تشابه ولادة: الكيان الصهيوني وليبيا

حبل سُرِّي يربط القاعدة و سي.آي.إيه ومثقفينا!

عادل سمارة

أعلم جيدا ومسبقاً أن فيالق من المثقفين/ات العرب والفلسطينيين سوف يهاتفوا بعضهم حُنقاً على هذا العنوان، وقد يكتبون من مداخل: إسلام سياسي لا ديني، أو ماركسي سياسياً لا فكرياً ولا نظرياً وماركسي تحول إلى الغرب ولم يطل به المقام حيث تأزم راس المال! ولبرالي لم يتزحزح بالطبع، فاين المفر؟ ومثقف تقاعد باكراً لا يشارك في اي اشتباك لكنه مأخوذ بقُطرية منخلعة قومياً ومندهشة بالغرب حتى لو وشَّى بعض حديثه بلون احمر. ومن مثقفين لم نراهم بعد.

وإذا كان المرء لا يأبه لسقوط المثقفين لأن سقوطهم اختياراً أو علاقات سوق، فإن ما يثير الأسى هو الجمهور المضيَّع الذي يفتك به الإعلام وهؤلاء المثقفين، ليكتشف بعد عقود، وقد لا يكتشف، كيف انتحر! ولكن، “لات ساعة مندمِ”.[1]

لم يقرأ هؤلاء المثقفون ما أكدت عليه الخطط السياسية للولايات المتحدة والغرب عامة أن مشروعها في السنوات العشر الأخيرة هو: إسقاط أنظمة السودان، وزيمبابوي وليبيا وساحل العاج وسوريا وإيران. ولن نذهب في هذه المقالة إلى اية تفاصيل لتبقى ليبيا موضوع العنوان أعلاه.

مضت ستة اشهر على القصف الجوي الغربي ضد الشعب العربي الليبي، وترافق مع هذا القصف هتاف حكام ومثقفين عرب لهذا القصف وحتى هتاف جماهير لا تعرف ماذا يجري. وكل هذا، لو حاولنا الصدق مع الذات لا يمكن أن يُقرأ من الأمم الأخرى سوى :باحتقار العرب” كعرق! فلا يُعقل أن تحتفل قطاعات واسعة من أمة بحريق جزء من شعبها على يد بُغاة وناهبي ثروات الأمم وخاصة أمة هؤلاء المحتفلين.

ويتم الآن تمديد المحرقة لثلاثة اشهر أخرى. والمحرقة طبقاً لتفويض الأمم المتحدة هي لحماية المدنيين، وها هم المدنيين يُحرقون والعاصمة قد سقطت. فهل ما زال أحداً لم يفهم ان المغزى احتلال/التهام ليبيا.

المهم راس المال والشركات وليس الدين

ليس مقصدنا الإشارة إلى ما نقلته الصحيفة الصهيونية يديعوت أحرونوت (بالنص والصورة) ونقلناه في نشرة كنعان هذه بأن المجلس الانتقالي الليبي أعطى الكيان قاعدة عسكرية على حدود الجزائر، كبداية للغيث ولا شك أن هذا بناء على خبرة حاكم الإمارات العربية المتحدة التي ترعى وتمول ثوار الناتو[2].

بيت القصيد الذي نريد هنا، ان الحكومة الحالية في ليبيا والمكونة اساساً وعملياً من رجل المخابرات الأميركية خليفة حفتر ورجل القاعدة بلحاج، قد أُحضروا من الخارج على طائرات الناتو كيف يتم سياسياً خلق سلطة من هذين القطبين اللذين تزعم أنظمة الغرب أن تناقضهما تناحرياً! أي القاعدة والولايات المتحدة قاعدة اغتصاب الأرض بل الكون. ماذا وراء الأكمة إذن؟ ما الذي يجمع القاعدة مع ال سي آي إيه غير المصالح العليا للرشكات، لراس المال الذي لايعرف الأديان ولا الحدود ولا الإنسانية بالطبع. لنقرأ الشاهد التالي:

كتبت نيو أمريكان:

” إبان الانتخابات في ساحل العاج، كانت النتائج مختلفة. فقد تم تزييف الانتخابات وقد شهد المشرفون على صناديق الانتخابات أمام المجلس الدستوري أن لوران غباغبو هو الفائز بلا منازع في الانتخابات. وهذه كان يجب أن تكون النتيجة النهائية. ولكن بدل أن تحترم كل من الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة النظام الدستوري لساحل العاج، بنت شراكة بين الميليشيا الإسلامية وزحفوا إلى العاصمة واعتقلوا غباغبو، المسيحي، وذبحوا واغتصبوا عشرات الآلاف من المسيحيين… وهكذا، قامت الأسرة الدولية بتنصيب مسلم كان قد حكم البنك المركزي واسمه الحسن وتارا كحاكم جديد لساحل العاج“.[3]

ليس المهم أن وتارا مسلم وأن غباغبو مسيحي، بل المهم أن وتارا رجل البنوك. وليس المهم صناديق الاقتراع، بل من الذي يرعى مصالح الغرب!

لنلاحظ هنا تشابه ليبيا مع ساحل العاج. فقد أعلن المجلس الانتقالي أنه سيحكم بالشريعة الإسلامية إلى جانب بنك مركزي يعمل على النمط الغربي، وقام الثوار بمذابح عرقية ضد السود الأفارقة!

نسخ تجربة الكيان الصهيوني

إن القوة التي اسقطت طرابلس الغرب (وستحاول إسقاط طرابلس الشرق!) مكونة من طيارين وجنرالات، وخبراء غربيين، من مختلف البلدان الغربية، وأن ثوار الناتو ليسوا سوى رعاع ومرتزقة، مهما حاول مثقفون وفضائيات الترويج لهم. وهذا مشابه لتاريخ إقامة الكيان الصهيوني، فلنقرأ:

لم ينحصر دور الغرب الراسمالي في إقامة الكيان الصهيوني على دور الأنظمة الحاكمة، بل امتد ليشمل متطوعين من مختلف بلدان المركز سواء التقليدي أو المستوطنات البيضاء[4] وهم الذين كانوا القوة الحقيقية في حسم الحرب واغتصاب فلسطين وطرد شعبها. وكان معظم هؤلاء من غير اليهود، أليس معظم طياري الناتو الذين يقصفون ليبيا من غير العرب؟

أطلقت الصهيوينة على هؤلاء المتطوعين: ” تسمية “ماخال- أي متطوعون من خارج اسرائيل”

” والحقيقة أن أول آمري سلاح البحرية، واول فنيي الرادار، وأول طبجيي المدفعية الثقيلة، وأول قادة الدبابات، واول قادة القوات البرية وأول طيارين مقاتلين وقاذفين، وأول جراحي العيون المصابة والإصابات الأخرى كانوا متطوعي الماخال واللافت أن هؤلاء “المتطوعون هم كفاءات عسكرية مدربة ومُجربة معاً.

” كان هناك 1000 من الأميركيين والكنديين في مختلف فروع القوات المسلحة الإسرائيلية، إلى جانب 3500 متطوعين من 29 دولة ما وراء البحار. وقرابة نصف الأميركيين والكندينن خدموا في سلاح الجو”. وبالطبع من أين بسلاح جو للفلسطينيين

“معظم المتطوعين الغريين ومتكلمي الإنجليزية – “أو انجلو ساكزم” كما نحتنا نحن الإسرائيليين هذه التسمية- حاربوا في الحرب العالمية الثانية، وكانوا تواقين لوضع خبراتهم القتالية قيد العمل للمساعدة في الدفاع عن الدولة اليهودية. وقد شكَّل هؤلاء المتطوعون قلب قوة سلاح الجو الجديد حيث وفروا مقاتلين طيارين للقتال الجوي لأول أفواج الأجنحة المقاتلة”.

“وإضافة إلى ذلك، فإن الطيارين من أميركا الشمالية، الطيارين والفرق الأرضية هم الذين خلقوا قوة الشحن الجوية التي نقلت ميسسر شميت واسلحة من مطار قرب براغ إلى قاعدة تل نوف في إسرائيل. “

” لا بد من الذكر بأنه بين 1947 و 1948 كان هناك 3600 متطوع من خارج البلاد تدفقوا إلى البلاد وقاتلوا إلى جانب أفضل الإسرائيليين، أولاً مع البلماخ والهجناة، وبعد إعلان الدولة عام 1948 في جيش الدفاع الإسرائيلي”.

” ما زال العدد الدقيق من كل بلد على حدة موضع خلاف، ولعل التقدير الأفضل انه كان هناك حوالي 1,000 من الولايات المتحدة، مع 250 آخرين من كندا، و 800 متطوع من جنوب إفريقيا، و 600 من بريطانيا، و 250 من شمال إفريقيا، و 250 من أميركا اللاتينية، وهناك آخرين من بلجيكا وفرنسا. وكان هناك أيضاً عدد متفرق من استراليا، والكنجو البلجيكية، وروديسيا، وفنلندا، وروسيا. وقد قالوا جميعاً انهم يهود وغير يهود، رجال ونساء أتوا من 37 دولة مختلفة لدعم الدولة اليهودية الجديدة في أقصى ساعات حاجتها لهم”

بقي أن نسأل المواطن العربي الذي يحتفل باحتلال ليبيا، هل يفعل الغرب هذا كي يخرج؟


[1] قد يكون أفضل مثال على الندم المتأخر ما تعيشه الطبقات الشعبية في بلدان الاشتراكية المحققة بعد ذلك الانبهار بالغرب الراسمالي.

[2] يعيد التاريخ نفسه حتى في أحداثه البائسة، فحاكم الإمارات العربية المتحدة هو نفسه الذي أهدى فرنسا قبل بضع سنوات أرضا لقاعدة عسكرية في الإمارات، وللمفارقة يوم “عيد” توليه الحكم؟ ترى من الذي ولاَّه إذن؟ بالمقابل أليس القذافي هو الذي خلع القواعد الغربية منبلاده وخاصة قاعدة ويلز؟

[3] Obama Defends Military Intervention at UN, Calls for More,

Written by Alex Newman, New American, Wednesday, 21 September 2011.

[4] أنظر كتاب عادل سمارة، الاقتصاد السياسي للصهيونية المعجزة والوظيفية، الفصل الثالث :استجلاب “شراء” المستوطنين “مستوطنة لا تمتلىء”،مقاتلون مرتزقة من المركز الراسمالي…لماذا؟ الطبعة الأولى منشورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية، رام الله 2008، ص ص 82-106، والطبعة الثانية منشورات دار اليازوري، عمان –الأردن 2011، ص ص 125-164. ومصدر هذه العلومات هو:

Source: Article submitted courtesy of Dr. Fenton. See also Machal-Volunteers in Israel’s War of Independence