مصر: هل تُواصل إلى الثورتين

 

مصر: هل تُواصل إلى الثورتين الثانية والثالثة

الانسداد: طبقات بلا أحزاب!

عادل سمارة

 

الولايات المتحدة في مصر بحضور عميق وثقيل، بل وتتمترس عبر تحالفات طبقية هي جزء من الاصطفاف الطبقي في البلد، هذا الاصطفاف الذي يمكن تلخيصه في ثلاثة معسكرات طبقية:

 

الأول: الطبقة الراسمالية الكمبرادورية والطفيلية والمالية وهي المتحالفة مع راس المال والمؤسسات المالية الدولية. هي التي تورثت التجارة الخارجية وشركات القطاع العام وتملكت البورصة والمصارف. وهي نفسها قمة النظام الاقتصادي في مصر. وبخلع مبارك لم تُخلع هذه الطبقة فهي ما تزال في الحكم  سواء عبر قيادة الجيش أو الوزارة. وحتى الآن، فإن الثورة وإن حققت “تخلي” الرئيس الذي كان راس النهب وتمكين راس المال الطفيلي من البلد فإنها حتى لو خلعت النخبة السياسية والعسكرية المتحكمة، فإن أمامها ما هو أكثر اي استعادة أموال الشعب وهذا يتطلب حركة سياسية اجتماعية بمضمون اشتراكي وبُعد قومي يقاوم التدخل والإرهاب الراسمالي الغربي، وهي حركة غائبة. إذن لم يتغير النظام الحاكم/المالِك.

 

والثاني: معسكر الطبقة الوسطى وهي التي مثلت قوة الدفع في الثورة الحالية. هذه الطبقة وإن كانت أوسع من البرجوازية الصغيرة في المفهوم والدور والعدد، إلا أنها ورغم ما أنجزته، فإنها تشكل بنفس القدر خطراً على الثورة نفسها. فهذه الطبقة تمثل حالة وسطية رخوة في التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الراسمالية بمعنى أنها لا تمثل نمط الإنتاج الرأسمالي  المهيمن أو المسيطر. فهذا النمط يحمل على أكتافة طبقتين:

·        البرجوازية

·        والطبقة العاملة وإن صح الطبقات الشعبية.

 

لذا، فإن هذه الطبقة تتأرجح ما بين الطبقتين القطبين في التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الرأسماالية فهي مرتبطة بالطبقة الحاكمة من حيث الوظائف، ومرتبطة بالقطار الراسمالي لهذه الطبقة من حيث شغل شرائحها الخدماتية والإنتاجية متوسطة الحجم. وهي الطبقة التي تحتوي على القطاع العريض من المتعلمين غير المشتغلين والذين يشعرون أن لهم حق العمل. وهذا ما أنتج فريق أل فيس بوك والتويتر.

لقد شعر هؤلاء من خلال الشبكة العنكبوتية بطعم حرية الاتصال والتواصل من خلال ذلك الفضاء العريض، وهو ما قادهم إلى ربط هذه الحرية بالحرية الأخرى الممنوعة أي حرية العمل وتحصيل الدخل وحرية التعبير…الخ. وهذا ما حفزهم على التجارب الأولية التي قاموا بها وبأشكال بسيطة منذ خمس سنوات إلى أن تفاقمت في الثورة الحالية.

 

قد تكون مشكلة هذه الطبقة في أن بعدها عن الدور الرئيسي في العملية الإنتاجية، وتراكمها في قطاع الخدمات، هي المشكلة التي أخلت شعاراتها ومطالبها من المضمون السياسي الطبقي للثورة، اي خلو شعارات الثورة من المطالبة بالديمقراطية الاقتصادية، وانحصار مطالبها في رحيل الرئيس والنظام دون توضيح أو اكتشاف ما يجب أن يترتب على ذلك. وعليه، فإن المطالبة برحيل النظام كنخبة سياسية لا يعني بالضرورة المواجهة مع راس المال فمختلف الأنظمة الحاكمة و “المستقرة” في الغرب الراسمالي ديمقراطية!!. بكلمة أخرى، فإن التحالف الحاكم/المالك في مصر هو العدو الحقيقي للطبقات الأخرى جميعاً.

 

والثالثة: وهي الطبقات الشعبية، وخاصة العمال والفلاحين التي استُغلت وقُمعت من النظام وشاركت، تقريباً حتى الان، في الثورة من خلال الطبقة الوسطى ومطالب هذه الطبقة اي إسقاط القمة السياسية للنظام وإحلال الديمقراطية، وهي خطى وسيطة لا يمكن نكران أهميتها ولكن الانحصار عندها يشكل دليلاً على قطع الثورة من منتصفها وتحويلها إلى حالة مشوهة تتشبه بالديمقراطية “السياسية” في المركز الراسمالي الغربي  ولكن في مجتمع بينه وبين تحقيق ما وصل إليه الغرب مسافة شاسعة. فالمجتمع المصري، وكذلك بقية المجتمع العربي يفتقر إلى دور اساسي للقاعدة الإنتاجية، والسيادة على موارد البلد، ويفتقر للإنتاج وبالتالي الأمن الغذائي، وينتج محاصيل موجهة للتصدير على حساب ضرورة إنتاج الحاجات الأساسية للبلد، ويتم تهريب الفوائض بشكل منتظم إلى الغرب، وتحكمه سياسات غير تنموية ويجهد لإغراء الاستثمار الأجنبي المباشر ليستغل قوة عمل وموارد البلد ويجرِّفها إلى الخارج. هذا دون أن نتحدث عن الاختلاف في الثقافة.

 

قد تُرضي هذه الديمقراطية الشكلية الطبقة الوسطى، وإن كانت ستكتشف لاحقا أنها لم تحقق لها التشغيل، فإنها تستثني الطبقات الشعبية وتُبقيها تحت طائلة الاستغلال والتهميش والفقر.

 

ومن اللافت أن المجلس العسكري الحاكم الآن والنخبة الحاكمة القديمة يتحسسون بشكل كبير من اي تحرك في القطاعات العمالية التي كانت السباقة إلى الاحتجاجات والإضرابات طوال السنوات الماضية، وهذه الحساسية هي التي يمكن استنتاجها من حديث  الجيش عن الانضباط واستعادة الاقتصاد لعافيته…الخ وهي ليست سوى الحفاظ على مصالح راس المال.

 

وعليه، فإن من أهم ما يجب التوصل إليه هو تواصل الثورة والمطالبة بالحقوق الاقتصادية والقومية والاجتماعية. وقد يكون الحد الأدنى اقتصادياً هو استعادة شركات القطاع  العام، وتجريد ناهبي الأرض التي أُممت ثم تم احتلالها ثانية، تجريد هؤلاء مما أخذوه بالتقشيط، وإلغاء خصخصة الشركات، وتمثيل الطبقات الشعبية في مجلس الشعب…الخ. ومن الناحية السيادية القومية إلغاء معاهدة كامب ديفيد، والإصرار على استعادة السيادة على سيناء.

 

لا يمكن قراءة الثورة الحالية بمعزل عن المقدمات المادية لها وخاصة الإضرابات التي قامت بها الطبقة العاملة. ففي عام 2009 وحده حصلت 487 إضراباً وفقد 126 ألف عامل عملهم. ومرة ثانية، إن ما يخيف القيادة العسكرية والمدنية اليوم هو بدء التحركات العمالية التي يمكن أن تشكل الثورة الثانية، وهي التحركات التي يواجهها المجلس العسكري بالحديث عن الانضباط وحماية الاقتصاد والدور الحيوي للصناعة… الخ. وكل هذا في الحقيقة ليس سوى الحرص على مصالح راس المال.

 

إن الاتصالات بين القيادة الحالية وأنظمة الولايات المتحدة وبريطانيا لمساعدة مصر اقتصادياً إنما تدور في فلك التبعية واستجداء مساعدات من بلدان تتربع على المنهوبات من الثروة المصرية. إن الطلب الحقيقي هو استرجاع الثروات المنهوبة من مصارف هذه الدول. إن الخداع الذي تبديه الأنظمة الغربية بشأن البحث والتحفظ على حسابات بعض رموز النظام السابق إنما هي أكاذيب باسم قوانين المصارف التي هي الأكثر إتقاناً للكذب. فلم يكن لهذه المصارف أن تستقبل هذه الأموال المسروقة والمغسولة لو كانت تطبق الحدود الدنيا حتى من القوانين التي تزعم التقيد بها.

 

لعل تجلي الانسداد السياسي في اي مجتمع هو في وجود طبقات بلا تبلور سياسي، طبقات بدون أحزاب تمثلها، وهو ما يجعلها بلا تمثيل، او يجعل تمثيلها نهباً لطبقات أخرى. إن الطبقات الشعبية هي الأكثر افتقاراً لممثلها. ولا شك أن هذا الانسداد ناجم عن القمع الرهيب الذي عاشته الأحزاب السياسية في مصر، هذا ناهيك عن احتلال النظام للنقابات العمالية وحرمان مصر من حركتها العمالية. وإذا كان للطبقة الحاكمة/ المالكة حزبها الحاكم، والذي لم يُقتلع بعد، وللطبقة الوسطى شبه قيادة من قطاع الشباب، وهي قيادة لا شك أنها انجزت الثورة الأولى، ولكن بينها لا شك ايضا فرقاً من الأنجزة والأمركة (أولاد هيلاري) والتي ليس من بين اهتماماتها لا السيادة ولا الديمقراطية الاقتصادية، ولا رفض كامب ديفيد ولا اقتلاع الاحتلال الأميركي الاقتصادي لمصر، فإن الطبقات الشعبية هي الأقل تمثيلاً إن لم نقل أن تمثيلها معدوما! وهذا ما يمكن أن تنجزه الثورة الثانية.

 

إن الثورة الثانية هي المدخل والشرط الضروري للثورة الثالثة اي اقتلاع السيطرة الأميركية والغربية عامة على مصر، وإلغاء اتفاق كامب ديفيد وعودة مصر إلى دورها العروبي، وهذه جميعا التي تشكل المقدمات لمصر الاشتراكية.

15-2-2011