اللهم نسألك حسن الختام

فرهود عبد الودود

الاراضي المحتلة

صاحبا شرف الدين شيخ الواعظين كان طالبا بالجامعة , نشأ وترعرع في كنف أسرة ثرية ذات باع طويل في العلم وتاريخ عريق في السياسة , شرف الدين هذا هو ذاته بشحمه ولحمه شاب وسيم شاهق الطول , عريض المنكبين مشرق الوجه صحة وشبابا , كان لا يحلف إلا بالشرف ولا يعجبه الترف ولا البذخ مع انه كان لا يلبس إلا ما هو غال أنيق ويبتعد عن كل ما هو رخيص عتيق .

كان ينزل في كل صباح من باص الجامعة وحقيبته السوداء الأنيقة تتدلى من كتفه الأيسر مهرولا نحو الكفتيريا لتناول قهوة الصباح وسيجارته بين السبابة والوسطى , اعتاد أن يجلس في قاعة المحاضرات في الصفوف الخلفية ونظاراته خلف عيونه مخفية يناقش في كل مسألة وقضية متمرسا بكلامه متمردا بأفكاره على جميع صنوف الاستبداد والرجعية , وبذلك كان يستحوذ على اهتمام الآخرين بكلامه الهادئ الممتع وبأسلوبه السهل الممتنع , كان يعقد الندوات يحضر المؤتمرات ويتقدم المسيرات والمظاهرات دون أن يعترضه امن أو مخابرات بينما يتعرض أتباعه ومريديه لكافه صنوف الاعتقال والتنكيل دون أدنى حجة أو دليل .

ما لفت انتباهي وأثار فضولي انه كان على علاقة وطيدة مع دكتور العلوم السياسية مستر جان وهو من بلاد العم سام والذي تبين لاحقا انه لم يكن مستر جان بل كان مستر دان ( داني ) بل كان مستر دان الذي تتلمذ على يديه الشياطين والجان والذي كان من عادته بعد أن يجند العملاء ويستهلكهم وينتهي دورهم يلقي بهم إلى الهاوية قائلا لهم : اذهبوا بستين داهية , انتم لستم أبناء آبائكم بل أنجبتكم أمهاتكم من رجال آخرين غير آبائكم , انتهى دوركم والى الجحيم مآلكم بأس ما صنعتم أيها الجواسيس الخونة .

تخرجت الدفعة الحادية والعشرون من طلاب العلوم السياسية وانتشرنا في الأرض نسعى في مناكبها باحثين عن دورنا في هذه الحياة وانقطعت الأخبار بيننا , وبعد عدة سنين فاجأني ظهوره على شاشة التلفاز وقد أصبح ذاك الشاب الأنيق في مركز رفيع ظننت انه لا حق عنده يضيع .

وما هي إلا فترة قصيرة حتى أيقنت بان سياسة صاحبنا شيخ الواعظين تتقاطع تماما مع السياسة العامة في واشنطن وتل أبيب , عندها أدركت تماما انه لم يكن سوى كيان انبثق عن تزاوج حمار قبرصي مع فرس عربي أصيل , فتغلبت جينات الحمار على جينات الفرس الأصيل فأصبحت لديه سياسة الإستحمار ديدنا بعد إن رسمها له الاستعمار وبذلك لم يعد ينتمي للعروبة في شيء سوى الاسم واللسان .

لا نسرد هذه القصة لذاتها وإنما لكونها عينة تتمثل فيها نخبة واسعة من المثقفين انبثق عنها النخبة السياسية التي حكمت البلاد والعباد لعقود خلت في الكثير من بلدان العالم العربي وبصرف النظر عن الوسيلة التي وصلت بها إلى الحكم فالنتيجة واحدة والهدف واحد ألا وهو المال والسلطة , وكل من يعترض على ذلك يسجن أو يهمش أو يذبح ويسلخ ويقدم قربانا لآلهتهم , وان كل ما يحققون من أهداف التي قد تعتبر في نظر الكثير عظيمة لا تتعدى كونها الفتات الذي يسقط من أفواه حكماء صهيون , فهؤلاء ليس لهم مذهب أو طائفة أو دين إنهم متلونون متغيرون وفق للظروف والأحوال فهم يحملون مسميات عديدة وأرقام كثيرة , تبدأ من الرابع عشر من الشهر ولا حرج إن أضيف إليها أرقام أخرى , فالجميع واحد وان اختلفت الأسماء , المجرمون يُعرفون بسيماهم ومن مواقفهم وخطاباتهم السياسية المخجلة التي لا تُعد ولا تُحصى , فمثلا عندما كانت إيران تُحكم من قبل دكتاتور طاغية أُطلق عليه ملك الملوك      ( شاه إيران ) لم يكن احد يهوى العزف على وتر الشيعة والسنة وكان العرب جميعا يهرعون كل عام يباركون له باليوبيل الذهبي يقبلون قفاه ويطلبون رضاه .

أمّا اليوم وبعد قيام الثورة الإيرانية فأصبحت إيران الثورة إيران العزّة التي دعمت المقاومة الاسلامية في لبنان وغزة إيران التي تميزت بمسيراتها المليونية في يوم القدس العالمي هاتفةً بشعار الموت لإسرائيل الحرية لفلسطين أصبحت في نظر هؤلاء الخوارج دولةً مارقة مُستبدة تسعى لامتلاك الطاقة النووية لتشييع شعوب المنطقة وإبادة أهل السُنة  .

بينما إسرائيل التي قامت على أشلاء شعب فلسطين ومجازرها في كفر قاسم وقبية ودير ياسين وقانا الأولى والثانية أصبحت بنظر هؤلاء الأعراب دولةُُ ديمقراطيةُ صديقة تمتلك أسلحة الدمار الشامل والقنابل النووية من أجل الذود عن حياض الأمة  .

 أما في مفاوضات السلام فحدث ولا حرج لسان حالهم يقول : ما ترك قوم الاستسلام إلا هلكوا ولا تقنطوا من عطف ورحمة ليبرمان فهو مثال الحرية والأمان , وهو الأخ والصديق وصمام الأمان , ساركوزي وصف نتياهو بالكذاب الأشر أما العرب فتاهوا في أكاذيب نتنياهو , المقاومة في لبنان مغامرة وحركة رعناء غير محسوبة والمقاومة في غزة عبثية ومقامرة , أما الاحتجاجات في البحرين فهي مؤامرة خارجية غادرة , أما عن تهويد القدس وفلسطين فالإرادة العربية لم يصلها أي خبر وفك الحصار عن غزة فاسألوا أمير قطر .

وأما عن المصالحة الفلسطينية فهو أمر فوق طاقة البشر لسان حالهم يقول في مبادرة السلام العربية بأنها ما زالت على الطاولة وستبقى بينما الحوار مع الحكومة العربية السورية المقاومة لا فائدة منه أبدا , يقولون أيضا بان الحوار بين السوريين لِحقن دمائهم وإصلاح بلدهم أمر في غاية الخطر أما تسليح المعارضة السورية فهو أمر ضروري فيه حكمة ونفاذ بصيرة وبعد نظر .

أما دعوة التدخل الخارجي في سوريا فهو مشروع سلام يهدف إلى إنقاذ الشجر والحجر وحماية البشر , رأيهم في الفيتو الروسي الصيني يأتي من باب النهي عن المعروف والأمر بالمنكر وهو غير محمود أبدا .

 هذا غيض من فيض واللائحة تطول ولا قبل لنا بسرد كل ما هو غير معقول ولكنني اكتفي بان اختم وأقول :

اتقوا الله في شعوبكم وأوطانكم فهذه الدنيا فانية ويوم البعث آت , والنار قادمة فعندما ينتهي دوركم , الموت بانتظاركم وموعد الرحيل يدق أبوابكم , أنصحكم بان تدخلوا التاريخ من أوسع أبوابه قبل أن يلفظكم من بوابته الخلفية لان رحمة الله واسعة وإياكم وإتباع الشيطان الأكبر لأنه سيؤدي بكم إلى عواقب وخيمة واسألوا الأمم التي خلت من قبلكم .

نتمنى لكم أن تكونوا خير الأنام  واسأل الله لكم حسن الختام .