لو كان لصوتي الغناء فلن أغني للعساكر

 

 

 

لو كان لصوتي الغناء فلن أغني للعساكر

مقالة في الحزن القلِق

بادية ربيع

        من أنتََ ومن أنتِِ يا نفسُ لا يليق بك الغناء، ولا تحسنين الفرح! بلى، تشربِتِ حزن العصور فما من فرحْ!؟ كل المدائن ميادين عرس. فهل ضاقت عليكِ…؟ أجل! وحدي توشحت بالحزن، ِ تثاقلت منِّيَ الساقين فما صعدت إلى الفرح. آهِ ايتها اللحظة، وحدي من أقعده الحزن العميم، حزن الثوريين وهم يُطلقون الروح ويحبسون الجسد ليبقى الجميع. آهٍ كم يرهبني أن يرقص الناس في عين الردى التي لا تكل ولا تمل ولا تنام.

        هي الثورة في مصر، وليداً كقطر الندى، بينما الغاب يطفح بآكلات اللحوم ولم تتخلَّع منها الأظافر أو شهوة القتل والنهب والاغتيال. من آتي بالتفاؤل؟ الكل في الميدان يرقص يهتف. لا يا رفيقي، أنا ما ذهبت إلى هناك مهما رُميت بكل الغِناء وكل النشيد. فخوفي كبير.

        ما كان خوفي على قلبي الذبيح، بل كان خوفي عليك يا سيدي يا مصر! كم أكره الجندَ وأعشق حرب الغُوار. هي الدبابة تعني ليَ القدر اللئيم، بطيئة كما التاريخ لكنها تطفح بالدم واالقتل وبيع البلاد لأجل النقود وفرض القيود، واغتيال الحب والياسمين وحصد الشباب الذي لا يكلُّ ولكنه لم يدر بعد بأن اللصوص بين الثياب وتحت الجلود.

        ما أجمل الفتية يقفزون على ظهرها وهي تمشي ببطء لئيم. حرام تُوشّح بالورد والياسمين.

        حسرة على تضحياتكم يقتلني الحزن ويزرع فيَّ القلق الأبيد. وتسألني: لِمَ الحزنُ؟ وأنت تبصر أن البنفسج يرقص في جفن الردى!

وقفتَ وما في الموت شك لواقفٍ…كأنك في جفن الردى وهو نائمُ (ابو الطيب)

سيدي ابا الطيب، هذا الردى لا ينام.

        أكاد أفهم حزني، لأن الخيانة أعمق مما اقتُلع؟ أموت مراراً حين يُقال انتصرنا، وهم يُمسكون السلاح ويُمسكون القرار فلم يسقط الطاغية. ولا غادر الموساد ارض الكنانة.

بلى، يثور الياسمين. ولكن، هو الويل إن لم تبرعم أغصانه الوعي والخبث والبندقية.

        سيدي التاريخ أعنِّي! بأي اتجاه تسير السفينة! أنا، ما فرحتُ، ولا تساميت حتى أزيد بكاء لعمق الفرح. علِّمني بحق أمك كيف أذوق الفرح وهذي الذئاب تلوك لحوم الوطن. وذاك العقيد وذاك العميد يحيي الرئيس الخليع وباليد الأخرى يحيي الشهيد! وهل تليق التحية باللص والقاتل حين تثور الشعوب وتحيا الأمم! أم أن هذي اصول التآمر، علوم الخيانة، حتى تنام نواطير مصر ويرجع كعب لفني ومكياج هيلاري يدنِّس وجه الكنانة!

        إلى الميدان أنتم، ولست بآتٍ إليكم، أطل من الشُرفة المحزونة خوفا عليكم، وأحرس هذا التراب كجندي عتيق لم يغادر حين انهزمتم وحين انتصرتم وحين فرحتم، فما من أمور تؤكَّد حتى ينام.

هو الخوف أو الجبن؟ كلا، هو الكشف الصوفي الذي لا يموت ولا يجوع، هو التناسخ منذ أبي ذرٍّ إلى القرمطي إلى جول جمال إلى جهيمان.

        هذه رؤيتي، هل تُماروني على ما رأيت؟؟؟ أرى ثورة الياسمين وقد أحاطت بها ذئاب اللصوص، أعضاء الكنيست باسماء يعرب، من قصر موزة القطري، من قناة الجزيرة.

        لا تحتفلوا جميعاً بل احترسوا جميعاً، أخاف من مواقد النار في الهند وكل الأهازيج التي في بطنها تُحرق النسوة، أخاف منها هنا! موجعة فرقعات الحطب الغضِّ يتشوى على النار، فلا تكونوه.

        أبكي، لا أُخفِ حبِّي للبكاء الموشح بالليل، بل سأقضي الليل ابكي، فسواد الليل ضوء القلوب المتعبة. ولماذا لا يتعب القلب الذبيح على مدار العصور؟

        لم يعتدل حنظلة في وقفته. غنَّيت عمراً للبطولة وشددت من هِمم النساء وعشقت حتى مال قلبي وتفتت بين حب لا يُعدُّ، وعرفت بطون الكتب وكل تفاسير أحلام البشر، لكن مفاتيح هذي اللحظة ليست في يدَيَّ.

        سيدتي، ما زلت ممن يفرحون بالحزن، هذا اختزان القلب، هذي التجارب التي كلما ربَّت بنفسجة للحظةٍ خِينت من النبفسج عمراً، فهل اطمئن لجِلد الجنود!! لا عاش قلبي ولا عاش عمري! ليس هذا زمان الهدوء، هذا زمان الرفض بعد الاشتباك. ارقصوا واقفزوللعُلى، سأبقى حارساً متعباً مع زناد الحراسة يبكي لتروي دموع البكاء الرصاص فيقوى.

        لستتُ بعدُ سعيداً، انا الذي لم أكذب الناس، فلا اقل من أن أصدُق نفسي. حدَّقوا فالمذبحة لم تنتهي. سأبقى اقارع أقارع كل الوحوش برمشي، تماماً كتلك القليلة التي قاومت دون نومٍ طوال العصورِ، لا لم تنخُّ ما هزها الضعف لا داخلها الكفر ولا زايلتها العزيمة، سأبقى شديد القلق.