مقال غولدستون

مقال غولدستون الاعتذاري: مغالطات بالجملة

ليلى نقولا الرحباني

لا يبدو المقال الاعتذاري الذي تقدم به القاضي ريتشارد غولدستون في الواشنطن بوست نهاية الاسبوع المنصرم، سوى محطة من محطات الصراع العربي الاسرائيلي الطويل، والصراع المستمر بين الحق والقوة في منطقتنا منذ عقود.

وبغض النظر عن الاحتفاء الاسرائيلي “بالانتصار”، والبيانات الشاجبة التي صدرت من جهات عربية عدة، وبمعزل عن القيمة القانونية للمقال الصحفي للقاضي غولدستون الذي لا يلغي وثيقة قانونية تبنتها هيئة دولية، ومع التأكيد أن التقرير المسمى “تقرير غولدستون” هو نتيجة عمل لجنة كاملة من القانونيين الدوليين، حتى لو تحفظ أحد أعضائها على صيغته، يبقى ساري المفعول. بالرغم من كل هذه المعطيات القانونية، يبدو من المفيد ادراج بعض الملاحظات الموضوعية على المقال وتفنيد ما ورد فيه من مغالطات وقع فيها القاضي اليهودي:

أولاً: يقول غولدستون في بداية مقاله: “لو كنت أعرف آنذاك ما أعرفه الآن لكان تقرير غولدستون وثيقة مختلفة”، وهي عبارة توحي للقارئ أن التوصيات والخلاصات التي صدرت في التقرير الذي سُمي اصطلاحًا “تقرير غولدستون” وكأنما هي توصيات شخصية كتبها صاحب المقال بناء على مشاهداته وتحقيقاته، والحقيقة أن التقرير هو نتاج تحقيقات متكاملة قامت بها لجنة تقصي حقائق مستقلة ترأسها غولدستون بعدما تمّ تعيينها تطبيقًا لما ورد في توصيات قرار مجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة رقم S-9/1، حول الانتهاكات التي ارتكبت في غزة. بالتالي ان آراء غولدستون الحالية أو ما يقول انه “بات يعرفه اليوم”، لا يمكنه أن يغيّر نتيجة تقرير دولي لمجموعة من الخبراء الدوليين والذي صدر بعد سلسلة طويلة من التحقيقات التي تمت في فلسطين وخارجها.

ثانيًا: لتبرير اعتذاره، يستشهد غولدستون في المقال بالتقرير النهائي للجنة الدولية للخبراء المستقلين برئاسة القاضية ماري ماك دافيس، والذي صدر في 18 آذار 2011، وهو التقرير النهائي للجنة التي كلفتها الأمم المتحدة “متابعة تطبيق التوصيات الواردة في تقرير غولدستون”. ولنا على اقتباس غولدستون من التقرير المذكور ملاحظات عدة:

1- يشير غولدستون الى ان اسرائيل قامت بما عليها من تحقيقات ويستند في ذلك الى الفقرة 78 من تقريرالخبراء الاخير، واللافت أن غولدستون تعمد أن يخفي الخلاصة التي أتت بها اللجنة في فقرتها 79، والتي تقول فيها حرفيًا: “تعيد اللجنة التأكيد على الخلاصة التي أتت في تقريرها السابق بأنه لا يوجد مؤشر على أن إسرائيل قد فتحت تحقيقات في تصرفات هؤلاء الذين صمموا وخططوا وأمروا وأشرفوا على عملية الرصاص المصبوب”. ( انظر الفقرة 79 من التقرير A/HRC/16/24 ، ص 22).

وهذا يعني أن اسرائيل اكتفت بالقيام بتحقيقات شكلية مع بعض الجنود المنفذين للأوامر، لا بل أن اللجنة تشير في فقرات أخرى في التقريرالى عدم الشفافية الاسرائيلية في التحقيقات، وأن الاحكام كانت مخففة جدًا ومعظمها أتت مع وقف التنفيذ.

2- أشار غولدستون الى حادثة قتل عائلة “السموني” التي راح ضحيتها 29 شخصًا من عائلة واحدة وجرح 19 آخرون، فاعتبر “أن قصف المنزل جاء نتيجة الفهم الخاطئ لصورة التقطت بواسطة طائرة من دون طيار من أحد القادة الإسرائيليين”.

كيف استنتج القاضي هذا، ومن أين أتى بالمعطيات التي تجعله يبني هذا الاعتقاد، علمًا أن تقرير خبراء الامم المتحدة حول الموضوع يقول “ان لا معلومات لديه حول القضية التي ما زالت التحقيقات فيها جارية”، ويتحدث التقرير عن “تناقض خطير في أقوال الضباط المسؤولين عن هذه القضية، فبينما اعتبر الضابط المسؤول بأنه لم يكن يعرف أن هناك مدنيين في المنزل، أعترف آخرون من وحدته، بأنهم هم الذين أمروا المدنيين بالتجمع  في ذلك المنزل”، كما يؤكد تقرير الخبراء أنه لغاية تاريخه “لم يكن قد تقرر إحالة ذلك الضابط المسؤول الى المحاكمة”.

ان تبرير القاضي للمجزرة بحق “آل السموني” بما اعتبره “الفهم الخاطئ للصورة التي التقطتها الطائرة”، يبدو تشويهًا للحقائق وتزويرها، وتحايلاً جليًا على الرأي العام العالمي، وهو ما يمكن أن يدحضه  المحترفون العسكريون، كما تدحضه التقارير والتحقيقات التي قامت بها منظمات غير حكومية في حرب غزة.  نذكر على سبيل المثال لا الحصر، التقرير الدولي الذي نشرته هيومن رايتس واتش بعنوان “عين الخطأ”، والذي حقق في مقتل مدنيين فلسطينيين بواسطة الصواريخ التي تطلقها طائرات الاستطلاع الاسرائيلية، يقول التقرير:

“… إن ما يفاقم من جسامة الانتهاكات الاسرائيلية، وجود الإمكانات التكنولوجية المتقدمة لطائرات الاستطلاع (الزنانة) والصواريخ التي تطلقها هذه الطائرات… فهي توفّر صورة جيدة للأشخاص على الأرض ليلاً ونهارًا، مع القدرة على التمييز بين الأطفال والكبار، كما أن الصاروخ الذي تطلقه طائرة الزنانة يحمل كاميرات خاصة به تسمح لمُشغل الطائرة أن يراقب الهدف منذ لحظة إطلاق الصاروخ وحتى ارتطامه، وإذا انتابته الشكوك حول الهدف في أي وقت بعد إطلاقه؛ فإن بإمكانه إبعاده عن هدفه إلى أي مكان آخر”.

وكان هناك اعتراف واضح وصريح من قبل أحد التقنيين العاملين في تشغيل طائرة استطلاع إسرائيلية وشارك في الهجمات خلال حرب غزة ، فقد قال لصحيفة عسكرية إسرائيلية إنه “كان قادرًا على تمييز ألوان الثياب ووجود راديو كبير وسلاح مع أحد الأشخاص على الأرض”.

في هذه الشهادات والتقارير، كما في آراء الخبراء العسكريين ما يكذّب ادعاءات غولدستون في مقاله من أن هناك فهمًا خاطئًا للصورة، وان الخطأ قد يكون نتج عن “تقصير” الضابط أو “اهماله”.

كما إن صدور استنتاجات كهذه عن قاضٍ دولي أصدر أحكامًا قضائية دولية هامة، وعمل في المحكمة الدستورية في جنوب إفريقيا وترأس هيئة الإدعاء العام في المحاكم الجنائية الدولية لكل من يوغسلافيا السابقة ورواندا، يثير الريبة والشكّ في مصداقية الاحكام التي أصدرها سابقًا، وفي مصداقية المحاكم الدولية التي عمل فيها.

ثالثًا: يتراجع غولدستون في مقاله عما جاء في تقرير لجنته من أن الاسرائيليين “تعمدوا” استهداف المدنيين مستندًا بذلك الى ما سماه “التحقيقات التي نشرها الجيش الإسرائيلي وجاء بها تقرير خبراء الأمم المتحدة  والتي تؤكد أن استهداف اسرائيل للمدنيين لم يكن سياسة متبعة”.

في هذا التراجع المستند الى “تأكيد” أوقع القاضي غولدستون نفسه في خطأ تبرير أفعال اسرائيلية كان الاسرائيليون أنفسهم قد تباهوا بها، وكذلك تحدثت عنها وأدانتها جميع التقارير الدولية الصادرة حول حرب غزة:

لطالما اعترف الاسرائيليون وتباهوا بسياسة “تعمد استهداف المدنيين”، وذلك كجزء من سياسة الردع التي يعتمدونها. وهنا يمكن أن نشير الى ما كان الجيش الاسرائيلي قد أعلنه من عقيدة عسكرية أسماها “عقيدة الضاحية”، والتي تعني بأن الجيش الاسرائيلي يعتمد سياسة الارض المحروقة، فيستعمل قوة غير متماثلة، ويتسبب أضرارًا بالغة في الارواح والممتلكات، وبحسب تصريح لأحد المسؤولين الاسرائيليين لصحيفة يديعوت احرونوت، لقد “تمّ تشريع تلك العقيدة التي تعتبر أنه لا يوجد أي أهداف مدنية او قرى مدنية.. كل ما هناك يشكّل أهداف عسكرية” .

ان عقيدة الضاحية هذه وتصريحات المسؤولين، وشهادات الجنود الاسرائيليين التي نشرتها الصحافة الاسرائيلية تثبت ان ما تحدث عنه غولدستون من “عدم وجود نية متعمدة” لاستهداف المدنيين هو غير صحيح، وذلك باعتراف الاسرائيليين أنفسهم.

أما بالنسبة للتقارير الدولية الاخرى التي تزامنت مع تقرير غولدستون، ومنها تقارير منظمات العفو الدولية وهيومن رايتس واتش، وتقرير مقرر حقوق الانسان للاراضي الفلسطينية ريشارد فولك، وتقرير جون دوغارد، والتقرير الذي صدر عن اللجنة التي كلفتها الامم المتحدة بالتحقيق في قصف مقرات الامم المتحدة والاونروا وغير ذلك من التقارير، أجمعت على اعتبار ان اسرائيل “تعمدت” قصف المدنيين، وانها استخدمتهم دروعًا بشرية، ولم تحترم معايير القانون الدولي الانساني، وأهمها مبدأي التمييز وعدم التناسب.

بكل الاحوال، لا يتسع المجال هنا لتفنيد كل الادعاءات الاسرائيلية حول حرب غزة، ولكن يبدو من المفيد التنبه الى أن مقال غولدستون يبدو كبداية لحملة اسرائيلية سياسية اعلامية دبلوماسية عالمية ، لاقناع الرأي العام العالمي بصحة الادعاء بتفوقهم الاخلاقي، وان اسرائيل ضحية ميزان قوى غير متناسب في مجلس حقوق الانسان، ومنظمات حقوق الانسان الدولية الاخرى.

وقد يكون الضغط الاسرائيلي زاد على غولدستون، عندما صادق مجلس حقوق الإنسان في جنيف  في آذار الماضي على مشروع قرار يقضي بإصدار تعليمات إلى المحكمة الجنائية الدولية بأن تستخدم تقرير غولدستون من أجل محاكمة جنود وسياسيين إسرائيليين شاركوا في عملية “الرصاص المصبوب” في غزة، ولا نستبعد أن يزداد الضغط الاسرائيلي على غولدستون لتحويل مقاله الى رسالة رسمية إلى الامين العام للأمم المتحدة والى مجلس حقوق الانسان، من أجل السعي لاستصدار قرار جديد في الجمعية العامة للأمم المتحدة يقضي بأن القرار السابق المستند الى تقريرغولدستون لم يعد ساري المفعول، بسبب ظهور أدلة جديدة تدحض ما ورد في التقرير السابق من معطيات، والخشية من ان تتكرر تجربة ابطال قرار “اعتبار الصهيونية نوع من العنصرية” الذي تبنته الامم المتحدة ثم عادت عنه بفعل الضغوط الدولية عام 1991.