بين الطائفية والوطنية تيار صدري!

بين الطائفية والوطنية تيار صدري!

جمال محمد تقي

 

        لم تكن مواقف القوى المنخرطة فيما يسمى بحكومة الشراكة الوطنية، بالغريبة او المفاجئة، ازاء حركة الاحتجاجات الشعبية غير المسبوقة من حيث كثافتها وشموليتها واستمرارها على اوسع نطاق وفي اغلب مدن العراق شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، فبعضها حاول ركوب الموجة واستثمار ما يحصل في سبيل اعادة النظر بحصته من كعكة تسويات التشكيل الحكومي الجديد، كما في حالة ممثلي القائمة العراقية بقيادة اياد علاوي وممثلي جماعة عمار الحكيم، وبعضها كالعادة راح يهاجم المحتجين بفزاعة البعثيين والصداميين والتكفيريين التي كثر استهلاكها حد الابتذال كما في قائمة دولة القانون بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي، ولاول مرة نجد هناك قلبا وقالبا من التطابق بين طروحات ومواقف وممارسات كتلة نوري المالكي والكتلة الكردستانية وخاصة بصدد المواجهة القمعية للمحتجين المطالبين بتغييرات جذرية للواقع الفاسد الذي يعيشه العراق سياسيا واقتصاديا وثقافيا وخدميا، وهنا لا يخفى على احد المصلحة المشتركة بين نوري المالكي واتباعه وبين البرزاني والطالباني وجماعتيهما في تبادل الدعم السياسي والاعلامي وحتى المخابراتي لتكميم افواه المعارضين والمتظاهرين، فالمحتجين في السليمانية واربيل يفضحون البرزاني والطالباني مثلما يفضح محتجو بغداد والبصرة والكوت وغيرها من مدن العراق المالكي وحزبه ومعهم كل امراء العملية السياسية الفاسدة.

        البعض الاخر راح يراوح بمواقفه مابين البينين كما في حالة جماعة كتلة الاحرار التابعة للتيار الصدري فهؤلاء تحديدا يقدمون انفسهم على انهم يمثلون تطلعات الاغلبية المسحوقة من سكان المدن وحواشيها وتحديدا بغداد ومدن الجنوب، اي تلك المدن التي تغلي شررا بوجه استهتار الحكومة وممثليها، بسبب معاناتها ونفاذ صبرها، كالعمارة والديوانية والبصرة وكربلاء والكوت وبغداد بجناحيها الطافحين مدينة الصدر ومدينة الشعلة.

        عندما انطلقت شرارة حركة الاحتجاج الاخيرة، حاول التيار الصدري لعب الدور التقليدي له، والذي كان يترجم بمظاهرات حاشدة يسيرها التيار ويتحدى فيها الاخرين من المنافسين، وبشعارات تدغدغ مشاعر الاغلبية المتظاهرة، مثل شعار كلا كلا للمحتل، واخوان سنة وشيعة هذا الوطن ما نبيعة، سواها ظلمة المالكي لا كهربة او لا ماي، لا بطاقة ولا دواء وين صارت الكهرباء، الله واكبر يا علي كلهم حرامية.. ويبدو انها كانت تنفيس تعبوي للمريدين والانصار خاصة في مواسم ابراز العضلات الطائفية او السياسية، كما لا يخلو الامر من تحريك مرجعي يتناغم مع اهواء الحائري الذي لا يمانع من تغميس خبزة الصدر بغموس قاسم سليماني مسؤول فيلق القدس الايراني، فعندما ننظر الى مواقف التيار من المالكي قبل الانتخابات الاخيرة وقبل التشكيل الجديد للحكومة فاننا سنجد اصرار قاطع على رفض التحالف معه، حتى اننا نجد تحريض باتجاه اجباره على التنحي، وبهذا الخصوص كان التيارالصدري يسرد خطايا ومثالب المالكي وكارثية فترة حكمه ليس على الصدريين فقط وانما على كل العراقيين، ومنها استشراس الفساد والاستبداد، والاعتقالات الكيفية والكيدية، ومصادرة حقوق المواطنين، والنقص الحاد في الخدمات، وعدم نزاهة الجهاز الحكومي، والتدخل الامريكي بادق تفاصيل الشأن العراقي، وكان يلاحظ وقتها تشدد في تصريحات ومقابلات الاخوين حازم الاعرجي وبهاء الاعرجي، حيث لم يفوتا فرصة الا واستغلاها للتنكيل بالاوضاع القائمة في ظل حكومة المالكي لا سيما وان الفتى القائد كان في خلوة دراسية داخل حوزة قم، وبعد عودة الفتى الظال انقلب الحال، حيث اصطفت الكتلة الصدرية بحلف طائفي جديد عرابه هو نفسه عراب الحلف الطائفي الاول الذي جاء بالجعفري لرئاسة الوزراء ” احمد الجلبي ” لينتهي الامر باعادة تجديد ولاية المالكي وبدعم 40 نائب صدري وبوسط ذهول القاعدة الشعبية للتيار، وقيل وقتها ان التيار تعرض لضغوط ايرانية، وهو قبل هذه المعمعة كان شريكا في حكومة المالكي ثم انسحب منها مع استبقائه على دوام عمل نوابه في البرلمان.

        مؤخرا حاول التيار الصدري اضعاف عملية التحشيد الوطني للاحتجاجات التي عمت العراق مثله مثل المرجعيات الطائفية التي اعتبرت هذه الاحتجاجات، عملية مغرضة للنيل من نجاح التحالف الشيعي برئاسة المالكي في تشكيل الحكومة الجديدة، مما اثار الحيرة في صفوف قواعد التيار خاصة بعد اعلان قائده عن اعطاء مهلة للمالكي لتحسين اداء حكومته، وان لم يفعل ذلك خلال مدة اقصاها ستة اشهر سيكون وقتها للتيار موقف مناهض للمالكي.

        المضحك المبكي في الامر ان الصدر اعلن عن اجراء استطلاع بين انصار تياره لمعرفة ماهية الاولويات في النواقص من الخدمات وما اذا كان الانصار مستعدين لاعطاء المهلة ام لا، كل هذا يجري وسط دهشة وحيرة هؤلاء المخدوعين، الذين لم يعبهوا كثيرا بالاعيب القائد ان صح التعبير، وراحوا يشاركون المحتجين همومهم.

        مقتدى الصدر يعتبر نفسه مقاوما للاحتلال وكذلك مناهضا للطائفية، وهو في الحالتين قد فشل، فمن يقاوم الاحتلال لا يشارك في لعبته السياسية التي تريد كبح جماح المقاومة، ومن يناهض الطائفية لا يكون شريكا في الاحلاف الطائفية، ومن يرفع راية الوطنية لا يستسلم للضغوط الخارجية التي تتدخل بادق الشؤون العراقية، وهذا ما فعله مقتدى عندما خضع لاجندات شبكة التغول الاير