بلاغة الثورة المصرية !

بلاغة الثورة المصرية !

جمال محمد تقي

 

يقول الكاتب المصري علاء الاسواني ، في كتابه لماذا لا يثور المصريون ؟ ان في مصر اوضاع تكفي لقيام عشرة ثورات . ويقول الكاتب البريطاني جون برادلي ، في كتابه مصر على حافة الثورة ، ان اغلب احزاب المعارضة في مصر متواطئة مع النظام الحاكم في تخبطه وبلا اهداف مدنية حقيقية مما مهد الطريق امام الطغيان الشامل للطفيلية السياسية المتربعة على ثلاثية ، الفساد والقمع والفقر ، على الدولة والمجتمع .

          اما محمد حسنين هيكل فقد وصف الحالة المصرية ماقبل ثورة 25 يانير ، بانها تعاني من جفاف سياسي تحتم عملية البحث الاجباري عن حلول لا تجدها الا بتغيير النظام القائم ، وشبهه بحوض سباحة خالي من الماء ، وعاد هيكل فوصف حركة الاحتجاجات الاخيرة التي فجرها الشباب قائلا أن الشعب المصري خلال هذا الاسبوع ” يقصد 25 ـ 31 يانير 2011  ” اكمل عبوره الى العصر العالمي الجديد للشعوب الحية والحرة والقادرة على الامساك بمصائرها ، لا تتركه للقياصرة او السلاطين او الطغاة ، وبهذا فان ثورة الشباب تكون على وشك استكمال مسيرة طويلة للشعب المصري وتتويجها .

          قال احد قادة الشباب المعتصمين في ميدان التحرير وسط القاهرة : ان وقوفنا في منتصف الطريق هو انتحار مجاني ، فنصف ثورة يعني ان هناك نصف اخر للردة والانتقام من قبل النظام الجريح الذي استهدفته تلك الثورة .

          على ضوء ماتقدم ، فان الثورة الشعبية في مصر كانت حتمية مؤجلة ،  تبحث عن لحظة الانفجار الكلي، تبحث من تحت السطح عن مخرج يلائم ما تعج به من طوفان ، خرجت الثورة من قمقمها وهي تنشد الاستمرار حتى تحقيق كامل اهدافها ، حتى لا يفرغ شحناتها المتضررون منها بواسطة الاحتواء ، لقد نبتت الثورة على سطح الصراع كعنصر حيوي يفرض نفسه ويفرض دعوته غير القابلة للالغاء ، فهي استجابة موضوعية وذاتية لتحدي الواقع .

          ما حصل في مصر ثورة لها خصائص نوعية افرزها معمعان مرير دفع بالاكثرية الساحقة الى عتبة الانسحاق ، فمسار حركة احتجاجات 25 يناير يؤكد هذه النتيجة ، احتجاجات سلمية اشعلها في البداية شباب هواة يتطلعون للتغيير ، ومن ثم تلقفتها وصلبت عودها القوى المتمرسة كالاخوان والاحزاب الاخرى ، واخيرا مطاولتها كحركة سلمية صمدت امام القمع البوليسي المفرط والعلني الذي استفز الراي العام الداخلي والخارجي والذي ادى لسقوط مئات القتلى والاف الجرحى ، هذا الصمود وما تلاه من عناد على الاستمرار بعد ان كسر حاجز الخوف لدى المحتجين المتزايدين ، ادى لدخول عامل حاسم واخير تزامن مع تقديم النظام لتنازلات غير متوقعة بدافع كسب الوقت بسبب هزيمة جهازه القمعي ، انه عامل الاضرابات العمالية والمهنية التي اخذت تتبلور باتجاه عصيان مدني يتجاوز حالة الاحتجاجات التي ابتدأت بها الثورة ، وفعلا شل النظام ورضخ راسه لمقصلة الرحيل .

          كان لاصرار الثوار على هدفهم المعلن والذي يحتوي كل الاهداف الاخرى ـ رحيل الرئيس ـ دور اساسي في اجهاض كل المحاولات الالتفافية والاحتوائية التي قام بها النظام المصري ورأسه المهدد بالسقوط ،  فحالة العناد والمماطلة والاجترار التي راوغ بها النظام من خلال تلويحه بحلول اصلاحية فات اوانها لم تثني معشر الثوار المتشبثين بسلمية ثورتهم وعدالة مطالبها ومنطقيتها عن المواصلة حتى تحقيق الهدف ، وكانت المراهنة على حياد الجيش كحد ادنى ومن ثم مطالبته بالحياد الايجابي كحد اقصى ميدانيا في محلها حيث دفعت بزخم الاحتجاجات الى اقصائها وبحماية الجيش نفسه ، وكذا الحال بالنسبة للتكتيكات الصائبة لرواد حركة الاحتجاج ومنذ انطلاقتها الاولى حتى يوم 11 فبراير يوم الانتصار ، كاختيار بؤرة مؤثرة لمركز الاعتصام والاحتجاج ، وبالتنسيق مع المحتجين في الاطراف والمحافظات ، مع اعتماد نهج النفس الطويل الذي يعاشق ما بين الموروث وتقنيات الحداثة في جزئياته ، فمن صلاة جمعة الغضب الى صلاة جمعة الرحيل حتى صلاة جمعة الزحف ، والتي رفضت التشرنق داخل ميدان التحرير وانطلقت الى حيث المراكز السيادية ـ مباني مجلسي الشعب والشورى والاذاعة والتلفزيون ، ومن ثم وبالتنسيق مع ثوار الاسكندرية بالزحف الى القصور الرئاسية ، وبالتماهي مع نسق  التموضع والتموقع في حركات الاعتصام والاحتجاج والاضراب الحاصل في معظم مدن وارياف مصر الاخرى .

لقد نجحت الثورة بعد ان كسبت الاغلبية الشعبية المؤثرة الى معسكرها وبعد ان نجحت باقناع الجيش بانها غير مستعدة للمساومة وبعد ان اعطت دليلا ميدانيا على مشروعيتها من خلال برهنتها ميدانيا ايضا على فساد وخيانة وهزيمة رموز النظام والاجهزة الامنية وتحديدا زمرة حبيب العدلي وزير الداخلية و قادة حزب السلطة البارزين .

          ثورة الشعب المصري اوكلت مهمة تنفيذ اجندتها الانتقالية وبشكل مؤقت الى اكثر مؤسسات الدولة المصرية تماسكا وثقة وقربا من الشعب “الجيش المصري” وهي متأبطة للاستمرار كمشارك ميداني ورقيب شرعي ، بتكتيك المتابعة الشعبية الاسبوعية من خلال التجمهر الشعبي بميدان التحرير كل يوم جمعة للاحتفال بنجاح الثورة والتداول بشأن مايستجد بشأن تنفيذ اهدافها المحددة ، مع الاستفادة من بلاغة الدرس الذي اعطته لجميع الاطراف بما فيه الجيش نفسه ، والقائل بان الشعب وحده صاحب الشرعية الاولى والاخيرة وليست هناك شرعية تمنعه من استئناف الثورة مجددا في حالة حرف مسارها اثناء الفترة الانتقالية او بعدها ، فمهمة الجيش هي مهمة محددة ، يمهد فيها الطريق للانتقال السلمي للسلطة من سلطة فاقدة للشرعية الى سلطة بشرعية دستورية ديمقراطية حقيقية ، ويلاحظ هنا تبادل واضح للادوار ففي ثورة 23 يوليو 1952 قام الجيش بانقلاب ايده الشعب ومن ثم احدث الانقلاب تغييرا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا عميقا في الكيان المصري اكسبته صفة الثورة ، اما ثورة 25 يناير فهي حركة احتجاجية قام بها الشعب وايدها الجيش ، وعليها تم اعتماد عقد عرفي بموجبه سيتولى الجيش مهمة التمهيد لفترة الانتقال للنظام المدني الدستوري الديمقراطي ، وسيكون فيها الجميع بحالة تفاعل ايجابي لتحقيق الاهداف المحددة والتي ستنقلها فعليا لمصاف الثورة كاملة المسار، حيث يصعب الانحراف عنه ، كما حصل مع مسار ثورة 23 يوليو .

          ان بلاغة ثورة 25 يناير ستغري كل شعوبنا العربية المقهورة لوضع حد لمآسيها المزمنة والتي لا حل لها الا بالثورة الشعبية الداعية لحياة ديمقراطية حقيقية في مجتمعات مدنية اساسها معيار المواطنة المتساوية بالحقوق والواجبات ، وبجوهر لا يحيد عن مبدأ العدالة الاجتماعية .