نهاية المهزلة الفلسطينية

أحمد حسين

وأخيرا حان الوقت التاريخي الذي أعلن فيه الفلسطينيون على لسان رئيسهم المنتخب، نهاية المهزلة الفلسطينية، التي استمرت طيلة ثلاثة وستين عاما. وكما هو متوقع، فإن المهزلة التي تمت بإشراف دولي كامل منذ يومها الأول، انتهت فصولها بإشراف دولي كامل. فالرئيس الفلسطيني المنتخب، أعلن عن القرار الفلسطيني، في جو مسرحي بلغت فيه الدراما ذروتها اللائقة في استدعاء مشهد ختامي بهذا الجلال والمصداقية الفنية. إنها سابقة في تاريخ الفن المسرحي، أن يقوم بهذا الأداء المذهل الذي استطاع أن يمنح السياسة كل الأدوات اللازمة والمصداقية الواقعية والأخلاقية، لإزاحة تاريخ قائم وإحلال تاريخ جديد مكانه، بمصداقية موضوعية لم يعد يرقى إليها الشك بعد، بعد إقرار الفلسطينيين، على لسان رئيسهم أنه لم يكن لهم أي حق تاريخي في فلسطين. فالحق الوطني يمكن أن يكون لطرفين يعيشان في وطن جغرافي واحد. فيكون بذك قابلا للتجزئة الجغرافية باتفاق الطرفين. أما في حالة الحق التاريخي فإن التقسيم يفتقر إلى الموضوعية والعملية والعدالة. ولعل الكثيرين منا يتذكرون قصة الملك ( النبي في الإسلام ) سليمان والمرأتين التين تقاضتا أمامه على أمومة الطفل. هكذا هو الحق التاريخي. من يوافق على التقسيميخسر كل مصداقيته الوطنية. وكثيرون هم الأغبياء أو الكذابين أو الخونة الذين يزعمون أن العرب لم يوافقوا على التقسيم، وكأن العرب يتخذون القرارات التي يصنعونها هم. لقد كان رفض العرب للتقسيم قرارا صهيونيا ودوليا بمعنى أصحاب المشروع. وإسرائيل التي ( وافقت على قرار التقسيم ) هي الني احتلت كل فلسطين وأجزاء من دول عربية أخرى ولم تكتمل خارطة أرض إسرائيل بعد بالنسبة لها. وستظل تمد الصراع إلى أن يكتمل مخططها الوطني الإستيطاني. العقل الصهيوني فداحة خطر التهاون الوطني على طرف مدع مثله، يريد امتلاك التاريخ وإقناع الرأي العام أنه متشدد لأنه يملك الحق التاريخي. إنه يعرف تماما أنه أمام مهمة لا يكفي فيها انتزاع الأرض، بل يجب أن ينتزع روحها أيضا، ويستعيد بكارتها، وينهي عالميا أي جدل حول يهوديتها. بأقل من هذا لا يمكن صناعة التاريخ. لآنه يجب أولا ألا تكون هناك وجهتا نظر حول رواية هذا التاريخ. وهذا هو سبب امتداد المهزلة ثلاثة وستين عاما، ليتحول تكرار عرضها على المسرح من مجرد مهزلة إلى تاريخ. أي ليتحول التنازل الفلسطيني تحت تحت ضغط المذبحة والإعلام المدبر والخيانة المدفوعة الثمن، بمساعدة من تعريب الوجود الفلسطيني، إلى استهتار عالمي بالفلسطينيين، واعتبار دعاويهم الوطنية المتخاذلة، وخيانتهم وانقساماتهم، مقابل الموقف الصهيوني الفروسي والوطني المثير للإعجاب، حافزا تلقائيا للتعاطف مع بطل المسرحية، الذي يحارب الإرهابيين الإشرار. وفي الحقيقة أن نجاح الدور الموكل للفلسطينيين والعرب في المهزلة كان خارقا. لقد أثبت الفلسطينيون بتنصلهم ولامبالاتم وتمزقهم وكثرة الخونة بينهم، أنهم لا يفهمون فكرة الوطن الإجتماعي إطلاقا. وبما أن الوطن هو كائن المصلحة الجماعية، فأنهم لا يستحقون وطنا، في حالتهم، حتى لو كان وطنهم. الرأي العام العالمي هو عبارة عن رومانسة اجتماعية، تهزها المشاهد التي تتماشى مع ثقافة النبل الإجتماعي لديها، وتشمئز من مشاهد التفاهة والغباء والخيانة والخضوع والإرتزاق باللامبدأ، فهي لا تشاهد المسرحية لتتدخل في التفاصيل.

يوضح هذا، سبب اهتمام الصهيونية الكبير، بصياغة المشهد الفلسطيني بكل تفاصيله، قبل النكبة بعقود طيلة، وبيومياته التفصيلية منذ النكبة وحتى اليوم. كان استشراقها الخاص هو الذي يوجه تقافة الفلسطينيين الشعبية والعائلية والسيادية والنخبوية في كل مجالات النشاط، ويهيء المشهد الأول بتلقين الفلسطينيين عموما ثقافة العلاقة بالإستيطان اليهودي. كان الإقطاع واليسار ورجال الدين يؤدون دور الخيانة وسماسرة الأرض، وكانت فصائل العمالة الشعبية تسير على مستوى طبقي مواز لعملاء النخبة، حيث يقومون بنشر وتأجيج النزاعات العائلية، ونشر الإشاعات الهادفة. أما بعد النكبة فلا حاجة للتفصيل. تكفل الحزب الشيوعي الإسرائيلى بغزو العالم العربي والفلسطينيين قبل سنة 1967 بالإتصال مع الرفاق في الجانب الآخر، وبعد السلام بالتواصل الإجتماعي المباشر، فاخترقوا حرمة البيوت والأسر والأفراد ليوصلوا الرسالة. كانوا يشكلون شريحة حزبية كاملة ومدربة بقيادة إميل حبيبي المباشرة والميدانية. وإليهم يعود الفضل في نشر حلوى التحرر والتطبيع الإجتماعي والثقافي والأدبي بين الشباب الفلسطيني، بينما تكفل فحول فتح المطبعين سلفا وعلى رأثهم راسبوتين، والعملاء المباشرين من بينهم، بتطبيق أوسلو. أما نسور وبلابل الديموقراطية فحدث ولا حرج. وهكذا استطاعت إسرائيل أن ترسم ملامح الأنسان الفلسطيني والعربي السلبية في أذهان كثير من البشر في هذا العالم. مهرجون، نصفهم شعراء مضحكون، ونصفهم عملاء.

كانت الخيوط المسرحية تتلاقى وتتشابك وتشكل النسيج الفلسطيني المرتبك إلى درجة المرض، وتتحول إلى مدونات، ومقابلات إعلامية مختارة بعناية، وسفراء ثقافيين وأدبيين وفنانين من كل الأنواع لتشكل مشهدا لأناس يتراوحون بين التطرف والخيانة، أما النخب المقاومة فقد كان دمها يقدم بوصفه دما إرهابيا يتعين سفكه بكل الطرق، وبتأييد مباشر من بعض القيادات الفلسطينية وأشهرهم عباس والطاقم المخضرم من المتعاونين.

هكذا تشكلت صورة الفلسطيني بموافقة أكثرية الفلسطينيين. وهي صورة إعلامية للبؤس والإرهاب وعدم الإقناع المتراكم، كونت الموقف الدولي التقليدي من الفلسطينيين. صورة انتفع فيها المخرجون الدوليون والصهيونية بكل رموز الإدانة في العقل الغربي على وجه الخصوص.

وأخطر الضربات السياسية والمعنوية التي وجهت إلى السجال حول مصداقية العلاقة الوطنية والتاريخية للفلسطينيين بفلسطين، كانت في قيام التيار السياسي الدينوي، بتديين الصراع. كانت هذه هي الضربة القاصمة التي أسهم فيها هذا التيار لتصفية القضية الفلسطينية، حينما جعل من القدس والأقصى جوهرا تاريخيا للصراع مع اليهود. ومهما كانت نوايا هذا التيار وعلاقاته الدولية المشبوهة، فقد شكل هذا التحول الشعبوي الكاسح للفلسطينيين نحو طروحاته، الطعنة القاتلة التي وجهت (للزعم الوطني التاريخي) للفلسطينيين. لقد خسر السياق الفلسطيني كل مصداقيته التاريخية حينما اختصرت علاقته التاريخية بفلسطين بالتاريخ الهجري الحديث نسبيا، وتبنى الرواية الدينية للطرفين مبدءا زمنيا للصراع. ففي هذه الدائرة لا يمكن منافسة الزعم اليهودي بالأولية التاريخية في فلسطين خاصة في العالم المسيحي، وفي عالم يقر بالتعميم الثقافي بمصداقية شبه أكاديمية للتاريخ التوراتي. ففي حين أن الزعم اليهودي الديني هو ذاته المستند التاريخي لمزاعمه السياسية، فإن الزعم الإسلامي يشكل إقرارا بالتنازل عن أي سبق تاريخي للشعب الفلسطيني على اليهودية في منطقة النزاع. وهو يخرج تلقائيا ٍالبعد التاريخي من السجال، لصالح الزعم الديني الذي هو قطعا في صالح يهودية القدس ذاتها التي تعتبرها الثقافة الإيمانية الملزمة للفلسطيني عاصمة لمملكة النبي سليمان. اما ما تبقى من الوطن ذي الأولية الكنعانية العربية، بإقرار التوراة نفسها، فهو سيصبح قضية منسية، وتصبح المدن والقرى الكنعانية في فلسطين إرثا يهوديا بالقطعية الأيمانية للفلسطيني. وهو ما يحدث اليوم في مجال علم الآثار السياسي لليهودية، الذي يعتبر كل مكتشف كنعاني إرثا يهوديا تاريخيا. أي أننا أمام مشهد من مشاهد المهزلة، يتحول فيه التاريخ الفلسطيني إلى دين، والدين اليهودي إلى تاريخ. ولعل الرئيس الفلسطيني المنتخب كان يقصد بتصريحه حول التقسيم تحقيق نصر علماتي للصهيونية، مقابل النصر الدينتاريخي الذي ساهمت به حماس.

والآن يبدأ الفصل الأخير للمهزلة على سقوط الحق الفلسطيني التاريخي، بالإجماع العالمي والعربي والفلسطيني، لتعاد القضية بثوبها الإنساني الخالص إلى الأمم المتحدة، أي أهم معقل صهيوني في العالم، لاتخاذ قرار تاريخي بتعويض الفلسطينيين عن أثاث منازلهم الذي تركوه في فلسطين وإنشاء دولة يهودية ثانية في قطاع غزة، والجزء المتوفر عمليا من الضفة الغربية، تتمتع بالحكم الذاتي السياحي، وحق مطاردة اللصوص الليليين فقط.

هذا هو ملخص المسرحية، التي تم بموجبها تعديل التاريخ والإعلان عن محو شعب وقيام شعب آخر مكانه. وقد كانت الثورة الدرامية التي تم بواسطتها الإعلان عن ذلك، سابقة نوعية في تاريخ المسرح ومسرح التاريخ من حيث الأداء. فقد وقف الرئيس المنتخب للشعب المعتدي والمهزوم، يدين شعبه ويعترف بخطيئته التي تسببت في سقوط مئات آلاف القتلى من الجانبين، ألأمر الذي كان يمكن تجنبه لو وافق على التقسيم، ويطلب باسمه غفران العالم والتاريخ والشعب الأخر الذي وافق على التقسيم. كان هذا المشهد الختامي موقفا من مواقف الدينونة بكل رهبتها. خاصة، انها قدمت على خلفية الربيع العربي الذي ترافقه موسيقى الندم الشعبية، وتطالب فيه الجماهير بتسليم مصيرها إلى الإخوان المسلمين، تكفيرا عن خطاياها.

كان حنظلة جالسا إلى جانبي أثناء عرض المشهد الختامي. قال لي:

هل ستكتب ِشيئا؟

قلت:

لا يمكن تجاهل مشهد بهذه الروعة الفنية.

قال:

ألا تقول للفلسطينيين شيئا باسمي؟

قلت:

بشرط أن يكون مهذبا !

نظر إلي ببرود وقال:

لا تكتب شيئا إذن.

وانصرف.