الخطاب الديني السلفي:

الخطاب الديني السلفي: لماذا نتحاشاه والى متى؟

(مناقشة في مأزق العروبة والإسلام)

الجزء الثاني والاخير

مسعد عربيد

(3)

الخطاب الديني والعروبة

الدين كمكون للهوية الثقافية

 

        لا ينكر أحد ان الدين، وما يتضمنه من معتقدات وشعائر وطقوس يعتبر احد العوامل الثقافية المشتركة والمكونة للهوية الثقافية وله الأثر الكبير في تكوين الثقافة الشعبية. إلا ان الدين بحد ذاته وضمن هذا المفهوم لا يشكل احد العوامل الرئيسية في الهوية القومية. وعليه، فان الاسلام يشكل في الحالة العربية إحدى مكونات الهوية القومية والثقافية العربية،التي هي اسبق واقدم من الإسلام، ويتمتع بخصوصيات صاحبت العلاقة بين الاسلام والعروبة عبر مسيرة تاريخية دامت اربعة عشر قرناًً. إلاّ ان الدين (الاسلام) لوحده لا يشكل العامل الأساس في الهوية القومية العربية اذا ما غابت العوامل الاساسية الاخرى. ولو صحّ ان الدين لوحده يشكل ركيزة الهوية القومية، لما كان العرب المسيحيون والعرب المسلمون من إنتماء قومي واحد. ولا يغيب عنا أن القومية تشتمل على تنوع الأديان والعقائد بطبيعتها بما هي مشروع نهضوي تاريخي.

        نستنتج من هذا ان الاسلام (وبالمثل المسيحية او اية ديانة اخرى)، على الرغم من كونه احدى مكونات الثقافة والهوية الثقافية، لا يشكل “الهوية” بكاملها والتي تستلزم بالاضافة الى الدين توفر المكونات الثقافية والقومية الاخرى مثل اللغة والتاريخ والتراث والجغرافية والاقتصاد والمصالح المشتركة ومقتضيات النضال المشترك من اجل البقاء والتنمية والتطور وغيرها. فالهوية العربية، شأنها شأن الهويات الاخرى، مسألة مركبة لا تقتصر على عنصر واحد فحسب. فقد يجمعني عنصر الديانة (الاسلام) مع الاندونيسي او الباكستاني، الا ان هذا لا يعني انني أشارك الباكستاني في هويتي وذلك لأنه لا يجمعني به من مكونات الهوية القومية شيء، وحتى من عناصر الهوية الثقافية، سوى الدين (الاسلام). إن نظرة إلى هموم الأمم ومشاريعها تبين أن كل أمة مشغولة إما بتنمية نفسها أو بكفاحها للتخلص من الاستعمار بأشكاله وتلوناته، والتعاطف الديني بين أتباع الديانة الواحدة لا يعني انشغال الباكستاني عن واقعه بفلسطين أو السودان. وبالطبع، فان هذا لا يتنافى مع الفضاء الأممي والانساني الذي يلف كل الشعوب والأمم. ولا ينفي هذا ايضاً أن القومية العربية، بما تمثله من طموحات ومصالح الطبقات الشعبية الفقيرة والمهمشة، هي بطبيعتها قومية تقدمية ومعادية للشوفينية ومنفتحه على كافة الشعوب والامم، وهي جزء حيوي من الانتماء الاممي والانساني بل انها شكلت، منذ فجر التاريخ، مكوناً أساسياً من مكونات الحضارة الانسانية ورافداً للكثير من المساهمات الجليلة.

 

المسلمون ليسوا أمة

 

        ينحدر المسلمون في العالم من اصول عرقية وقومية مختلفة من شتى بقاع الارض، يقطنون مساحات كبيرة ويبلغ تعدادهم اكثر من خُمس سكان الكرة الارضية،. إلا ان إضفاء صفة “الامة” على المسلمين في سياق عصرنا تتضمن دلالات قومية لا يقوى المشترَك الديني على توفيرها، أي انه لا يتسنى للعامل الديني لوحده ان يشكل الجامع الثقافي او القومي للشعوب الاسلامية.[1] فالمجموعات السكانية الاسلامية الموزعة في القارات الخمس لا تمتلك عوامل الهوية القومية الواحدة. وعليه، فاذا سحبنا المعيار ذاته على كافة الاديان، فان المسلمين ليسوا امة وكذلك المسيحيين واليهود. إذ انه لا تجمع بين المسلمين في مختلف البلدان والقارات مقومات الشعب الواحد او القومية الواحدة او الامة الواحدة بل نرى أحياناً نقيض ذلك إذ تفصل بيهم الحواجز الجغرافية والتاريخية والثقافية واللغوية والاقتصاد المشترك والتنمية والسوق، واحيانا تناقض المصالح الاقتصادية والمادية، والاهم انهم لا يشعرون بالانتماء الى هوية قومية واحدة وامة واحدة. وهكذا تظل هويتهم الدينية بعداً واحداً من الابعاد الثقافية (لا القومية) للهوية المتعددة والمتشابكة. إن الاعتقاد والدعوة إلى أمة إسلامية لا يُنتج سوى العجز عن مواجهة الإشكالات داخل كل أمة وكل قومية وبالتالي عدم التحرر والإنجاز. إن العلاقة الفعلية التي تقيمها فنزويلا، على سبيل المثال، مع العرب والمسلمين أهم بدرجات من عواطف زعماء مسلمين مع مختلف المسلمين الآخرين.

 

“القومية الدينية”: الدين يبحث عن وطن

 

        لم يتعرض بلد عبر التاريخ، كما تعرض الوطن العربي (وفلسطين خاصة) الى هذا القدر من الفرضيات الدينية التي تدّعي امتلاكه والأحقية في اقامة الدولة الاسلامية (الامارة، دولة الشريعة، دولة الخلافة… وغيرها من المسميات) وذلك إستنادا الى مقولات دينية غيبية، تظل على كثرتها معادية في الجوهر والهدف للقومية العربية. وكأن هذا الوطن لا أهل له ويحتاج الى كل هذه الادلة للانتماء اليه أو إثبات مصداقيته. ولكن لماذا؟ إن الاوطان الاخرى هي ملك لاهلها ولشعوبها وهكذا نريد نحن لوطننا العربي ان يكون: وطنناً لاهله وأصحابه. وها هو تاريخنا ينضح بما نقول.

        شهدت العقود الاخيرة، منذ انهيار الخلافة الاسلامية في اعقاب الحرب العالمية الاولى ووصول كمال اتاتورك الى السلطة في تركيا، صعود “القومية الدينية” التي طرحت نفسها بديلاً للقومية العربية العلمانية والتي، على اختلاف مشاربها واحزابها وايديولوجياتها، لم تتنكر يوماً للحاضنة الحضارية الاسلامية للقومية العربية ولا لدور الاسلام في التكوين القومي والثقافي للامة العربية. ولم تكتف هذه المقولات الاسلامية بطرح بديل “القومية الدينية” بل اقامت الاسلام والقرآن الكريم حلاً لمشاكلنا ومعضلاتنا ووسيلة للحكم وإدارة مجتمعاتنا واوطاننا ودولتنا. وفي طلاق صارخ وجذري مع مصالح وطموحات الشعب والجماهير والطبقات الشعبية والفقيرة والمهمشة ـ صاحبة المصلحة الحقيقية في الوحدة القومية للشعوب العربية ـ إنتهت هذه القوى والايديولوجيات الى الهيمنة المحكمة على مساحة وجودنا الاجتماعي والسياسي وأقحمت ذاتها في كافة ابعاد وجوانب وحتى تفاصيل حياتنا في مسعى جادٍ لاجتثاث القومية العربية، قومية الطبقات الشعبية وحاملة مصالحها الطبقية والقومية في تلاقي لافت (وان لم يكن مستغرباً ولا مستهجناً) مع الاهداف والسياسات والمخططات الامبريالية والراسمالية الغربية والصهيونية.

        الا ان الواقع القائم حافل بالعديد من التوظيفات السياسية والاجتماعية للدين والتي تطرح رؤية للوطن من منظار الدين مستخدمة كل ما في جعبة المؤسسة الدينية من وسائل التلقين والاعلام والتأثير المباشر في التربية والتعليم لابنائنا. هذه الرؤية هي التي تجعل من قضية الوطن خليطاً عجياً ومركباً من الاوهام والغيبيات. ونجد انفسنا ـ في هذه المرحلة بالذات حيث تشتد الحملة الامبريالية الصهيونية على بلادنا، نجد اننا قد فقدنا البوصلة في تحديد العدو الرئيسي ووسائل النضال الوطني والقومي والاجتماعي.

        ولعل الحالة الفلسطينية، كنموذج، جديرة بتوضيح المسألة اكثر. ففي الحمأة الصهيونية المسعورة لتهويد فلسطين المحتلة[2] يتم اختزال الوطن الفلسطيني الى “الاماكن المقدسة”، وهكذا يبدو نضالنا وكأنه قد تحول الى تحرير هذه الاماكن المقدسة بديلاً عن تحرير الوطن، والتي على أهيمتها وقداستها (اي الاماكن المقدسة) تظل جزءاً عزيزاً من هذا الوطن وجزءاً لا يتجزء من تراثنا وحضارتنا والحضارة الانسانية جمعاء، إلا انها لا تشكل الوطن الفلسطيني كله لا بمعناه الجغرافي ولا الوطني/القومي. هنا بالذات، تتعطل أدوات الفهم وتنتاب وعينا ثغرات كبيرة تكاد تفتك به إضافة الى ما حلّ بقضايا الامة العربية (وخاصة القضية الفلسطينية) من مآسي تمثلت في إنهيار مرحلة النضال التحريري الوطني باسرها (قيادة وتنظيماً ومشروعاً وبرنامجاً)، ناهيك عن إقصاء هذه القضية عن حاضنتها القومية العربية.[3] إن التركيز والحصرية في القدس يشتمل على خطرين، أولا، تقليص الوطن إلى الأماكن المقدسة مما يخلق جيلاً لا يدري أن فلسطين كلها مغتصبة، وثانيا، كما انه يرسيخ في ذهن العالم أن حقوقنا هي في القدس وحدها.

 

كيف اصبح المسلمون “امة” والعرب “عالماً”؟

 

        أما المفارقة الملفتة فهي أن الذين يُجمعون على مقولة “الامة الاسلامية” (على اختلاف شعوبها وتنوعهم وتوزعهم الجغرافي)، ويشملون الشعوب والاوطان العربية ضمن هذه الرؤية، يصرون على تسميتنا، نحن العرب، “بالعالم” العربي تأكيداً على اننا لسنا وطناً واحداً أو أمة واحدة. هذا بالرغم مما يتوفر لدينا من المشترك الهائل من عوامل بناء الوطن الواحد والامة والشعب والقومية العربية (عوامل الجغرافية والتاريخ واللغة والثقافة والتواصل الثقافي والروحي والحضاري والمصالح الحيوية المشتركة بين الشعوب العربية وعوامل التكامل الاقتصادي والسوق المشتركة وإستعصاء ضمان الاستقلال والسيادة الوطنية وسبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون الترابط الوحدوي بين هذه الشعوب). على الرغم من ذلك، يصر أصحاب هذه المقولة على أننا “عالم”، أما مسلمو الكرة الارضية على مختلف مشاربهم ومنابتهم الاثنية والقومية والثقافية وحتى تنافر مصالحهم أحياناً، فهم “أمة”.

        ولعله من نافلة القول ان نكرر الحجة التي أقامها القوميون والتقدميون والاشتراكيون العرب (بمن فيهم الفلسطينيين)، والتي تقول انه اذا كانت اليهودية، كديانة، لا تشكل اساساً لقومية يهودية ولشعب يهودي (مما ينفي مقولة “الشعب اليهودي”)، وكذلك الامر مع المسيحية (والتي في حقيقتها وجوهريا عربية شرقية الاصل والنشأة)، فحري بنا ان نستخدم ونطبق المعيار ذاته في حالة الديانات الاخرى. وعليه، فان هذا المعيار نفسه ينفي مقولة “شعب يهودي” في فلسطين المحتلة أو “امة بروتستانية” في الدول الاسكندنافيةً، ومقولة “أمة إسلامية” تجمع الشعوب العربية مع مسلمي اندونيسيا أو ماليزيا أو الهند على سبيل المثال.

 

إشكالية العروبة والاسلام

 

        لسنا في صدد مناقشة الخصوصيات التي تسم العلاقة بين العروبة والاسلام بابعادها المختلفة بل ما نود ان نتناوله هنا هو مسألة العروبة والاسلام بالقدر الذي يتصل بنقد الخطاب الديني. وعلى ضوء هذا، يصبح من الملح ان نذكّر ببعض المفاهيم والتي كانت ترقى، منذ زمن غير بعيد، الى حد المسلمات في تاريخنا الحديث، فاصبحنا اليوم بحاجة الى إعادة التذكير بها وتقديم البراهين لها. واقدم فيما يلي بعض المعطيات الاولية تفادياً للالتباس والتأويل وتوخياً للمزيد من الوضوح، آملاً أن تحظى بعناية القارئ:

 

وجوب احترام كافة العقائد الدينية سواء كانت المسيحية او الاسلامية، وعدم المساس بحرية العقائد الايمانية وممارسة الطقوس وشعائر التدين الشعبي كحق طبيعي للانسان في فضائه الذاتي والروحي وفي علاقته مع الخالق.

 

يقول تاريخنا ان العروبة تكرست كحقيقة تاريخية عبر قرون مديدة، قبل مجيء الاسلام وبعده. فقد إكتملت (العروبة) في بلادنا منذ زمن الكنعانيين ضمن توليفة اجتماعية تاريخية مستمرة وتواصل حضاري وثقافي وحياة مستديمة للعرب على مدى قرون طويلة قبل المسيحية واليهودية والاسلام.[4] ولا ينتقص هذا من حقيقة تنوع الشعوب والاثنيات في بلادنا وموجات الهجرة التي قدمت اليها وتلك التي ارتحلت عنها، بل ان هذه تزيد من زخمها. كما يغني من ثرائنا ان الديانات التوحيدية الثلاث نشأت وترعرت على ترابنا. فقد احتضن أهلنا دعوة السيد المسيح فاعتنقوا المسيحية، وقبلوا برسالة النبي العربي محمد وإعتنقوا الاسلام. هكذا عاشت العرب منذ تلك الازمنة، مسيحيين ومسلمين، لأن العروبة كانت الهوية الجامعة والشاملة لأهل الارض.

 

اذا كان صحيحاً أن الاسلام قد صقل شبه الجزيرة العربية وشملها في البيئة العربية ـ الاسلامية منذ مجيئه، فانه صحيح ايضاً، كما اشرنا، أن هذه الاوطان كانت عربية قبل الاسلام، عربية الوجود الاجتماعي والاثني واللغة والبيئة والهوية والثقافة.

 

تأكيد خصوصيات العلاقة الخاصة والوطيدة بين العروبة والاسلام والاقرار بالمشترك الكبير بينهما. إلا ان هذه العلاقة تحمل في ذاتها وتحمّلنا أيضاً الكثير من أعباء التاريخ والتراث وتتسبب في مزيد من تشويش رؤيتنا وتعقيد الصورة الماثلة امامنا. كما رأينا في تسميات “الامة الاسلامية” و”العالم العربي”ً.

 

نبت الإسلام في أرض العرب كدين وعقيدة وشريعة رافضاً الإكراه في الدين وساعياً لإحلال العدالة والمساواة بين الناس. وبهذا المعنى فان دعوة الاسلام وتعاليمه قد تشكل احدى مرجعيات ومصادر الحكم وادارة شؤون المجتمع والدولة. إلا ان هذا لا يعني ان الدين والاسلام هو المرجعية الوحيدة وأن القرآن هو دستور البلاد.

        كثيرا ما يدور في خلد المرء إن كان حقا من الضروري التذكير في كل مرة باننا نعيش اليوم اربعة عشر قرناً بعد مجيء الاسلام وفي عصر وعالم بلغت فيه مجتمعاتنا والمجتمعات البشرية على وجه العموم درجة معقدة من التطور والتنوع والتشابك والتعددية في الديانات والاثنيات والثقافات.

 

صحيح أن الاسلام هو ديانة الاغلبية الساحقة من العرب. وبهذا المعنى فانه يشكل عقيدة التدين الشعبي لهذه الاغلبية وعلى اسسه ترسي شعوبنا عقيدتها الايمانية وتؤدي شعائرها الدينية. وعليه، فالاسلام يدخل في صلب الوعي العربي ويشكل عاملاً في تكوين الثقافة والهوية الثقافية العربية، الا ان هذا يظل، ويجب ان يظل، في حدود ومحدوديات كونه ديانه، اي انه يظل محصوراً في بعده الايماني والروحي: معتقدات إيمانية تربط الفرد بالخالق والعلاقة بينهما على نحو شخصي ـ فردي ـ انساني محض. وهو الامر الذي ينطبق أيضاً على كافة الديانات الاخرى. إلا ان ما يميز الاسلام، هو انه قد جاء، إضافة الى كونه ديانة، كقوة سياسية فكان النبي العربي زعيماً سياسياً وقائداً روحياً ومشرّعاً في الوقت نفسه. وقد ظل هذا النموذج لاصقا بالوعي العربي الثقافي ولا ينفصل عنه حتى يومنا هذا.

 

في حين يشكل الاسلام، من حيث كونه حاضنة ثقافية وحضارية، بوتقة ثقافية تطورت فيها وفي سياقها الشعوب العربية إلا ان هذا لا يعني اننا نسعى ونناضل من اجل إقامة دولة او امارة إسلامية ولا ينم عن نيتنا في احياء الخلافة الاسلامية، ولا ان نجعل الشريعة الاسلامية قانوناً يحكم البلاد ولا ان يصبح “القرآن دستورنا” و”الاسلام هو الحل”. وبالرغم من ان نشأة الاسلام، في احد أبعاده، كانت سياسية ضمن ظروفها في تلك الآونة، الا هذا لم يعد واردا ضمن واقع وجود أثنيات متعددة تشكل كلها معا جوهر الأمة.

 

لا أحد ينكر التآخي بين الشعوب الاسلامية وأهمية ابعاده الانسانية والاممية، بل اننا نطمح الى ان يتسع هذا التآخي ليشمل كل شعوب وامم الارض. إلا ان هذا التآخي لا يشكل اساساً لامة واحدة وإلا لاصبحت البروتستانية او الكاثوليكية في اوروبا على سبيل المثال، اساساً لوحدة الشعوب التي تعتنقها في امة وقومية واحدة.

 

أما كون القرآن الكريم قد جاء بالعربية، فعلى الرغم من إحتفاظه بطابع الانزال والقداسة وإكتنازه بالعديد من العوامل الحضارية والثقافية، فان هذا لا يشكل لوحده ركيزة اساسية للامة. قد تصلح هنا معايير القرن السابع الميلادي (الاول الهجري) في سياق وبدايات الفتح الاسلامي إلا ان هذا لا يفي بمفاهيم وشروط القومية وتكوين الامة في عصرنا. فعربية القرآن هي في الحقيقة ميزة للعرب جعلت منهم مركز الإسلام، وهذا يثير التساؤل: لماذا الهجمة على الأمة العربية من مسلمين كثيرين؟ لا نقصد هنا تسويد العرب على الأمم الاخرى، ولكن لماذ يُطمس دورهم؟

        بكلمة اخرى، فان كون اللغة العربية لغة للقرآن الكريم لدى الشعوب الاسلامية غير العربية، لا يعوض عن إفتقار هذه الشعوب الى كافة العوامل المشتركة الأخرى (التاريخية والجغرافية والثقافية وعوامل العيش المشترك والمتواصل والسوق (الاقتصاد) المشترك وفوق كل شيء المصالح الحيوية المشتركة ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية والمصير الواحد).

 

ليس هناك من تناقض بين ان يكون العرب وطناً عربياً واحداً ( وهو كذلك بهويته القومية)، وأن يكون في الآن ذاته جزءاً من الحاضنة الحضارية الاسلامية والعالم الاسلامي. لقد حافظت الشعوب العربية على هذا التناغم الطبيعي والاصيل. ولكن شتان بين أن يكون الوطن العربي إمارة أو جمهورية أو دولةً إسلامية، وبين ان يكون جزءاً من الحاضنة الاسلامية والحضارة الاممية والانسانية في مداها الابعد.

 

الخطاب الديني والاستقواء بالخارج

 

        على مدى قرنين من الزمن شكل الاستهداف الغربي الاستعماري للمنطقة العربية، ولا زال، اكبر المخاطر على مصير الوطن العربي ومستقبله. هذه مقولة لا خلاف على صحتها وتؤكدها وقائع التاريخ العربي الحديث. ولكن ما اود الاشارة اليه انها مقولة أصابها الكثير من التكرار، وخاصة التكرار اللفظي الذي أدى إلى إخفاء خطورتها كما أدى إلى التصالح مع الاستعمار من حركات سياسية عربية ودينية عربية تزعم أن لا مشكلة بينها وبين اميركا مثلا! وهي حركات تقوم على عقيدة شكلية دينيا ولكنها راسمالية جوهرياً مما يوظفها لقبول المستعمِر ورفض العربي المسيحي، أليس هذا عجب العُجاب العقلي؟ أم هي المصالح التي توظف الدين لا اكثر. ومع ذلك فإن هذه المقولة لا تعني ان هذه المخططات الاستعمارية ـ عبر كافة مراحلها واشكالها (من الكولونيالية الكلاسيكية وصولاً الى الراسمالية المعولمة) وآلياتها المتعددة (الخارجية والداخلية المحلية) ـ هي الوحيدة التي تهدد مصيرنا وتبقى اوطاننا ومجتمعاتنا أسيرة التخلف والفقر والجوع وإستعصاء التنمية. فمقولة الاستهداف الغربي لبلادنا، على صحتها واولويتها، لا تنفي العوامل والاسباب الذاتية، وإن كانت هذه أيضاً مرتبطة بالتدخل الاجنبي وصنيعة للمصالح الاستعمارية، كما لا تنفي الصلة الوثيقة والمثبتة تاريخياً بين الغرب الاستعماري ومخططاته وسياساته حيال بلادنا وشعوبنا من جهة، وسياسات وأفعال الحركات السلفية الاسلامية والتي تصب في طاحونة هذا الغرب. وقد اصبح من العاجل والملح ان نلتفت الى هذه الحركات ودورها وان نتخذ كافة التدابير لمعالجتها وكبح أخطارها الكارثية على مجتمعاتنا.

        لقد حجبت الذهنية الدينية في ظلاميتها هذه الرؤية وحولت الانظار دوماً الى العدو الخارجي والتدخل الاجنبي، في حين انها، في كثير من الأحيان، لم تقم بمواجهة هذا الأجنبي بل تعاملت معه لتدمير الأوطان. فلنسأل انفسنا إذن: من الذي حمل الاحتلال الأميركي والغربي الراسمالي إلى العراق؟ ومن الذي يحكم العراق اليوم تحت العلم الأميركي؟ هل هم الأقباط؟ هل هم البعثيون؟ هل هم الناصريون؟

        لقد فاتنا في حمأة الانشغال بهذا الخارجي والاجنبي على جسامة خطورة مخططاته المعادية لشعوبنا، أمران بالغا الاهمية:

 

1) ان القوى السلفية ذاتها رغم تبجحها بتكفير الغرب المسيحي ومحاربته، هي صناعة راسمالية ـ امبريالية غربية بامتياز وانها كانت السبب والأداة للاستقواء بالخارج، إذ ان هذا الغرب الراسمالي ووكلائه من انظمة القطريات العربية العميلة والمرتبطة به، هو الذي رعى هذه الحركات ومولها ودربها ووفر لها اسباب الوجود والبقاء والانفلات الذي نشهده اليوم (تنظيم القاعدة مثالاً). لندع جانباً إدعاءات الغرب المنمقة حول الحرية والديمقراطية، ولندع جانباً أيضاً حرصة الزائف على أمننا الاجتماعي وسلامة المسيحيين العرب في مصر والعراق كما حصل خلال الاحداث الاخيرة في هذين البلدين.

 

2) فاتنا ايضاً، وهو الاهم، ان القوى والحركات السلفية بدعواتها التكفيرية اللاغية للآخر والداعية الى المزيد من العنف الذي طال العرب المسيحيين والتي لا تخفي دعوتها لإبادتهم أو ترحيلهم من أوطاننا/اوطانهم، هذه القوى انما تعمل لتحقيق أهداف الغرب الاستعماري، الذي تدّعي محاربته، في إشعال الفتنة الطائفية والزج بمجتمعاتنا بآتون الاقتتال الطائفي بغية تفكيك وحدة الوطن والتراب والمجتمع والتآخي الذي نعمنا به لقرون طويلة. ثم من قال أن الغرب سوف يستقبل ملايين المسيحيين العرب؟ ومن قال انه لن يعتبرهم عرباً؟ فالغرب لا يستقبل سوى العملاء العرب، سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين؟ ألا نرى ما يفعله الاحتلال الاميركي بالمناضل طارق عزيز، العربي المسيحي؟ ولا داع للتوسع في التذكير بموقف العرب المسيحيين اثناء حروب الفرنجة ولا بمواقفهم اليوم في الحركة القومية والشيوعية والتقدمية العربية.

 

إلا ان دجل هذه الحركات الاسلامية السلفية والمتطرفة وخطورتها لم يتوقفا عند هذا الحد، بل إنها، بالاضافة الى ذلك كانت السبب الرئيسي في:

 

1) تغييب البعد الراسمالي ـ الامبريالي في صراعنا مع الامبريالية والصهيونية والمعارك الدائرة لتنفيذ مخططات الغرب الراسمالي في الهيمنة على بلادنا ونهب مواردنا والتي تدعي هذه الاصوليات محاربته. وقد عملت على هذا التغييب بأكثر الأساليب وضاعة واكثر الحجج سفاهة حين حولت صراعنا مع الغرب الى صراع ديني و/او حضاري وهو بالضبط ما اراد الخطاب الغربي ان يلهينا به منذ عقود. وهل هناك من وسيلة اكثر نجاعة وفعالية في تشويه العدو الرئيسي والحقيقي وتغبيش الرؤية وتخريب الوعي الشعبي ـ الوطني والقومي؟

 

2) كما انها عملت باستمرار وعلى مدى ما يقارب قرناً من الزمن على معاداة العروبة ومحاربة القومية العربية.

 

السلفية الاسلامية والعروبة

 

        كانت القومية العربية منذ نشأتها، وما زالت، علمانية وتقدمية بعيدة عن النزعات الشوفينية التمييزية ووضعت نفسها ومقدراتها منذ ظهورها في العقود الاخيرة من القرن التاسع عشر في خدمة مصالح الطبقات الشعبية العريضة، كما كانت على الدوام جامعة وشاملة لكافة الاديان والثقافات والاثنيات في الوطن العربي، وهو ما اكدت عليه برامج وتجارب الاحزاب والانظمة القومية العربية الرئيسية (البعث، وحركة القومينن العرب والناصرية) دون الحاجة الى الاستفاضة وبغض النظر عما إعترى تلك التجارب من اخطاء واخفاقات وهزائم.

        أما الذهنية السلفية الاسلامية فلم تنفك منذ انهيار الخلافة العثمانية، وبايعاز وتلقين متواصل ومكثف من ايديولوجياتها وحركاتها واحزابها ومنظماتها، تعمل على استعادة الخلافة الاسلامية واقامة دولة الشريعة الاسلامية في سعي محموم لمعاداة القومية العربية العلمانية والجامعة لكافة مكونات المجتمع مما أدى الى خلق وتدعيم وإشاعة مقولات “القومية الدينية” كبديل للقومية العربية وأسس لحركات سياسية واجتماعية تعادي الوحدة العربية وتعمل بلا كلل على عرقلة جهودها ولم تتواني في هذا عن التحالف مع اعداء هذه الامة: الراسمالية والامبريالة والصهيونية.

        منذ تلك الآونة، وعلى مدى القرن العشرين ومن خلال العديد من تلوناتها، ظلت “القومية الدينية” التي تطالب بدولة ثيولوجية اسلامية معادية للقومية العربية ومناوئة لها ولمساعيها نحو تحقيق الوحدة العربية والنهوض بتنمية الوطن العربي، فتحالفت مع القوى المعادية، الخارجية والمحلية، من اجل الإبقاء على التجزئة والمزيد من تفكيك أشلاء الوطن.

 

كلمة أخيرة

 

        حاولت في هذا المقال تبيان مخاطر الخطاب الديني، والسلفي منه خاصة، والتأكيد على ان لهذا الخطاب مساره وسياقه وزخمه الذي تنامى على مدى عقود طويلة في بلادنا قبل ان نرى تأثيراته المدمرة الماثلة امامنا. وعليه، لن تتسنى لنا مناهضة المشروع الامبريالي ـ الصهيوني في بلادنا بتكرار الخطاب المعادي للغرب واطلاق الشعارات الساخنة ضد الامبريالية والاستعمار و… و…. دون المعالجة المباشرة والصريحة للأدوات المحلية لهذا المشروع: انظمة القطريات العربية العميلة والمؤسسة الدينية وخطابها الديني السلفي المتحالفة مع هذه الانظمة في خدمة اهداف المشروع الامبريالي الغربي.

 

هذا يطرح سؤال ما العمل؟ وما هي المهام الملحة؟

 

        لن نستطيع ان نسير قدما اذا لم نفصل الدين عن الدولة، والدين عن السلطة وشؤؤن الحكم، ودون ان نقلّم التوظيفات الاجتماعية والسياسية للدين والمؤسسة الدينية على مختلف المستويات. بكلمات اخرى، لا بد من القضاء على هيمنة الخطاب الديني وآليات المؤسسة الدينية في تخريب وعي الناس وتشوية ذاكرتهم الوطنية والقومية وحقن الشارع الشعبي وتطويعه كالقطيع في خدمة غاياتها السياسية والاجتماعية. بهذه الطريقة ننزع من المؤسسة الدينية، والمشروع السلفي برمته، القدرة على خدمة الطبقة المهيمنة/الحاكمة ومصالحها والمتحالفة مع الغرب الراسمالي ـ الامبريالي ـ الصهيوني. ولن يتأتى هذا دون تفكيك الخطاب الديني السلفي وخلق العقل العلماني العلمي والوعي الوطني ـ القومي والاممي.

        يتطلب هذا المسعى تطوير مفاهيمنا وادوات نضالنا المنبثقة عن واقعنا الاجتماعي ـ الاقتصادي في سياقة التاريخي الطبيعي، ولا نقصد هنا الدعوة الى محاكاة العلمانية الغربية واساليبها وطرائقها التي جاءت في سياق تطور المجتمعات الاوروبية حيث ما زالت المؤسسة الدينية، رغم خطابها العلماني المعلن، موظفة في خدمة الطبقة الحاكمة في الغرب وسياساتها الامبريالية. ولعل الولايات المتحدة المثال الاكثر فجوراً وسفاحةً ووحشيةً. فمحاكاة العلمانية الغربية لن تقدم لنا في نهاية المطاف سوى اللحاق بالمشاريع الغربية المعادية لمصالح شعوبنا، ولن تنتج سوى الخروج عن سياق التطور الطبيعي لمجتمعاتنا والسقوط في براثن الهويات الزائفة والقاتلة. ولن تعود علينا سوى بانتاج المزيد من المفاهيم والايديولوجيات السلفية، والمزيد من التخلف والفقر والجوع وتمزيق مكوناتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية وتفكيك اوطاننا وإشعال نيران الاقتتال الداخلي والاحتراب الطائفي.

 

تلك هي المهمة العاجلة والملحة والجديرة بكل جهودنا وتضحياتنا.

 


[1] نلحظ هنا ام لمفردة “امة” في السياق الديني والتاريخي الاسلامي، وخاصة لدى الشعوب العربية، دلالات متعددة ذات تأثيرات بالغة. فان أحدا لا يستطيع ان ينكر او يقلل من وقع هذه المفردة على الوعي الشعبي العربي، ومن هنا نرى خطورة استدخالها كرديف او بديل للامة بالمعني القومي للكلمة. وكثيراً ما تأتي مفردة “امة” في خطابنا السياسي والديني والاجتماعي دون أي تحديد لماهية هذه الامة وما هو المقصود بها فعلاً: هل المقصود الامة الاسلامية ام الامة العربية. وفي هذا درجة كبيرة من التموية والغبش.

 

[2] والتي تؤكد كل الادبيات الصهيونية انها شكلت دوماً استراتيجية متكاملة مرسومة المعالم والمخططات منذ بدايات الفكرة الصهيونية، ولم تتوقف منذ عقود، ولن تتوقف عند الاقصى الشريف او غيره من الاماكن المقدسة في فلسطين ولن تدخر شبرا واحدا من تراب الوطن.

 

[3] نذكر على سبيل المثال ان الخطاب الاسلامي لا يفتأ يذكرنا دوماً بان الشهيد عز الدين القسّام بطل ثورة 1936 في فلسطين كان شيخاً، ألا انه نادراً ما يتم الالتفات الى ان هذا الشيخ الجليل كان سورياً آمن بوحدة بلاد الشام فزحف الى جنوب بلاده (فلسطين) ليخوض النضال ضد الاحتلال البريطاني والغزوة الصهيونية. فهل من عجب بعد ذلك أن قلة من الجيل الناشئ تعرف هذه الحقائق؟

 

 

[4] يذكر الاستاذ عيسى نخلة صاحب “موسوعة القضية الفلسطينية” بالانكليزية The Encyclopedia of the Palestine Problem ان الكنعانيين عاشوا في بلادنا وحكموها عبر ما لا يقل عن 31 مملكة منذ عام 7000 ق.م. الى ما يقارب عام 1000 ق. م.، وان ديانات الكنعانيين الوثنية بقيت في فلسطين تحديداً الى القرن الرابع ميلادي حين تحول الكنعانيون الى المسيحية. انظر

Issa Nakhleh, True History of the Land of Canaan, Morning Star Press, New York, 1989, p. 87.