إستدعاء الخلافة أم كسر ظهر السلاجقة الاقتصادي

عادل سمارة

في الوطن العربي وحده يفاخر الاستدعائيون بترجي الأجنبي ليحتل بلادهم. والاستدعاء هذا جزء من تراث التجزئة العربية منذ سايكس-بيكو التي لم تكن لتطبق لولا وجود حواضن، أو خلقها لحواضن محلية. ويشتد هذا الاستدعاء كلما بدت محاولات نهوض قومي عربي وهو ما نشهده اليوم إثر الإرهاصات الثورية العربية تقابلها هجمة الثورة المضادة التي هي راسخة الوجود في هذا الوطن. وفي هذا السياق الاستدعائي تقف تلوينات من المثقفين المخروقين من قوى الدين السياسي إلى لبراليين إلى قطريين إلى شيوعيين…الخ، كل استدعى وما يزال سادته.

ليس هذا الحديث عن الاستدعائيين العراقيين والليبيين والسوريين للغرب الرأسمالي لاحتلال هذه الأقطار استدعاء باسم الديمقراطية، وإنما للذين يستدعون تركيا باسم الدين وبحجة السماء.

ولهؤلاء نقول، على ماذا تتكئون في استدعاء هذه الكارثة؟ هل أحصى أياً منكم ملايين العرب الذين ابادهم الفقر والقمع خلال الاحتلال العثماني؟ هل أحصيتم الثروات العربية التي نهبها العثمانيون إلى خزائن الآستانة؟ وهل أُنفق اي جزء منها على البلدان العربية؟ هل أحصيتم عدد العرب الذين قضوا جوعاً ولم يحصلوا حتى على الدفن بعد أن اُرغموا على القتال في جيوش السلاطين السلاجقة في حروبهم في أوربا والتي انتهت بهزيمتهم المهينة ليُعادوا غلى حدود آسيا الصغرى؟ هل سألتم أنفسكم لماذا قبلت تركيا أتاتورك إهداء الاستعمار الفرنسي لها لواء الإسكندرون وما تزال تغتصبه في عهد قوى الدين السياسي في تركيا؟ وهل يُجيز الإسلام ان يحتل مسلم ارض مسلم آخر؟ أليس الاستعمار السلجوقي هو الذي أنهك الوطن العربي كي يسقط لقمة سائغة بيد الاستعمار الأوروبي؟ قد يقول بعضكم، بأن العرب هم الذين جلبوا الاستعمار الأوروبي؟ وهذا قول إما ينم عن عجز في فهم طبيعة النظام الراسمالي العالمي الذي كان يتوسع في العالم منذ قرون، أو ينم عن خبث واعٍ. فهذا الغرب كان يعمل على تقصير أجل “الرجل المريض- المسألة الشرقية” حتى قبل مرضه. مشكلة العرب آنذاك أنهم لم يكونوا في مستوى المرحلة والصراع، ولم يكونوا قد تخلصوا من جرثومة الاستدعاء، ولذا تكيفوا مع سايكس-بيكو وكانوا بذلك كارثة وحتى اليوم، ولكن هؤلاء مثلكم أنتم يا ورثة الاستدعاء، كانوا آليات استدعاء ولم يكونوا هم كل العرب.

ولكن، هل عرب الاستدعاء اليوم هم أفضل من عرب استدعاء الأمس؟ أليست الجزيرة العربية مجرد مستعمرة للولايات المتحدة بكل المعاني، وهل جيوش الأعداء هناك لحمايتها من إيران؟ وحتى لو كانت إيران خطراً ما ضرورة دويلات لا تحمي نفسها رغم أن بوسعها شراء طائرة أف 16 لكل فرد؟

وماذا عن نتيجة استدعاء المعارضة العراقية الولايات المتحدة لإسقاط الرئيس الراحل صدام حسين وإعدامه؟ أليس العراق اليوم مدمراً ومقسماً. الا يرى الاستدعائيون اليوم أن ليبيا تتفكك حتى إلى دول للقبائل؟

إن قوى الدين السياسي التي تستدعي تركيا إنما تخدع جمهورها. فهي قيادات تعمل وتفكر طبقياً لمصالحها، بينما تحرك جمهورها باسم الدين. فهذه القوى لا شأن لها بالديمقراطية.

ولعل الأكثر طرافة أولئك الذين يستدعون الاحتلال السلجوقي باسم الخلافة الإسلامية! وهذا اشد الاستدعاءات خطورة لأنه يستدعي طرفاً لامتلاك البلاد والعباد وليس استعمارهم فقط متناسياً التاريخ الدموي للاستعمار السلجوقي ناهيك عن النزعة القومية الطورانية التي تنظر إلى العرب بإهانة وامتهان. فهل هذه أخلاق إسلامية أم شوفينية متخلفة تابعة للغرب وتشعر بالفوقية على العرب؟

كنا سوف نتفهم علاقة ما مع تركيا منذ أتاتورك لو أنها لم تدخل الأطلسي وتصبح مخلب الناتو في المنطقة، ولو أنها لم تكن أول دولة شرقية ومسلمة تعترف بالكيان وتقيم معه روابط راسخة لولا البعد الجغرافي لأعلنت معه الوحدة (هذا إذا كان للصهاينة أن يقبلوا وحدة مع هؤلاء). إن علاقات تركيا مع الكيان قائمة على تهديد استراتيجي دائم للوطن العربي، وإلا ما ضرورة هذه العلاقة؟ هل هي إملاء بسبب عضويتها في الناتو؟ لنقل أجل، ولكن لماذا عضوية الناتو؟ اليس لأن دورها فيه موجه ضد الوطن العربي وضد الشرق الروسي؟ وما هي ضرورة أن تلعب تركيا هذا الدور؟ أليس لأنها ترى نفسها دولة أداة؟

لا تخفي أوروبا احتقارها لتركيا التي تستجدي عضوية الاتحاد الأوروبي. وإذا كان هذا الاتحاد قبيل الأزمة عاجز عن هضم تركيا كما يراها بطعم فأر، فكيف سيهضمها اليوم وهو في أزمة؟

تركيا ضمن التقسيم الإمبريالي تقع في قاع الاتحاد الأوروبي اقتصادياً، ومن هنا، فإن هذا التقسيم يؤكد لها أن سوقها هو الوطن العربي وأن منتجاتها ستجد السوق في هذا الوطن. ولكن قوى الدين السياسي هناك وفي تبعيتها للغرب الرأسمالي اختارت دور المخلب ضد الوطن العربي في خدمة الفوضى الخلاقة! بل الخانقة. وفي هذا فإن قوى الدين السياسي قد ورطت البرجوازية التركية في مأزق اقتصادي هو فقدان أو وجوب فقدان السوق العربي إلى جانب عجز هذه البرجوازية عن المنافسة في أوربا.

ولعل هذا الفقدان هو الذي يملي التطامن القائم بين البرجوازية التركية وسلطة اليدن الإسلامي السياسي بمعنى، أنه طالما نحن على ابواب فقدان السوق العربي عبر سوريا فلا بد من غض الطرف عن التدخل في سوريا وتدميرها والحصول على جزء آخر من جسدها. وهذا يكشف عن المصالح الطبقية للبرجوازية التركية بمن فيها العلمانيين والمجتمع المدني عامة. فلا يكفي بعض المقالات والشجب من شعب يعلم أن سلطته تشن حرباً على جارٍ قدم لها كل مقومات النوايا الحسنة وخاصة السوق المفتوح. هذا يفتح حقيقة على التواطؤ المصلحي والقومي. وهذا نفسه سؤال إلى من يستدعون الخلافة الإسلامية ويبكون اليوم في الذكرى التسعين لانتهائها!

ألا يرى المواطنون الأتراك كيف أن سلطة بلادهم التي في شهر عسل تغلغلها في السوق العربي ناورت بإرسال مواطنين أتراكاً للتضامن مع غزة، وحين قُتلوا عمدا في وضح النهار لم تجرؤ هذه السلطة على متابعة وجوب الاعتذار الصهيوني، وابقت علاقتها بالكيان كما هي.

أنت مدعو لكسر ظهر تركيا

تشن تركيا حربا مفتوحة على سوريا. وليست الطائرة الأميركية الصنع والهدف التي أُسقطت آخر ولا أخطر اشكال العدوان التركي، وهو حادث يمكن أن تستغله تركيا لعدوان الناتو على سوريا، وربما كان هذا أحد أهداف إرسال تلك الطائرة. وفي الوقت نفسه، فإن تركيا هي العدو الأخطر الآن من باقي الأعداء أو أطراف الثورة المضادة. فهي المجاورة لسوريا وهي التي تدفع بالمسلحين إلى الأرض السورية مزودين بالتدريب على الأسلحة ومعبئين بإيديولوجية ظلامية، ومغسولة أدمغتهم تجاه الكيان الصهيوني ومدفوعة “ديَّتهم” سلفاً بمبالغ خيالية لم يحلموا بها. وتركيا هي التي تستضيف قيادات هؤلاء وهي التي تنسق مع السعودية وقطر كيفية مواصلة هذه الأشكال من الحرب. لبنان اقل خطراً لأن السلطة هناك ومعظم الشارع ضد التورط في سوريا، والأردن اقل خطراً لأنه يحاول النأي بالنفس، والعراق يرفض التدخل ما وسعه ذلك.

وفوق هذا، فإن تركيا هي المستفيدة الوحيدة من الأسواق العربية لأن هذه الأسواق مفتوحة لمنتجاتها بينما بقية البلدان العربية لا تنتج الكثير مما يحتاجه بعضها البعض، كما أن تعمق وباء القُطرية والتجزئة يعيق التبادل البَيْني العربي.

لذا، فإن مقاطعة المنتجات التركية هو واجب قومي وأخلاقي. وهذا أمر يخرج عن نطاق سياسات الأنظمة وينتهي إلى كونه قرار شعبي، اي قرار كل مواطن بأن ينظر إلى المنتجات التركية بنفس نظرته إلى المنتجات الصهيونية. وهذا يعني أن كل ربة بيت وكل رجل وكل طفل عربي عليه مقاطعة منتجات تركيا، والعمل على طرد سفاراتها وملحقاتها التجارية والثقافية.

من اللافت أن تواطؤ الأنظمة العربية مع الأعداء سواء الغرب الراسمالي أو الصهيونية أو السلاجقة، الذي مضى عليه تاريخ طويل قد اصبح جزءاً من الثقافة الشعبية التي غرقت في هذا التواطؤ. لذا نرى دولة مثل تركيا تعتدي علانية على سوريا ولا يتحرك أحد ضدها، بل تقوم قوى الدين السياسي باستدعائها وتقليدها الدعوة والدعاء لها لاستعادة الخلافة! بعد كل ما فعلته هذه الخلاقة وتركته من مخلفات!

ليس جديداً القول أن الاقتصاد عصب كل الأمم، وعليه، فإن المقاطعة هي حرب الشعب ضد الدول المعادية، والتي طالما لا يقف شعبها ضد وحشيتها، فلا بد من محاولة تجويعه، لأن الإنسان حين لا يفكر بعقله لا بد من دفعه ليفكر من غريزة الجوع التي ليست إنسانية.

على أن هذا يجب أن لا يستثني وجوب النضال ضد تركيا بمختلف الوسائل والاجتهادات. أما الذين يستدعون الاحتلال السلجوقي، فعليهم على الأقل أن يجبيوا على مختلف الأسئلة المطروحة أعلاه. فلا يستدعي الذئب سوى ضعف القطيع وجهله.