مراجعة كتاب:

 

مراجعة كتاب:

 

طريق العلمانيّة تمرّ في ابن رشد

بقلم : ريتا فرج

 

 

في «الإشارات والمسالك»، يجمع المفكر اللبناني دراسات سابقة له، من نصوص ابن رشد وابن خلدون، إلى الفلسفات الحديثة. صاحب «طريق الاستقلال الفلسفي» يعود هنا إلى هاجس البحث عن معادلات فلسفية علمية، تنتصر للعقلانية، بعيداً عن الدوغمائيات التي تكبل الفكر العربي

كتاب ناصيف نصّار «الإشارات والمسالك من إيوان ابن رشد إلى رحاب العلمانية» (دار الطليعة)، عبارة عن دراسات متقطعة زمنياً. لكن صاحب «طريق الاستقلال الفلسفي»، نجح في التوليف بين أفكاره لتنتظم في سياق متكامل. نصار المنتمي إلى سرب العقلانيين العرب، قدّم طروحات جامعة لهمّ معرفي واحد، قوامه التأسيس لزمن النهضة العربية الثانية. بدءاً من السطر الأول، يستفزّ نصّار عقل القارئ بالمعنى الديكارتي. بلغة علمية، عمل على تحليل نصوص ابن رشد وابن خلدون والفلسفات الحديثة، وتحرى عنها عبر منهجية التفكيك والبناء، ما مهد الطريق لإشكاليات جديدة.

يمنعك الكاتب من التقاط أنفاسك. من كشف إلى كشف، يرسم معاقلة تفاكرية، استهلها بالنص الرشدي، واضعاً إياه تحت تساؤل أساسي: «كيف تعاطى ابن رشد الفلسفة؟». يقرأ الدكتور نصّار الفلسفة الرشدية، المتأسسة على العلاقات التبادلية بين الفلسفة والشريعة. وجد ابن رشد ـــ داعية المواءمة بين العقل والنقل ـــ ضالته في نظرية التأويل الذي يعني «إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية»، كما يلفت المؤلف.
لا يعمل على هذا الحقل سوى الفلاسفة أو «أهل البرهان»، فهم وحدهم يمتلكون الصلاحية. ما يعني أن صاحب «تهافت التهافت»، يحصر «تأويل الشرع» بالنخبة، ما دفع الباحث الفرنسي دومينيك أورفوا إلى القول «إن النخبوية تخفي في الواقع تقديساً حقيقياً للفلاسفة» ومرة أخرى، يعود بنا المفكّر اللبناني إلى سؤال قد يقع وقع الصدمة على المعجبين بابن رشد: «هل يمكن اعتبار فكر ابن رشد راهناً؟»، ويجيب بلسان المفكّر الفرنسي آلان دوليبيرا: «كان ابن رشد راهنياً جداً في القرون الوسطى اللاتينية»، وهو «بحق من آباء أوروبا الروحيين». هذا على مستوى العالم الغربي، فماذا عن راهنيته إسلامياً؟ بعد استشهاده بعالم الإسلاميات الفرنسي الراحل روجيه أرنالديز القائل بأنموذجية ابن رشد للمسلمين في هذا العصر، يفاجئنا نصّار بالسؤال الآتي: هل تخطى الزمن حقاً نظريته في العلاقات بين الدين والفلسفة؟ أليس من الأجدى توظيف العقلانية الرشدية لحل مشكلات الحداثة عندنا؟ ويخلص إلى أن النظرية الرشدية لا تفي إلا قليلاً من متطلبات عصرنا الفكرية.
ويصل نصّار إلى البحث عن فكرة الحداثة في نصّ ابن خلدون، ولفظة الحداثة غائبة تماماً عن نصه. هكذا يحدد جملة من المعايير للإجابة عن إشكاليته، أولها الرؤية الخلدونية حول التبدل في التاريخ،