المرأة الفلسطينية (الجزء الرابع والاخير)

المرأة الفلسطينية في سوق العمل

محدِّدات ومؤشرات

(الجزء الرابع والاخير)

عادل سمارة

قطاع عام أم حكومي

ورد كذلك أنه في عام 2007 وفر “القطاع العام” 23% من فرص عمل النساء و 24% للذكور في الضفة الغربية، و 39% 17% على التوالي في قطاع غزة. ولكن هذا ليس قطاعا عاما بالمعنى المألوف لعدم احتلال المصطلح[1]، إنه قطاع حكومي لأنه يشغل الناس على أسس بيروقراطية مرتبطة بسياسة كل حكومة على حده وطبقا لعلاقاتها المجتمعية وليس مشروعات للدولة كملكية عامة، والأهم أنه تشغيل غير إنتاجي بعكس القطاع العام الحقيقي الذي تديره الدولة. فالقطاع الحكومي هو الأوسع في الضفة والقطاع وهو شبه محتكر من الحزب الحاكم؟ صحيح أن الحكومي هو غير الخاص، ولذا يبرز السؤال، لماذا يحل هذا الحكومي المتضخم محل الخاص كإنتاجي ولو بشكل رأسمالي ومحل القطاع العام كإنتاجي كذلك؟ وابعد من هذا، لماذا تقوم الدول المانحة بتمويل القطاع الحكومي البيروقراطي المنتفخ وغير الإنتاجي في بلد في مرحلة بناء أي بما يُفترض التركيز على الإنتاج؟ يضع هذا السؤال على الطاولة ماذا يكمن وراء سياسات سلطة الحكم الذاتي والدول المانحة، كسؤال سياسي واقتصادي، سؤال في الاقتصاد السياسي.

ذكر التقرير التمييز الأجري ضد النساء في ص 108. واستمرار لمحايدة معدي التقرير طبقيا، لم يحللوا الأمر بما هو قائم على المصلحة المادية، في النهاية الربح، أكثر مما هو مرتكز على الثقافة. إنه تمييز محفوز باستغلال أعمق للنساء يقويه العرض الواسع لقوة العمل الأنثوية بالطبع. قد يجد المرء بعض التناقضات كما ورد في صفحات سابقة منه بأن الإناث ذوات التعليم الأعلى يجدن وظائف بنسبة أكبر. وهكذا، إذا كان هناك تمييز قائم أو متسبب من الجنس فمعنى ذلك أن هاتيك النسوة رغم تعليمهن الأعلى لن يجدن فرص عمل اللهم إلا في الأماكن التي يضطر المشغِّلون لأخذهن لها. وهذه الأماكن ليست كثيرة في الضفة والقطاع، لا سيما قبل بضع سنوات.

ورغم إشارة التقرير إلى تأثير الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في مختلف مناحي الحياة، وخاصة الاقتصادية، فإنه لم يذكر دور هذا الاستعمار  في إهلاك الأجور بمعنى أن التبعية لاقتصاد الكيان تفرض أسعارا عالية للسلع والخدمات لتحملها مداخيل متدنية، بما يستهلك القدرة الشرائية لهذه الأجور وبالطبع زيادتها (ص 109). فالنقطة التي تهمنا هنا متعلقة بالتبعية الاقتصادية في الضفة والقطاع لاقتصاد الكيان، وخاصة في مستوى التصدير والاستيراد اللذين يؤثران بثقل كبير على المتاجرة بين الاقتصادين. والتعقيد هنا كامن في أن اقتصاد الضفة والقطاع ظاهريا وعمليا مفتوح لمنتجات الكيان لا سيما منذ أن قررت سلطة الحكم الذاتي وقف مقاطعة منتجات العدو في أعقاب تورطها في اتفاقات أوسلو ناهيك عن سهولة التهريب ما بين الطرفين لا سيما أن اقتصاد الكيان محمي جدا لمواجهة منتجات الضفة والقطاع وخاصة الزراعية. وهذا ناتج عن أن أسعار معظم السلع هي ذاتها في الطرفين طالما أن مصدرها واحد سواء كانت منتجات الاحتلال أو مستوردة من خلاله من دول يحددها الكيان نفسه. وهذا يعني أن كلفة السلع هي نفسها في المنطقتين، وإن اختلفت المدفوعات الضريبية، بينما الأجور عالية التفاوت بينهما. فمعدل دخل الفرد في الضفة والقطاع 1200 دولار بينما في الكيان 26,000 دولار!. فلو كانت الضفة والقطاع مستقلتين عن الكيان، ستكون الأسعار أدنى وستتمكن الأجور من توافق أعلى مع كلفة المعيشة حيث يتم الاستيراد من بلدان كلفة الإنتاج فيها اقل، وبالتالي يسود قانون قيمة اقل استغلالاً مما هو عليه الآن. هذا إلى جانب تمكُّن المجتمع من تطوير قانون قيمة محلي مرتبط بمستوى المعيشة المحلي وبالسوق العربي وليس مضطراً للتكيف المؤلم مع قانون القيمة في بلد متقدم ومنخرط تماماً في السوق العالمية،أي الكيان. هذا الدرس الذي أثبتته تجربة المقاطعة في الانتفاضة الأولى، والتي قتلتها اتفاقات أوسلو وقرارات سلطة الحكم الذاتي بوقف المقاطعةّ!

القطاع غير الرسمي

القطاع غير الرسمي ظاهرة عالمية من جهة ومؤنث من جهة ثانية وهو موجود في المحيط والمركز. ويتخذ مظاهر مختلفة ولكن مبررة في المركز أكثر من المحيط.

“… يتواجد معظم العمل المنزلي في القطاع غير الرسمي، وحتى لو أن السلع التي تُنتج قد تُسوَّق أو تُستخدم من قبل بعض الشركات الكبيرة في العالم؟ يعمل العمال المنزليون خارج حماية القانون. ففي بعض البلدان، كالفلبين والبرتغال  وإيطاليا لديها قوانين تغطي العمال المنزليين، ولكن ما ندر أن تُطبق. وفي بلدان أخرى، كالولايات المتحدة وهولندا لا توجد حتى مثل هذه القوانين”[2].

إن ما أشار إليه التقرير عن النساء في القطاع غير الرسمي هو صحيح، فهذا القطاع يتأنث. ولعل ما يعيق تسارعه هو الحصار الصهيوني وجدار التوسع الاستعماري الذي أضاف كثيراً  من الذكور إلى هذا القطاع. (انظر لاحقا)؟

نص التقرير:”  … أن السبب في أن النساء يحتللن غالبية الأعمال التي لا تدفع أجراً هو أن المجتمع الفلسطيني لا يزال ينظر إلى عمل المرأة على أنه إضافي أو تكميلي لدخل الأسرة” (ص 106).

إن هذه قضية إشكالية. فلماذا لا يرتد السبب إلى الافتقار إلى العمل المأجور، مدفوع الأجر، أو المستوى المتدني للتطور الرأسمالي في البلد، أو النقص في الطلب من قبل سوق العمل؟ صحيح أن النخبة القائدة في المجتمع  اقتصاديا وسياسيا وثقافياً لا تحتسب عمل النساء المنزلي والعمل في مزرعة الأسرة كأعمال تنتج قيمة. وهذه مسألة لا بد أن تناقش على مستوى واسع، مثلاً، حق النساء في المساواة.. بله التحرر. .

هناك عوامل عدة في الضفة والقطاع تدفع في اتجاه تشجيع دفع النساء إلى القطاع غير الرسمي، كالتبعية للاقتصاد الصهيوني، واحتجاز التصنيع، وإضعاف الزراعة، والحصار والضم الكولونيالي من قبل الجدار…الخ. وفي حين أصبح هذا القطاع واقعا في اقتصاد الضفة والقطاع، لا يبدو أن هناك نوايا للتعامل معه بشكل مناسب. إن على اتحاد العمال أن يأخذ في الاعتبار المشتغلين في هذا القطاع وينظمهم. وهذا ما يجب أن تقوم به المنظمات النسائية وخاصة النسوية منها. لعله مثار تساؤل لماذا ما تسمى بالمنظمات التنموية  لم تحاول دعم المشتغلين في هذه الأعمال بالإقراض والتدريب وأن تدافع عن حقوقهم ضد الاستغلال أم أن سقفها محدَّد من الدول المانحة والأنجزة؟

استنتاجات

1- خلال تحليل المؤشرات في هذه الورقة مبنية على الحقائق والمحددات، من الواضح أنه رغم التحسن الطفيف في تشغيل الإناث في الضفة والقطاع حسب زعم التقرير الرسمي، فإن حظوظ النساء في المساهمة في سوق العمل ما زالت هامشية. ولعل ما يجعل وضع النساء في سوق العمل صعباً أنه يؤثر أكثر على الجيل الجديد من الإناث من 15-25 عاماً. ربما يطرح هذا تساؤلاً: هل تهتم المنظمات النسوية بوضع النساء العاملات مقابل ذلك الاهتمام الكبير بالمعنفات والفاقدات وتعليم النساء فن التفاوض مع الكيان الصهيوني كما تفعل منظمة مفتاح؟

2- هناك غياب لاحتجاج حقيقي من منظمات ما يسمى المجتمع المدني على الأحوال  السيئة لتشغيل الإناث، وغياب من النساء أنفسهن ومن الرجال كذلك. وهذا يتبدَّى عن حقيقة مرة بأن هذا الوضع قد أصبح ظاهرة مقبولة ومُعتاداً عليها في الضفة والقطاع.

3- إن تركز الوظائف للإناث في الضفة والقطاع في قطاعات محددة  علاوة على عدم توفر ذلك في القطاعات الأخرى، يكشف عن  ضعف واضح في عدم تمفصل قطاعي  في الاقتصاد من جهة، وتدهور في حقوق ووضع النساء عامة من جهة ثانية.

4- وهذه المشكلة خطرة وطنيا/قومياً، لأنها تشجع الجيل الجديد، الذكور خاصة، على الهجرة وهو تطور يؤثر على الاقتصاد والمجتمع حيث يخاطر الاقتصاد بفقدان قوة العمل الشابة ويفقد المجتمع هؤلاء الشباب في بلد يواجه تحديات ومشاكل خلقها وجود الاستعمار الاستيطاني الذي يجب مقاومته وطرده.

5- تؤثر نسبة البطالة الأعلى على النساء الحاصلات على 13 سنة تعليم فأكثر. وهذا يعني خسارة على الاقتصاد المحلي الذي استثمر في تعليمهن الكثير طالما هن عاطلات. بما أن كل ما ينفق هو في النهاية من الثروة القومية

6- في حالة هجرة ذكورية عالية، ربما تتوفر شواغر عمل للإناث، ولكن طبقاً للمحددات، فإن الإناث يصبحن تحت طائلة استغلال عميق مع حقوق أقل كمواطنات  وكائنات إنسانية. ولكن الهجرة غير متوفرة من جهة ، ومن جهة ثانية هي حالة خطرة.

7- إن وضع سوق العمل في غزة أكثر صعوبة من الضفة؟ وهذا يؤكد وجود فارق بين الجزئين من البلد مما يؤثر على تماسكه.

خاتمة

بناء على المحددات، لا تتوفر شواهد على أن الميل الاجتماعي عامة، ولا السياسي خاصة،  هو نحو تدعيم مشاركة النساء في سوق العمل بشكل تثقيفي منهجي رغم القرار السياسي الذي كما يبدو آت من الأعلى، وربما بناء على ضغط من الدول المانحة أو كجزء من التقاطع من إلحاح الحداثة التي تنتج الميول المتغربنة التي كثيرا ما يقومون في العالم الثالث بتبنيها للبروز بمظهر حداثي.  وهذه تمثلت مؤخراً بقرار مجلس الوزراء الفلسطيني بتاريخ 22 / 6/ 2009 بتبني موازنة حساسة للنوع الاجتماعي، إضافة إلى تمكين وزارة شؤون المرأة من متابعة التزام الوزارات بقضايا المرأة واستكمال استحداث وحدة للنوع الاجتماعي في كافة الوزارات الفلسطينية. .

هناك من ناحية إجمالية مدخلين للتعاطي مع حق المرأة من حيث التحرر والمساواة:

  • التنمية بالحماية الشعبية، وهذه ليست مطروحة حين الحديث عن الاقتصاد الرسمي.
  • والسياسات الاقتصادية للسلطة

في ما يخص المدخل الثاني  فإنه لـ “تحسين” وضع الإناث في سوق العمل سواء في من حيث الحقوق، مساواة الأجور، كفاية الأجور، وأية حقوق أخرى، فإن سياسة تنموية جديدة لا بد من تبنيها من قبل سلطة الحكم الذاتي، ونقابات العمال والمنظمات النسائية والأحزاب السياسية إن سمح بذلك الشركاء!

يجب وضع تشريعات تحدُّ من قيام الملاك/المدراء في مواقع العمل التمييز ضد الإناث واستغلالهن لكونهن إناثاً؟ ولا بد من حملة للمساواة في العمل والحقوق بين الذكور والإناث تقودها منظمات المجتمع المدني الجذرية.

على منظمات التنمية في الضفة والقطاع توفير تدريب للنساء على قيادة الأعمال التعاونية والخاصة. ومن المفضل أن تتواءم هذه التدريبات ضمن خطة تنموية لكي تُعطى للنساء والرجال الذين سيجدون عملا بعد التدريب، لا أن تقدم الخدمات ؟ ويجب إيجاد صندوق إقراض أو بنك تنموي لتقديم قروض للإناث الراغبات في بدء مشاريع لهن  وخاصة النساء اللائي جرى تدريبهن ضمن أجزاء معينة من خطة تنمية وطنية. ولا بد من تخصيص انتباه أكبر من الإعلام لصالح تحرر ومساواة المرأة . وأن يتم عقد هذه البرامج بشكل متواصل لا مصادفة.

أشار التقرير إلى أنه نظراً للخصوبة العالية بين النساء في الضفة والقطاع، فإن انتباها أكثر لا بد من بذله: “…لإيجاد  حضانات ذات رسوم تقع ضمن النطاق المقبول سيشجع المرأة على الانخراط في سوق العمل” (ص 113).

لعل المقتطف هذا وعظياً أكثر مما هو علمي. فالمطلوب في هذا المستوى دور للقطاع العام بما ن هدف القطاع الخاص هو الربح اللامحدود.  وقد يكون من الصحة بمكان القول إن الخلقة الجهنمية المكونة من الخصوبة، أي زيادة من يتدفقون سنويا إلى سوق العمل هي إسفنجة تضخ قوة عمل إلى السوق وتمتص النساء/الأمهات من سوق العمل، وكأن “السوق الشريرة” تقوم بدور اليد الخفية لتضبيط الاقتصاد بما يخدم رأس المال!. ومما يجب مناقشته هو مسألة الخصوبة نفسها، بمعنى ما الأفضل لصحة المرأة ودورها في العمل تواصل معدل النمو السكاني العالي في الضفة والقطاع أو تقييده. إن حملة لتأخير نسبي لعمر الزواج هي مسألة هامة في هذا المستوى.

ولا بد من انطباق النقطة نفسها الواردة في ص (113) “فيما يخص العمل الجزئي التي هي جيدة للنساء أمهات الأولاد”.  فهذه النقطة لا بد من تحليلها بشكل أفضل، مثلاً، هل توفر هذه الأعمال الجزئية دخلا مناسباً لهاتيك الأمهات؟ في هذا السياق، فإن حملة ثقافية يجب شنَّها لتحفيز وتشجيع الذكور على أخذ دور في العمل المنزلي بما في ذلك رعاية الأولاد.

تجدر الإشارة أن على سلطة الحكم الذاتي، والأحزاب السياسية، والمنظمات القاعدية الجماهيرية والمانحين الذين يتبنون أوليات محلية (بافتراض تواجدهم)…الخ أن يعملوا بشكل جماعي وأن يراقبوا بعضهم تبادلياً. وهذا قد يتطلب تأسيس مجلس مشترك لحث حقوق النساء عامة وفي نطاق العمل خاصة التي هي مطلوبة في الضفة والقطاع.

لا بد أن يتجاوز هذا النشاط الاقتصاد الرسمي إلى غير الرسمي الذي يجب توسيعه لاستيعاب النساء. فهذا القطاع مصدر كبير للتمييز والاستغلال ضد النساء.

وباختصار، فإن قوانين جيدة الصياغة ورغبات طيبة لن تعطي من دون متابعة جادة ومتواصلة من مختلف الأطراف ذات الصلة عن أي قطاع في المجتمع والاقتصاد. إن متابعة عملية في الضفة والقطاع عامة تتطلب تأسيس مركز أو معهد للتخطيط والتنمية على أن يكون هذا المركز مستقلا عن التأثير السياسي والإيديولوجي البرجوازي، كي يتمكن من تحليل الوضع بشكل حر لكي يجترح سياسات وخطط تنموية لصالح الأكثرية الشعبية.

ما تزال المسألة الأساسية هي إلى أي حد هناك فرصة وإمكانية للتقدم باتجاه تحرر حقيقي للنساء في مختلف مستويات الحياة في الضفة والقطاع، وحتى لمجموع المجتمع. وفي حين أن هذا لا يندرج  ضمن أفق ذلك التقرير، فإنه أمر خلافي ونقاشي أن يتم إنجازه في بلد تحت استعمار استيطاني ما زال هو نفسه المحدد الأساس لمختلف مستويات الحياة. لا بد من مواجهة هذا السؤال!


[1] ما نقصده باحتلال المصطلح، في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية وما لحق بالعمل من تراجع لصالح رأس المال، أخذت المؤسسات اللبرالية في السياسة والاقتصاد والأكاديميا كثيرا من المصطلحات الاشتراكية واستخدمتها بما يفرغها من محتواهاـ فبدأت باستخدام مصطلحات مثل التنمية، والتنمية المستدامة، وحتى المجتمع المدني…الخ

[2] Home Net The News letter of the International Network for Homeland Workers, No 10 Autumn 1998:6.