العراق إلى الحرية.. والدور..

العميد الدكتور أمين محمد حطيط

عندما احتل العراق في العام 2003 سرى انطباع كاد ان يكون شاملاً مفاده بان اميركا لم تدخل العراق لتخرج منه خاصة انها اعتمدت في الدخول الحيلة والتلفيق والحرب المدمرة ( 200.000قتيل).

لكن بعد 5 سنوات من المواجهة الشرسة بين قوات الاحتلال وقوى المقاومة العراقية بشتى عناوينها الوطنية والقومية والاسلامية، اضطرت اميركا لتوقيع اتفاقية مع السلطة العراقية التي اقيمت في ظل الاحتلال، اتفاقية فضفاضة اسمتها اتفاقية امنية واسماها العراقيون اتفاقية سحب القوات، وقد تضمنت في متنها ما يشير بوضوح كلي الى ان اميركا ارادت ان تنتقل من الاحتلال القسري العلني الى الاحتلال الاتفاقي المقنع الذي قد يخدع المقاومة فيجعلها تدعي الانتصار وتتراجع عن المواجهة. ورغم ان مهلة تنفيذ الاتفاقية حددت بما لا يتجاوز العام 2011 ويخرج عندها المحتل فان قناعة الاميركي كانت خلاف ذلك حيث اعتبر النص للخداع وان مصير الاتفاقية سيكون تمديداً، وهنا نذكر ما قاله احد الجمهوريين –حزب بوش الذي وقع الاتفاقية- ان اميركا لن تخرج من العراق قبل 100 عام وان الاتفاقية قصاصة ورق تعدل متى شئنا.‏

لكن الاميركيين الذين قادهم طمعهم وغرورهم الى احتلال العراق وما امّلوه من انتاج نظام عالمي جديد حاولوا القفز فوق السمة الاساسية التي ظهرت في المنطقة في العقود الثلاثة الاخيرة بجدية وفعالية، وهي ظاهرة المقاومة التي تحرر، ان الاميركيين تحققوا من سوء تقديرهم، ورأوا ان في العراق مقاومة تؤلمهم، وبيئة محيطة تدعم المقاومة وتسندها ولا تتهيبهم، واذا كانت المقاومة في لبنان تمكنت من طرد الاحتلال الاسرائيلي بعد 18 عاماً فان المقاومة العراقية التي استفادت من خبرات سابقاتها ومن تعاظم قوة السند، تمكنت من تحقيق الانتصار على الاحتلال الاميركي وتطرده في اقل من نصف المدة تلك، فكانت مقاومة تكتب انتصارها بدماء شهدائها وعرق مقاتليها وحكمة قادتها، وسجلت ان 17 كانون الاول 2011 هو يوم تحرير العراق من الاحتلال الاميركي الذي خرج مهزوماً، في هزيمة استراتيجية سيكون لها التداعيات الكبرى على مسار الحركة الاقليمية والعالمية.‏

لكن المحتل الاميركي خرج تاركاً في العراق الغاماً لا بد للعراقيين من ان يعيروها الاهمية والعناية، لانها ستشكل تحدياً لهم في وحدتهم وامنهم، وعلاقاتهم الاقليمية والقومية فضلاً عن اقتصادهم الذي ارهقه المحتل وكبله بقيود تصادر الثروة. ونحن نثق بان من طرد المحتل بمقاومته، ورفض الضغوط الاميركية التي هدفت الى تمديد الاحتلال بتمديد الاتفاقية، وابدى جرأة وشجاعة في مد الجسور مع الجوار خاصة الايراني والسوري رغم ما يشكله هذا من استفزاز للاميركي المحتل، ان من فعل كل ذلك نراه قادراً على:‏

– منع تفعيل بذور الشقاق والفتنة التي قد تستنتج من نصوص اومواد في الدستور اومن افعال في الميدان وهي بذور ان فُعّلت قد تفتت العراق وتقسمه الى دول اواقاليم متناحرة.‏

– ضبط الامن والتخلص تباعاً من مخلفات الاحتلال من الشركات الامنية والمنظمات الارهابية التي تدعي الدين والعمل في سبيله ثم تقتل وتدمر وتنتهك الاعراض والكرامات.‏

– بناء العلاقات السليمة والوطيدة مع الجوار العربي والاسلامي بما يحفظ السيادة والقرار المستقل من جهة، ويقود الى التعاون والتكامل الامني والاقتصادي والسياسي معه من جهة اخرى. خاصة ان هذه الدول وبالتحديد سورية وايران قامت بواجبها القومي والاقليمي والديني في مساندة المقاومة العراقية لتواجه في ميدان القتال، ومؤازرة الحكومة العراقية لتواجه المحتل على طاولات المفاوضات والادارة لملفات التحرير.‏

– مراجعة الاتفاقيات التي وقعت مع المحتل لاستعادة ما يمكن ان يكون قد اغتصبه من ثروات العراق عامة ونفطه خاصة.‏

نعم ان العراق بما يملك من طاقات وما يبديه من التزام وطني وقومي واقليمي وكما صنع اعجاز التحرير ضد اعتى دولة في العالم وفي مهلة قياسية، نراه قادراً على فعل كل ذلك.‏

لقد انجز العراق تحرير نفسه من المحتل، ورغم ان الاحتلال بعد انسحابه ترك غدة دبلوماسية امنية مضخمة اسماها سفارة من 16000 شخص (وسفارات اميركا كما ثبت في لبنان ما هي الا اوكار تجسس ومراكز تدخل في الشؤون الداخلية للدول) من اجل حفظ مصالحه وشيء من نفوذه فان السلطة العراقية ايضاً ومستفيدة من جهوزية الشعب وطاقاته وارادته في فرض السيادة والقرار المستقل قادرة على تخطي مؤثرات هذه الغدة ومحاصرتها في مرحلة اولى، ثم تجفيفها وضبطها في مرحلة ثانية لجعلها سفارة كما نصت اتفاقية فيينا، دونما تجاوز.‏

ومع ما يحدثه تحرير العراق من سعادة للعراقيين وللعرب والمسلمين والاحرار ممن يعنيهم شأن العراق وسيادته وكرامته، فاننا ونحن السعداء بالتحرير الذي يتكامل مع تحرير لبنان في العام 2000 وتحرير غزة في العام 2005، تحرير يشكل الحلقة الثالثة من سلسة تحرير الامة والمنطقة، مع كل ذلك نتطلع الى مستقبل تلعب فيه العراق الدور الوطني والقومي والاقليمي الذي يؤهلها له موقعها وطاقاتها وحجمها الاستراتيجي العام. دور اذا لعبته سيرتد خيراً مباشراً عليها وعلى امتها ومنطقتها كلها. ويبدوان العراق لم يفوت ساعة واحدة ليتحرك للعب هذا الدور، حيث بدأ في يوم التحرير ذاته بالسعي لحل الازمة السورية في اطار عربي اقليمي يمنع التدخل الاجنبي ويحفظ للسوريين ارادتهم في السيادة والكرامة. دور ينبغي ان تتابعه العراق رغم انه اغضب كما يبدوالفريق العربي الذي حول الجامعة العربية الى اداة لخدمة المصالح الاميركية والصهيونية ضد سورية وشعبها. ان الحريصين على كرامة الامة والمنطقة وسيادتها سيشجعون العراق على لعب هذا الدور المفكك للالغام والمتفجرات التي وضعها خدام المصالح الاميركية على درب استعادة سورية استقرارها وامنها، نقول هذا رغم علمنا وما نلمسه من ردة فعل عنيفة ابداها هؤلاء العاملون ضد مصلحة سورية وشعبها، تصرف جاء على لسان القطري الذي شاء :‏

– قطع الطريق على المسعى الروسي، واظهار العرب في موقع الرافض لهذه المبادرة التي تمثلت في مشروع قرار في مجلس الامن يؤدي اعتماده الى الاقرار بأن في سورية عنفاً وإرهاباً تمارسه جماعات مسلحة خارجة على القانون، وبان الحل لا يمكن ان يكون إلا سورياً دونما تدخل اجنبي من اي طبيعة كانت.‏

– تنفيذ الحلقة الاخيرة من سلسة استعمال الجامعة العربية في مهمة تدويل الازمة السورية لاحراج روسيا والصين ومنعهما من استعمال الفيتو ضد اي مشروع غربي يستهدف سورية بشعبها ونظامها.‏

– اثبات الوجود ورفض فكرة استعادة العراق لدوره القومي والاقليمي، لان في تغييبه المترافق مع تغييب الدور المصري والسوري وانشغال السعودي ببيته الداخلي، ان في هذا التغييب فرصة للآخرين للعب ادوار الكبار والكل يعلم بان وجود الدول العربية الاربع التي ذكرت يعني توازن القرار العربي وقطع الطريق على نزوات الصغار.‏

لقد تحرر العراق فهنيئاً له حريته المستعادة، وبقي ان يجدَّ العراق السير للعب الدور الاستراتيجي المؤهل له انطلاقاً من الموقع والتاريخ والطاقات التي يملكها، اما التحديات فاننا على ثقة بان العراق سيواجهها باصرار حتى ينجح كما واجه الاحتلال بشجاعة وطرده