استحقاق أيلول الأسود!!!

إحسان سالم

الأراضي المحتلة، رام الله

لسوف يكتب التاريخ بكل قسوته ولؤمه كيف حصلت نكبة 48 وكيف أُجبر شعبنا على مغادرة وطنه تحت حراب الغرب ومستعمريه من اليهود الصهاينة وكيف تحصل اليوم نكبة أيلول 2011 وكيف أنها تتم الاَن بأيدي فلسطينية.

نعم إنها نكبة بكل ما تحمله الكلمات وهي تأتي الاَن كحصيلة لسلسلة متعاقبة من الخيبات والتراجعات فلماذا كل هذا الضجيج المريب والغير مُقنع حول ما سيمى باستحقاق أيلول؟؟!!.

لماذا تُثار هذه الضجة، ويستنفر الإعلام الأصفر ويستميت كُتاب ومُثقفو أوسلو الذي شكل لهم مصدر رزق دائم ما دامت هذه المرحلة، لماذا يستميتون برفع السقوف وزرع الأوهام وتحميل الذهاب إلى أيلول وكأن الشعب العربي الفلسطيني زاحف لتحرير أجزاء من فلسطين، وأن النصر مضمون لذلك تعم الأفراح ويُطلب من موظفي الدوائر والبلديات والمؤسسات الخروج للشوارع ابتهاجاً بالنصر الموعود !!.

هل سأل أحد أبناء شعبنا بداخل ال48 عن مصلحته بقيام هذه الدولة ” دولة على الورق بدون سيادة ” وهل سأل أحد أبناء شعبنا بالمهاجر والمنافي ومخيمات الشتات عن مصلحته بقيام هذه الدولة ؟!؟؟!!!.

لماذا لم تُشاهد هذه الاحتفالات المُخيبة غداة صدور فتوى لاهاي التي اعتبرت الاستيطان والجدار أمر غير شرعي ودعت إلى إزالتها، وكذلك غداة صدور تقرير غولدستون الذي عرى وكشف فاشية الكيان الصهيوني ؟ ألم يتم التعتيم على هذين الأمرين ولم نلحظ أية دعوات للذهاب إلى مجلس الأمن لوضع فتوى لاهاي وتقرير غولدستون أمام العالم لوضعهما قيد التنفيذ علماً بأن هناك إجماع دولي عليهما !! بل ما حصل هو عكس ذلك فقد تم طيهما وكأنهما أمر مشين يجدر بنا التخلص منهما لماذا؟ لأن السلطة كانت تتجنب خوض أي صراع ولو سياسي مع الكيان الصهيوني، بل أن سياستها كانت هي منع كل من يحاول ذلك، وتستبدل ذلك بالمفاوضات العدمية كإستراتيجية وحيدة.

نذهب اليوم إلى هذا الاستحقاق كما يحلو للبعض تسميته ونحن منقسمون بكل شيْ، بدون أية إستراتيجية، بدون أهداف بدون مبادىْ ونعلن مُسبقاً بأننا ومهما كانت نتائج هذا الاستحقاق سنعود للمفاوضات !!

نسمع كل يوم قرقعات كثيرة عن جاهزية السلطة للانتقال للدولة، وكأن الموضوع هو كتابة موضوع إنشاء للصفوف الابتدائية، أليست هذه السلطة من كبّل المواطن الفلسطيني بديون تصل إلى 2 مليار دولار* والبقية تأتي وهي لم تتخطى عتبة السلطة فكيف يكون الأمر عندما تُصبح دولة ؟؟.

أليست هذه السلطة التي تريد أن تتحول إلى دولة تعتمد في مُجمل حياتها على ما يجود به كرم الدول التي أنشأت الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين وساندته وما زالت تُسانده بكل ما أوتيت من قوة ؟!!

يقولون وتقول معهم منظمات الأنجزة الممولة من ال USAD وغيره من الدول المُعادية بأن نسبة النمو تزيد عن 8%، ولكننا نقول لهم أنه رغم تدفق هذه المنح والعطايا فإن نسبة الفقر داخل أراضي السلطة تزيد عن 30% *، وأنه لا أحد يعلم أين تذهب هذه الأموال التي لم تُساهم في تقليل نسبة الفقر بل زادته، وأن أكثر من 40% من الميزانية العامة إنما تُصرف على الأمن فقط، وما لا نعرفه فهو أعظم.

نذهب اليوم إلى أيلول بدون أن نمتلك أية أوراق قوة في أيدينا بعد أن بددناها واحدة تلو الأخرى عبر تبني سياسة تفاوضية عاجزة لم تُفضي إلاّ إلى الأوهام التي زرعناها في صدور أبناء شعبنا.

ومن حسن حظ الذاهبين إلى أيلول أن حكام تل أبيب من فرط عنصريتهم وغرورهم استكثروا هذا الذهاب فأخذوا موفقاً غبياً من وجهة نظر صهيونية ضد هذا الذهاب، مما أعطاهم سبباً وجيهاً ليحركوا الشارع دعماً لهذا الذهاب.

نذهب إلى استحقاق أيلول بعد أن تبددت جميع خياراتنا وحرقنا جميع مراحلنا الخاسرة من ألفها إلى يائها وأصبح خيارنا الوحيد هو الهروب للأمام بدون إجماع وطني بدون برنامج سياسي لا لهذه المرحلة ولا لمرحلة ما بعد أيلول، فقط نضع نصب أعيُننا تحسين شروط التفاوض الخيار الأول والأخير الموجود على الطاولة.. وهو يعني بالنهاية وبدون مزايدات القوى المُنخرطة في هذه المهزلة عملياً مفاوضات بين دولة افتراضية على الورق ودولة مُحتلة على الأرض وفي هذه الحالة ستضيع جميع الثوابت مهما حاول التضليليون والانتهازيون تجميل الموقف، وسيضيع حق العودة مثلما ضاعت القدس، لماذا ؟ لأن حق العودة هو العقبة الكأداء في وجه مفاوضات ناجحة فإما الدولة وإما حق العودة، وقد سمعنا ذلك كثيراً من شخصيات وقادة، وها هي الفُرصة تلوح بالأُفق إذا أردتم نهاية سعيدة للمفاوضات، فتخلوا عن حق العودة، فكيف يمكن تبرير ذلك؟؟

وتدور الأيام…. ونرجع من نيويورك وسواء تم الاعتراف أم لم يتم، فستكون هناك الصور نفسها وستكون المهرجانات فقد حققنا نصراً عظيماً، فليهنأ شعب فلسطين، فنحن فاب قوسين أو أدنى من الدولة لكن يلزم أن نعود للمفاوضات !!!!.

وأنا أسأل ونحن اليوم أمام النتائج الكارثية لنهج غريب عن روحية وميثاق منظمة التحرير هل يمكن الحديث عن بناء دولة تحت استعمار استيطاني لا مثيل له ؟! والوطن كله تحت الاحتلال، والاستيطان لم ولن يتوقف، والسيادة على وجه الأرض باطنها وظاهرها، والمعابر والهواء كلها بيد الاحتلال، فكيف يُجيز أياً كان لنفسه القول أن مرحلة بناء الدولة قد اكتملت.

إذا كان هناك من تعب من النضال وأعياه طول الانتظار، واستدخل الهزيمة إلى روحه وقلبه، ويسعى لنهاية سعيدة في ظل جنات أوسلو له ولأبنائه وأحفاده، فقد تكون هذه المرحلة الهابطة هي مرحلته، ولكن هل تستمر هذه المرحلة ؟

عندما يستقيظ شعبنا من كبوته ويعي عملياً وعلى الأرض أن ما أنتجته عقود المفاوضات العجاف لم يكن سوى المزيد من التنازل عن ثوابته، وأن معاودة هذه المفاوضات إنما سيُنتج تنازلات أكثر وأفدح، وأن المرحلة المُقبلة لن تكتفي برفع الأيدي كما حصل في غزة عندما تم إسقاط ميثاق النضال الفلسطيني بل سيكون في هذه المرة عبر رفع الأيدي والأرجل.

عندها سوف ينهض بكل شموخ وعزة وسوف ينعي هذا الخيار، ويعود إلى أبجديات وحقائق هذا الصراع منذ أن وُجد إلى أن يحسمه بالتحرير والنصر.

:::::

abuarabihsan@gmail.com
* أُنظر تقرير بيسان ” مجلة الهدف ” عدد أيلول 2011