الأطماع الإمبريالية في منطقة الصحراء الكبرى

الجزء الأول

الطاهر المعز

 

الوضع الإقليمي، وظروف الإنقلاب العسكري في مالي

ورد في أنباء الأسبوع الأخير من شهر آذار مارس 2012، خبر الإطاحة بالرئيس المالي “أحمدو توماني توري”، قبل 5 أسابيع من الإنتخابات المقررة ليوم 29/04/12، ولم يكن الرئيس من ضمن المترشحين، امتثالا لأحكام الدستور الذي يمنعه من الترشح لفترة رئاسية ثالثة:  “أطاح ضباط متمردون من ذوي الرتب الصغيرة بالرئيس “امادو توماني توري”، صباح الخميس ( 22/03/2012) وقالوا ان حكومته لم تدعم بشكل كاف المعركة التي يخوضها جيش مالي ضد تمرد يحرز تقدما بقيادة الطوارق في الشمال الذي يعج بالاسلحة والمقاتلين الذين كانوا موالين للقذافي ثم فروا من ليبيا.” (رويترز 25/03/2012). “كشف مسئول في وزارة الحرب الأمريكية (باتريك بارنز مسئول القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا “أفريكوم”) أن قائد الانقلاب العسكري في مالي الكابتن “أمادو هيا سانوغو” تلقى تدريبا عسكريا ومخابراتيا في الولايات المتحدة في عدة مناسبات، كما تلقى تعليمًا عسكريًّا احترافيًّا، يشمل تدريبات للضباط الأجانب الذين يختارهم مسؤولو سفارات الولايات المتحدة في بلدانهم، ويتم التدريب في صفوف مشاة البحرية والمخابرات.” (واشنطن بوست 25/03/2012). وتوفر الولايات المتحدة تدريبا للجيش المالي على مكافحة الارهاب، ومساعدة مالية قدرها 140 مليون دولارا، وشاركت القوات الأمريكية عدة مرات (منذ 2010) في قصف مواقع المتمردين الطوارق شمال البلاد.

ساهم هذا الإنقلاب في تغيير النظرة السائدة عن جمهورية مالي، على انها “دولة ديمقراطية مستقرة نسبيا في محيط مضطرب، تتخلله الانقلابات والعصيان المدني وحركات التمرد.”، وهي حليف للحكومات الاقليمية والغربية في برنامج “محاربة الإرهاب” ومنع الهجمات وعمليات الخطف التي تقوم بها مجموعات محسوبة على القاعدة.  ومنذ حوالي سنتين، كثفت فرنسا محادثاتها مع الجزائر وموريتانيا، ثم مع مالي والنيجر، نظرا للمصالح الفرنسية في المنطقة (الإقتصادية والسياسية والإستراتيجية)، وقام الجيش الفرنسي بدفع الجيش الموريتاني للقيام بعمليات عسكرية داخل أراضي مالي، لتحرير رهائن فرنسيين كانوا يعملون في شركة “آريفا” الحكومية الفرنسية المختصة في استخراج اليورانيوم وتصنيع الطاقة النووية، ونقل ومعالجة ودفن النفايات.

ومنذ عودة آلاف الطوارق المسلحين، من ليبيا، بعد سقوط نظام معمر القذافي، تكثفت عمليات المتمردين، مما أثار خوف جيران مالي، خاصة النيجر والجزائر، حيث تعيش نسبة كبيرة من الطوارق الذين قد تحذوهم الرغبة في الانضمام إلى الحرب من أجل “أزواد” مستقلة.

وبعد تأزم الوضع بين متمردي الطوارق والحكومة المالية، وتكاثر عدد اللاجئين من شمال مالي إلى النيجر والجزائر (منذ خريف 2011)، حاولت الجزائر فرض وقف إطلاق النار، وخططت لعقد قمة دولية لدراسة الوضع في شمال مالي، بمشاركة الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، “لبحث تمويل صناديق التنمية في المنطقة وملاحقة الإرهابيين”، بهدف حرمان “الإرهابيين” من قاعدة خلفية مهمة، في منطقة تتميز بوعورة التضاريس، وضعف أو غياب الدولة المركزية. لكن هذا الإنقلاب أحدث تغييرا في “جدول أعمال” وأولويات دول المنطقة. وحدث هذا الإنقلاب خلال مرحلة غليان جماهيري في منطقة افريقيا الغربية: احتجاجات وانتفاضات في كل من بركينا فاسو، مالي، السينغال، وإضراب عام في نيجيريا، ومظاهرات في باماكو (عاصمة مالي). ففي حين تبدو مظاهر الثراء الفاحش واضحة لدى فئة صغيرة من المستفيدين من النمو (بمعدل 5 بالمائة في دول افريقيا الغربية)، تعيش أغلبية المواطنين في حالة فقر وعجز عن اقتناء ضروريات الحياة، بالإضافة إلى غياب المرافق الضرورية والخدمات الإجتماعية والصحية وخصخصة قطاعات الصحة والتعليم والنقل والطاقة (الكهرباء)، وتفشي الأمراض الفتاكة كالملاريا والسل وفقدان المناعة، وشلل الأطفال، والإسهال، جراء انعدام المياه النقية والصرف الصحي، إضافة إلى النسب المرتفعة لوفاة الرضع والأمهات أثناء الولادة، ونسبة الأميين والعاطلين عن العمل، وتدني معدل الأمل في الحياة عند الولادة الخ.

كانت أسباب الإنقلاب المعلنة هي الإحتجاج على ضعف الحكومة، أمام تمرد الطوارق، وعدم تسليح الجيش بما فيه الكفاية لمواجهته، ولكن الإنقلاب اعطى نتائج عكسية، حيث احتل المتمردون الطوارق حوالي نصف مساحة البلاد وأهم مدن الشمال والمساحات الغنية بالمعادن وأعلنوا استقلال “أزواد”، بعد تشريد أكثر من 200 ألف مواطن مالي (إحصاء الهيئة العليا للاجئين يوم 3 نيسان 2012). وقد شجع الوضع الدولي، وسقوط مبدأ “احترام الحدود الموروثة عن الإستعمار”، الذي كان سائدا زمن “الحرب الباردة”، المتمردين الطوارق لإعلان استقلال إقليم “آزواد”، خصوصا بعد ضغط ما سمي ب”المجتمع الدولي” وإرغام السودان على قبول انفصال جنوبه الغني بالنفط والمعادن والأراضي الخصبة، وبعد زعزعة استقرار الكونغو (كنشاسا)، وتقسيمه إلى مناطق نفوذ الجيران (رواند وأوغندا.) الخاضعين بدورهم إلى القوى الإمبريالية (الأمريكية خصوصا).

يعتبر هذا الإنقلاب أحد “الآثار الجانبية” للحرب الأطلسية على ليبيا، إحدى البلدان المتاخمة للصحراء، وثالث  أكبر منتج للنفط في افريقيا. ولا يمكن الحديث عن هذا الإنقلاب بمعزل عن مخطط إمبريالي أمريكي (وأوروبي) شامل، يستهدف افريقيا، والوطن العربي، من خلال نشر “الفوضى الخلاقة”، وبرنامج “أفريكوم” و”مشروع الشرق الأوسط الكبير” (أو الجديد)،  (إضافة إلى المخطط الفرنسي ثم الأوروبي، الفاشل، “الإتحاد من أجل المتوسط”)، وضمن مخطط السيطرة على مصادر إنتاج الطاقة ومعابرها، ومحاصرة المنافس الصيني الذي تغلغل في أفريقيا منذ بداية الألفية الثالثة الخ، ولا يمكن عزل انفصال جنوب السودان عن هذا المخطط الرامي إلى السيطرة على مصادر الطاقة ومحاصرة المنافس الصيني، وتفتيت وإضعاف عدد من الدول، في افريقيا والوطن العربي.

 تعتبر المنطقة المحيطة بالصحراء الكبرى مجالا للهيمنة التقليدية للإمبريالية الفرنسية، التي استعمرت عسكريا كافة الدول المحيطة بها، باستثناء ليبيا، وتسيطر على حكوماتها ومواردها، وتنظم الشركات والمخابرات الفرنسية الإنقلابات ضد الحكومات التي لا تستجيب لرغباتها، وترسل فرقا من المرتزقة للتخريب وإذكاء الفتن، وتمويل عمليات التمرد (جزر القمور، البنين، تشاد، ساحل العاج، الكونغو، الغابون.) ولا زالت تحتفظ بقواعد عسكرية في 5 دول على الأقل، إضافة إلى مصالحها الإقتصادية في غرب افريقيا وشركاتها العديدة التي تعتبر افريقيا مجالا حيويا لها (مواد أولية، معادن، نفط، اتصالات، طاقة، استغلال موانئ وبنية تحتية.)، ويوجد حوالي مليون فرنسي يعملون في افريقيا، وتعرض بعض المواطنين الفرنسيين (منهم جواسيس) للإختطاف. ورغم الصورة العامة للرئيس “أحمدو توماني توري” على انه “جندي الديمقراطية” الثابت (وهو عسكري في الأساس، قام بانقلاب سنة 1991، ثم سلم السلطة إلى المدنيين، ووصل إلى الرئاسة بالإنتخاب، سنة 2002)،  يبدو أن بعض القوى الإمبريالية مثل فرنسا وأمريكا لم تكن راضية عن جهود حكومته في مواجهة تهديد القاعدة وحلفائها في شمال مالي الصحراوي النائي، ويتهم أحيانا “بانه يستخدم حجة مكافحة الارهاب لدعم موقعه في السلطة” وتتهمه ايضا بعدم محاربة الفساد وبالبيروقراطية والتسيب، وثمة من يتهم بعض أعضاء حكومة “توري” بالتسامح سرا مع شبكات المتمردين والقاعدة في الشمال، للاستفادة من تهريب المخدرات  والأسلحة والأنشطة غير المشروعة الاخرى المزدهرة في المنطقة الصحراوية. ويبلغ تعداد سكان مالي حوالي 15 مليون نسمة يعيش نصفهم بأقل من 1,25 دولار يوميا.

تهدد المجاعة حوالي 16 مليون نسمة في المنطقة المحيطة بالصحراء، نتيجة للعوامل المناخية (الجفاف) ولارتفاع أسعار المواد الغذائية (الحبوب والزيوت النباتية)، وارتفاع معدلات البطالة، خصوصا بعد فرار حوالي 250 ألف عامل من ليبيا، وعودتهم إلى بلدانهم الأصلية (النيجر، مالي، تشاد.)، وتتخوف المنظمات الدولية من حدوث انتفاضات على غرار ما حدث سنة 2008، سنة الإرتفاع القياسي لأسعار المواد الغذائية الأساسية، وتضرر الأطفال من انعدام الأمن الغذائي، حيث تعتبر نسبة وفيات الأطفال (أقل 5 سنوات) في منطقة “الساحل” الصحراوي هي الأعلى في العالم.

الأهمية الإستراتيجية للصحراء الكبرى

تمتد الصحراء من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر (انظر الخارطة المرفقة)، عابرة حدود 10 دول، على مساحة قدرها 8,6 مليون كلم مربع، بطول 4500 كلم وعرض يتراوح بين 1500 و1800 كلم، وتحتوي على 5 سلاسل جبلية وعرة، ويبلغ ارتفاع قمة سلسلة جبال “تيبستي” (جنوب ليبيا، شمال تشاد) 3415 مترا، وسلسلة جبال “الهقار”  (جنوب الجزائر) 2918  مترا، ومناخها قاسي وجاف، تبلغ درجة الحرارة 55 درجة مئوية، صيفا وتنخفض إلى 5 درجات تحت الصفر خلال ليالي الشتاء،. أما ما سميت منطقة “الساحل” فهي المنطقة المحيطة بالصحراء، التي تحدها جنوبا مالي والنيجر وتشاد، وتحدها من الجانب الشمالي والشرقي موريتانيا والجزائر وليبيا. يسكن المنطقة المحيطة بالصحراء حوالي 80 مليون نسمة، سنة 2008، وقد يقارب عددهم 120 مليون نسمة بحلول سنة 2025، ويعاني حوالي 7 ملايين نسمة من نقص الغذاء بشكل مستمر، إضافة إلى خطر التصحر الذي أتى على أرض بعمق 250 كيلومتر، وامتداد 6000 كيلومتر، خلال قرن واحد، مما يعرض الرعي وتربية الحيوانات وزراعة الحبوب، إلى الخطر، وبالتالي حياة البشر الذين يعيشون في منطقة الصحراء، وانخفاض نسبة المياه في نهر النيجر وفي بحيرة التشاد (حيث انخفضت نسبة المياه إلى الثلث خلال نصف قرن)، ويحتوي باطن الصحراء على أكبر مائدة مائية عميقة في العالم، وعلى اليورانيوم والنفط والغاز والذهب واللؤلؤ والكوبالت، وأكثر من 30 معدن، ومنها النادر والنفيس. ولم تستفد شعوب المنطقة المتاخمة للصحراء من خيراتها، فسكان جنوب الجزائر، حيث حقول النفط والغاز، يعانون من البطالة والفقر، ويقومون بتحركات احتجاجية بشكل مستمر، أما في النيجر فإن نصف السكان في حالة مجاعة، وتعاني نسبة هامة من سكان تشاد ومالي وموريتانيا من الخصاصة والجوع والفقر. ولم تسدد “الدول المانحة” سوى ثلث المبالغ المالية التي التزمت بدفعها. وتعتبر النيجر نموذجا صارخا للنتاقض بين ثراء باطن الأرض وفقر السكان الذين يعيشون على سطحها، حيث تستغل مجموعة الطاقة النووية الفرنسية “آريفا” (أكبر شركة طاقة نووية عالمية، والوحيدة التي تدير كافة العمليات من استخراج اليورانيوم إلى معالجة ودفن النفايات)، يورانيوم النيجر الذي يغطي نصف احتياجاتها. كما تستغل مؤسسة النفط الوطنية الصينية نفط النيجر ومعادن أخرى وتشغل السكان المحليين في ظروف أقرب إلى القنانة أو العبودية منها إلى الإستغلال الرأسمالي، وتعد الشركتان الفرنسية والصينية، أكبر مستثمرين في النيجر، الذي لا يزال من أفقر بلدان العالم. وتعتزم أوروبا تنفيذ “الخطة الشمسية المتوسطية”، لاستغلال شمس جنوب المغرب العربي، وتحويلها إلى طاقة شمسية، مربوطة مباشرة بشبكة الطاقة الأوروبية، التي تستأثر بها، ورصدت لها اعتمادات قدرها 600 مليون دولارا سنويا، وأقر “نادي روما”، بالإشتراك مع مؤسسات مالية وصناعية أوروبية (خاصة من ألمانيا) خطة تحت اسم “ديزرتيك”، تتلخص في نشر “حقول من المرايا” لجمع أشعة الشمس، وتحويلها إلى طاقة تولد يوميا أكثر من 15 بالمائة من احتياجات أوروبا من الطاقة “النظيفة”، وهو مشروع أوروبي، لمصلحة أوروبا، مضر بالبيئة وبسكان المنطقة، لأنه يتطلب كميات كبيرة من المياه (لتنظيف المرايا، من آثار غبار الرياح الرملية، ولتبريد المحركات)، وتبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع 400 مليار دولارا، على أقل تقدير. وهناك مشروع أمريكي أوروبي مشترك لإنشاء خط أنابيب عابرة للصحراء، لنقل 30 مليار متر مكعب، سنويا، من الغاز من خليج غينيا، ونيجيريا والنيجر والجزائر، نحو أوروبا، بكلفة أولية قدرت ب 15 مليار دولار.

 

الدور الفرنسي

تذرعت فرنسا بانعدام الأمن واختطاف 5 من العاملين في مناجم اليورانيوم في منطقة “أرليت” التي تستغلها شركة “آريفا”، لتعزيز تواجدها العسكري المباشر في النيجر والبلدان المجاورة. وكان مطلب التوزيع العادل للثروات الناجمة عن استغلال اليورانيوم، محورا من محاور تمرد “الطوارق” في النيجر خلال تسعينات القرن الماضي وخلال سنوات 2007- 2009، وقامت فرنسا بتكثيف حضورها العسكري إلى جانب شركات المرتزقة، في منطقة “آغاداز”، وفي محيط مناجم “أرليت” و”إيمورارن”. استخرجت شركة “آريفا” الحكومية الفرنسية أكثر من 100 ألف طن من اليورانيوم (من النيجر)، خلال 40 سنة، أو ثلث مجموع إنتاجها من اليورانيوم الصافي، أو ما يكفي لتشغيل 20 مفاعل نووي، سنويا. بدأت فرنسا في استغلال اليورانيوم في النيجر سنة 1967، ولما طالب الرئيس “حماني ديوري” بحصة أكبر من ثروات البلاد (مستغلا أزمة النفط، بعد حرب اكتوبر 1973، وقرار اعتماد فرنسا على الطاقة النووية)، نظمت فرنسا انقلابا ضده بقيادة “سيني كونتشي”، يوم 15 نيسان 1974، بإشراف الجيش الفرنسي المتواجد على أرض النيجر، وعانى شعب النيجر من القمع والخصاصة في عهده. وأعادت فرنسا الكرة سنة 2010، ضد الرئيس “مامادو طانجا”، الذي فتح باب المنافسة لاستغلال مناجم النيجر، واتفق مع الشركات الحكومية الصينية (والإيرانية) لاستغلال النفط وبعض المعادن الأخرى، وتوقيع عقود معها لأشغال البنية التحتية. واتهمته فرنسا ب”عدم احترام دستور البلاد (النيجر) باعتزامه الترشح لفترة رئاسية ثالثة، وأزاحته بواسطة القوة و”المجتمع المدني”. وتسبب استغلال شركة “آريفا” لمناجم اليورانيوم في مصادرة الأراضي التي يستغلها الرعاة ومربو الحيوانات وتلويث المحيط والبيئة بالغازات السامة والنفايات والإشعاعات القاتلة (مثلما فعلت في الغابون)، وتهجير عشرات الآلاف من أصحاب الأرض الشرعيين، وانتشار الأمراض الجلدية والسرطان والولادات المشوهة.

يتوزع 10 آلاف جندي فرنسي في القواعد العسكرية الفرنسية في افريقيا، للحفاظ على مصالحها، وتربطها اتفاقيات عسكرية مع عدد من مستعمراتها السابقة، تشرع تدخل الجيش الفرنسي في الشؤون الداخلية لهذه البلدان، وتدخلت فرنسا عسكريا، لفض مشاكل داخلية في الكامرون والتشاد وافريقيا الوسطى وجزر القمور والكونغو الديمقراطية وساحل العاج وغينيا بيساو وجيبوتي وخليج عدن الخ، وساهم الجيش الفرنسي في جرائم الحرب في رواندا والكونغو برازافيل. وتعتبر فرنسا رابع دولة مصدرة للسلاح في العالم (بعد أمريكا وبريطانيا وروسيا)، بمعدل 6 مليار يورو سنويا (قد يبلغ 8 مليار يورو أحيانا)، وضاعفت من مبيعاتها للدول الافريقية بين سنتي 2006 و 2008، من 16 إلى 38 مليون يورو، خصوصا للدول التي اكتشف فيها النفط والمعادن (تشاد، غينيا، الكامرون.)

أصبحت الهيمنة الفرنسية مهددة من قبل أمريكا التي تعاظم اهتمامها بافريقيا وبثرواتها المعدنية (منذ سقوط جدار برلين)، وبمشروعها العسكري “أفريكوم” (الذي دخل حيز التنفيذ)، كما أصبحت الصين منافسا جديا لكل من فرنسا وأمريكا، في قارة افريقيا، بما في ذلك المستعمرات الفرنسية السابقة. إضافة إلى منافسين آخرين “أقل خطورة” في الوقت الحاضر، مثل الهند وتايوان وكوريا الجنوبية واليابان.

الإقتصاد الموازي وتمويل الإرهاب

يقدر أحد أعضاء الحكومة الجزائرية المداخيل المتأتية من الإختطاف مقابل فدية، ب 150 مليون مليون يورو، من سنة 2005 إلى منتصف سنة 2010، ويمثل هذا المبلغ 95 بالمائة من “تمويل الإرهاب”، ويعرض الإرهابيون حمايتهم على العصابات التي تهرب المخدرات أو السجائر أو الراغبين في الهجرة نحو أوروبا، عبر الصحراء مقابل “ضريبة”، وتبادل معلومات، وتقديم خدمات مفيدة للطرفين (ضد حكومات المنطقة ومؤسساتها الأمنية). وحسب تقديرات الديوان الجزائري لمكافحة المخدرات فإن 240 طنا من الكوكايين عبرت أراضي القارة الإفريقية، سنة 2008 ، قادمة من البرازيل والبيرو وكولومبيا، ووقع حجز 52 طنًا من مجموع 75 طنًا سنة 2009 في المنطقة المحيطة بالصحراء فقط. وحدث أن ترك المهربون طائرة “بوينغ”، إثر عطب أصابها في الصحراء، بعد إفراغ حمولتها من المخدرات. وتشير مختلف التقارير الصحفية والأمنية إلى دور حكومة وجيش غينيا بيساو في استقبال وتوزيع مخدرات أمريكا الجنوبية، نحو أوروبا، عبر الصحراء، مقابل “ضريبة” يستفيد منها الضباط وكبار الموظفين.

 انطلقت موجة الاختطافات المتصلة بالإرهاب سنة 2003 عندما اختطفت إحدى المجموعات 30 سائحًا أوروبيًا في الصحراء الجزائرية، ووافقت ألمانيا على دفع فدية بقيمة 5 مليون أورو (معلنة)، وأصبحت اختطافات السياح الأوروبيين مصدرا هاما للدخل “للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.  وفي شمال الجزائر يستهدف الإرهابيون الأثرياء وكبار التجار لحصد فديات ضخمة، ويعتقد أن الجزء الأكبر من هذه “المداخيل” يستغل في شراء الأسلحة التي يسهل اقتناؤها في بعض مناطق افريقيا، التي عرفت حروبا أهلية، كما يخصص جزء من هذه الأموال لأعيان المناطق التي تتحرك فيها عناصر “القاعدة” (أو فروعها)، ويخصص جزء آخر لحفر آبار أو بناء مدارس أو محلات تمريض، لضمان ولاء السكان، أو “حيادهم الإيجابي”. وكانت الحكومة الجزائرية تؤكد على رفض دفع الفدية ورفض التدخل الأجنبي، معتبرة “أن محاربة الإرهاب في الساحل هي مسألة تخص بالدرجة الأولى بلدان المنطقة، ولا مجال لأي تدخل أجنبي. .. لأن الغرب لم يهتم بالساحل الافريقي، سوى لاستغلال ثرواته الطبيعية ولمصالح اقتصادية أخرى واستغلال الفقر وامتداد المنطقة على مساحات شاسعة، مما يضعف سيطرة الحكومات المركزية.”، لكن موقف الحكومة الجزائرية من التدخل الأجنبي تغير، وأصبحت تدعو إلى “التعاون” مع الإتحاد الأوروبي ومع أمريكا، شرط تكريس و”احترام الدور الإقليمي للجزائر”.

وضع  الطوارق في الخارطة السياسية والإقتصادية

يقدر عدد  السكان الطوارق ب 1,5 إلى 2 مليون نسمة موزعين على عدة دول أهمها مالي والنيجر والجزائر، وهم السكان البرابرة (أمازيغ) الأصليون، لمنطقة صحراوية شاسعة، ذات كثافة سكانية ضعيفة، وهم ريفيون يعيشون من الزراعة، أو رحل يتنقلون مع حيواناتهم حيث الكلأ والماء. قاوم الطوارق احتلال فرنسا لعدة دول إفريقية منذ نهاية القرن 19  وقتل الفرنسيون زعيمهم “الأمنوكال فهرون” سنة 1916. وبعد استقلال مالي، بقي الطوارق مهمشين نظرا لبعدهم عن المراكز الحضرية وقلة المتعلمين والحاصلين على شهادات، ضمن أبنائهم، وبالتالي عدم حصولهم على مناصب عليا، سياسية أو إدارية أو عسكرية. وطالبوا بعد استقلال مالي (حيث تسكن أغلبية الطوارق) برفع التهميش، وبحق امتلاك الأراضي والحفاظ على خصوصياتهم الثقافية واللغوية غير أن حكومة الرئيس “موديبو كايتا” قمعت هذه الحركة وزجت برموزها في السجون، وتكررت حركات التمرد في مالي وأهمها حركة أوائل التسعينيات من القرن الماضي، فبادرت الحكومة إلى إرسال قواتها المسلحة إلى شمال البلاد بهدف سحق تمردهم. وعاد الطوارق إلى التمرد المسلح خلال العقد الأول من القرن الحالي، بشكل متقطع، إلى أن ظهرت بوادر تأزم الوضع من جديد في إقليم “أزواد” ( شمال مالي وجنوب غرب الجزائر وجنوب موريتانيا) عندما كثف الحلف الأطلسي غاراته على ليبيا، لإسقاط نظام معمر القذافي، الذي استقبل  زعماء الطوارق، بعد توقيع اتفاقتي إنهاء الصراع المسلح سنة 1992 (برعاية الجزائر) بين الحكومة المالية وقادة التمرد تحت إسم “الميثاق الوطني”، ثم “اتفاقية الجزائر” (4 تموز  2006 ) بين ممثلين عن دولة مالي، وممثلين عن “التحالف الديمقراطي ل 23 أيار من أجل التغيير”. وبعد خروجهم من ليبيا، أصبح قادة الطوارق يبحثون عن حل بديل، تجسد في العودة إلى مطالب التسعينات، مع رفع سقف الطموحات من مطلب التنمية الاقتصادية لشمال البلاد (أقاليم كيدال، غاوة، تمبكتو) إلى مطلب الاستقلال، خصوصا بعد جمع كميات هائلة من السلاح بأنواعه الخفيفة والثقيلة، من ليبيا ومن ثكنات الجيش المالي. انطلق التمرد الأخير لطوارق مالي في شهر آب 2011 ، بعد وفاة “إبراهيم آغ باهنغا” في حادث سير في طريق عودته رفقة بعض أنصاره إلى شمال مالي قادما من ليبيا، وهو زعيم لقبيلة “إيفوغاس” الطوارقية، وأحد قادة تمرد التسعينات من القرن الماضي، الرافضين لاتفاقية السلام، وإثر موته بدأ أنصاره يطالبون، بواسطة البيانات “بحق الطوارق في العيش الكريم وتقرير المصير والحصول على حكم ذاتي” وانضمت إليهم في وقت لاحق مجموعات من المسلحين العائدين من ليبيا، وأسسوا معا “الحركة الوطنية لتحرير أزواد MNLA” التي اختارت نهج المواجهة المسلحة في 17/01/2012 ، بدعم من حركة “أنصار الدين” ذات التوجه الإسلامي التي أسسها القنصل السابق في السعودية “إياد آغ غالي”.

تبلغ مساحة المنطقة الواقعة بين “تمبوكتو” و “غاو” و “كيدال” 820 ألف كيلومترا مربعا، أو 66 بالمائة من أراضي مالي، يقطنها قرابة 1,3 مليون نسمة سنة 2009 (بين طوارق وعرب وصونراي) أو 9 بالمائة من سكان البلاد، وتحتوي منطقة “كيدال” على أكبر منجم للذهب في مالي، بمخزون يقارب 160 طنا، وتحتوي منطقة “تمبوكتو” على مخزون كبير للنفط والغاز (يمتد إلى الجزائر وموريتانيا)، في حوض “تاوديني”، الذي يراهن المستثمرون والشركات متعددة الجنسية على استغلال ثرواته، وتسويق الغاز عبر الجزائر.

كما اندلعت في النيجر حركة عصيان مسلح، منذ عقود، سميت “”حركة النيجر من أجل العدالة”، استهدفت الشركات الأجنبية والعاملين فيها، وقاومت  الحكومات المُتعاقبة التي لم تمكنهم من الاستفادة من عائدات صناعة اليورانيوم المزدهرة في هذا البلد، والتي تستغلها الشركة الفرنسية “آريفا”، والنفط الذي تستغله الشركات الصينية. فضلاً عن الضرر الكبير الذي لحق أراضيهم الخصبة جراء وجود الصناعات التعدينية. ورغم تنوع الإنتماءات في صفوف المتمردين الطوارق الا أن الإنفصاليين يشكلون الغالبية العُظمى في مالي، من خلال حركتي “الحركة الوطنية لتحرير ازاواد”، التي يتزعمها “بيلا آغ شريف” (أمين عام)، بينما يتزعم جناحها العسكري “محمد آغ نجم”، وحركة “أنصار الدين”، التي يتزعمها “اياد آغ غالي”، وهو من الأعيان، وقنصل سابق في السعودية، ذو نزعة سلفية، وأحد زعماء الطوارق المعروفين، وترتبط حركته “بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي”. وحاولت الحكومة المالية قمع التمرد بالقوة العسكرية الجوية، غير أن انشقاق عدد من الطوارق من الجيش المالي، وعودة المُسلحين المتمرسين على القتال، من ليبيا ومعهم سلاح ثقيل ومتطور، أفاد حركة التمرد الأخيرة ومكنها من السيطرة على عدة مُدن في الشمال وقرب الحدود مع الجزائر، وقتل واحتجاز عدد كبير من الجنود النظاميين، الذين يشكون من نقص التجهيزات والسلاح والعتاد. وبعد الإنقلاب في مالي، سيطر المتمردون الطوارق على المدن الرئيسية، مثل “غاو’ و”كيدال”، ومدينة “تمبوكتو” التاريخية، التي يتجاوز عمرها الألف سنة، وتقع على حافة الصحراء الكبرى، شمال نهر النيجر، ووقف تنظيم “القاعدة في المغرب الإسلامي” إلى جانب التمرد العسكري للطوارق، وارتكب مجازر ضد الجنود النظاميين في بلدة “أغهلوك”، خلال شهر شباط 2012، وكانت “القاعدة” تهرب الرهائن المختطفين إلى مناطق وعرة في مالي، بالتعاون مع بعض المهربين، وفصائل حركات التمرد، والأعيان المحليين. تسببت سيطرة حركات الطوارق على ثلث مساحة مالي في نزوح قرابة 80 ألف لاجئ إلى الجزائر والنيجر وموريتانيا وبركينا فاسو، مما قد يتسبب في مشاكل لهذه الدول، خاصة الجزائر والنيجر اللتين تضمان نسبة من الطوارق في المناطق الحدودية مع مالي، وتستقبل لاجئين ومهجرين، يمكن أن يندس داخلهم الإرهابيون.

التتمة في الجزء الثاني والأخير