجمع كل لصوص العصر بترتباتهم المختلفة في تنظيم واحد ضد الجوعى والمستعبدين، في عالم يسقط غنسانية البشر من حسابه. لهذا فإن الثورة المصرية تواجه تنظيم الشر العالمي كله دفعة واحدة. وعليها أن تضع هذا الأمر في حساباتها وتقرر خطواتها على هذا الأساس.

        العدو الداخلي الذي تواجهه، من النظام وطفيلياته الحزبية، هو امتداد وعرض فقط للإستبداد العالمي، وإزالة شخوصه ومفاسده من الوجود ليست هي النهاية الثورية، وإنما البداية فقط. والأمر لا يحتاج إلى دليل فهو قطعي بالواقعة وبالمنطق العقلي البسيط. لا أحد يخفي من مراكز الشر العالمي أجنداته الخاصة في مصر ما بعد الثورة. وهم يقولون للشعب المصري بوضوح أن على ثورته أن تلتزم بأجنداتهم، دون أن يكون لهم خيار في ذلك. أي يمكنهم تغيير النظام بنظام مشابه من حيث علاقاته الدولية، وابتزازه معيشيا على هواهم. لن نتدخل في شؤون رعايانا في مصر وثورتهم العادلة، إلا إذا تناقض ما يريدونه مع ما نريده نحن. هل هنا أية مبالغة أو تحريف لمؤدي الخطاب الأمريكي المباشر؟

        أما إسرائيل، فهي أكثر مباشرة وحدة من أمريكا لأن القضية بالنسبة لها قضية أمنية. فهي تقول على لسان تسيبي ليفني، نحن لآ نثق في التغيير في مصر، خاصة إذا كان ديموقراطيا.فنحن أمام شعب ليس مؤهلا ديموقراطيا، ويغلب عليه التطرف. والشعب المصري لن يأتي من خلال الإنتخابات بمبارك جديد، لذلك نحن في خطر لا نستطيع التسليم به. أما رئيس الأركان الإسرائيلي فقد كان أكثر حزما، وأعلن أن هناك قرارا باتخاذ سياسة تعبوية جديدة عسكريا.

        ليس هناك حاجة للإطالة. ألثورة المصرية ليست في خطر، ولكنها ستكون معرضة لخطأ التكتيك إذا لم تأخذ ما مضى بعين الإعتبار. ومع أنني لآ اعتقد أن أمريكا ستتدخل عسكريا عند الحاجة، إلا إذا اعتمدت في ذلك على الجيش المصري أو الإسرائيلي مع تقديم إمداد ات لوجستية ميدانية. ولعل توريط الجيش المصري هو ما قصدته إسرائيل بتصريحاتها الأخيرة بهدف دفع أمريكا للتأثير على جنرالات الجيش المصري. إذن فإن أمريكا لن تعود إلى فيتنام جديدة في منطقة أخطر من فيتنام بما لا يقاس، وهزيمتها فيها محققة أما إسرائيل فقد تكون صادقة في تخوفاتها، ولكن العسكرية الإسرائيلية، لا تخوض إلا المعارك المضمونة الخاطفة، التي تحتملها جبهتا الداخلية. وهي تدرك معنى التدخل لإخماد ثورة أكثر من ثمانين مليون ثائر، سينضم إليهم الشعب العربي بكل نخبه الشبابية.

        معنى ذلك أن أمريكا وإسرائيل لن تستطيعا فعل أي شيء. وهما فقط تحاولان توجيه القنابل الصوتية للتخويف ونشر البلبلة الهادفة. لم يعد هناك شعب عربي خائف، للخوف حدوده التي يتوقف عندها، ويصبح التحدي طابع العلاقة بالحياة. فإذا أرادوا التفاوض مع الشعب المصري على ثورته بالتخويف، فلترد عليهم ثورة مصر، والشباب العربي في كل مكان. وليقولوا لهم نحن لا نفكر بكم. نحن ماضون بثورة مصر حتى حدود النصاعة الثورية الكاملة. وهذا أمر لا يخص أحدا غيرنا. لن نترك في مصر والعالم العربي موطيء قدم لكم أو لعملائكم. نحن مع الحرية والسيادة الكاملة في وطننا. نعرف أن هذا لا يعجبكم ولا يهمنا. هذه مشكلتكم مع أنفسكم. لم نعد نخشى الموت، لأن حياة الخضوع للغير موت أكبر، فتعالوا إذا شئتم! سنخوض معكم حربا جميلة وممتعة إلى أبعد الحدود. حرب الشرف والكرامة والإنسانية، مقابل حرب الظلم والتعدي واستعباد البشر. ونعدكم بالهزيمة لأننا نعرف أنكم جبناء. لأنكم غير إنسانيين.