من يلعب بالنار… دمشق أم أنقرة؟

شام لايف

في آخر فصول العلاقة السورية-التركية المتأزمة، جاء إسقاط الطائرة التركية ليزيد حرارة الموقف لا أكثر. ورغم تلويح أنقرة بردود مختلفة وطلب اجتماع حلف الأطلسي وفق المادة “الرابعة” لا “الخامسة”، تكون تركيا قد فعلت مثلما فعل العرب عندما ذهبوا بالملف السوري إلى مجلس الأمن فاتخذ المجلس ما يلزم من قرارات في الشأن لكن لم يكن أي منها تحت البند “السابع”. ورغم النبرة العالية في وصف العديد من الصحف التركية، الموالية لحزب العدالة والتنمية، في عناوينها الرئيسية إسقاط سوريا المقاتلة التركية «أف ـ 4» بأنه «لعب بالنار» ورغم نبرة رجب طيب اردوغان الذي تعهد برد «حازم»، ونائب رئيسه عمر تشيليك، الذي وصف الحادثة بـ«العدوان»، وبأن العلاقات بين البلدين دخلت «مرحلة جديدة»، فإنه يمكن استنتاج أن الخطاب التركي تجاه سوريا بعد هذه الحادثة لن يتعدى الضجيج الإعلامي.
وفي هذا الإطار يمكن تسجيل المعطيات والمؤشرات والاستنتاجات التالية:
1- لقد ثبت أن الطائرة التركية قد انتهكت المجال الجوي السوري فوق المياه الإقليمية، وقد اعترف بذلك أعلى مسؤول تركي هو الرئيس عبد الله غول. وبمعزل عن تبريرات الانتهاك فإن الجو المتوتر بين سوريا وتركيا لا يضع مجالا للتردد في التعامل مع مثل هذه الحالات. ولا يمكن أن نتجاهل انه في ذروة شهر العسل التركي – السوري استخدمت الطائرات الإسرائيلية المجال الجوي التركي ذهابا وإيابا لضرب منشآت دير الزور، وأفرغت في طريق العودة بعضا من حمولات خزانات الوقود فوق الأراضي التركية. لذا من الطبيعي أن تتعامل سوريا بحزم مع الأخطار التي تتهددها، خصوصا أن تركيا هي إحدى أكثر القواعد تهديدا للنظام السوري، حيث تحتضن أنقرة قيادة وعناصر «الجيش السوري الحر» والمعارضة السورية السياسية.
ولن نذهب إلى حد القول إن دمشق مارست عملية «ثأرية» من تركيا لدعمها المجموعات المسلحة في سوريا بشتى الوسائل، لكن هذا لا يعفي من التساؤل عما كانت تفعله الطائرة التركية في الأجواء السورية. والمسؤولية في النهاية تقع على عاتق الحكومة التركية التي، وفي ظل منسوب التوتر العالي مع سوريا، كان يفترض بها أن تمارس أعلى درجات الاحتياط لعدم حصول احتكاك مع دمشق، وعدم الوقوع في هذا الخطأ الذي قد يكلفها كثيرا.
2- إن اعتراف غول بانتهاك المجال الجوي السوري مؤشر مهم على أن تركيا لن تبادر إلى الردّ، لأنها تفتقد إلى الحجة القانونية. وإضافة إلى تصريح مسؤول «رفيع المستوى» إلى صحيفة «ميللييت» أمس من «أننا لن نذهب إلى الحرب، لكن إسقاط طائرة دولة أخرى انتهاك خطير» فإن مؤشرات عدم الرد التركي متعددة، ومنها أن رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان لا يستطيع التفرد بأي خطوة بمستوى فتح الطريق أمام حرب مع سوريا يتخوف منها الأتراك قبل غيرهم.
وأردوغان يعرف جيدا أن كل سياساته وسلطته، كذلك على المحك في ما لو ذهب منفردا إلى مغامرة عسكرية وغير عسكرية مع سوريا. لذلك هو أراد تغطية الذهاب إلى الحرب أو التزام الهدوء عبر دعوة زعماء المعارضة جميعا إلى اجتماع معه أمس. وهو في ذلك يريد إما توريط القوى السياسية التركية الأخرى معه في أي مغامرة سورية جديدة. وهذا مستبعد، نظرا إلى أن زعماء القوى السياسية التركية جميعا يعارضون سياسته السورية بدءا من زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار اوغلو وزعيم حزب الحركة القومية دولت باهتشلي إلى الأكراد بطبيعة الحال. وهؤلاء بعد ثبوت انتهاك الطائرة التركية للمجال الجوي السوري، لا يمكن أن يدعموا اردوغان.
وحتى لو لم يكن هناك انتهاك، فإن قادة المعارضة ليسوا مستعدين لتبييض صفحة اردوغان السورية، فرئيس الوزراء التركي لم يوفر فرصة إلا وحاول إنهاك خصومه في الداخل قبل أعدائه في الخارج، وزعماء المعارضة التركية يدركون أن اردوغان في موقف العاجز عن التحرك ضد سوريا مباشرة، بعدما أخطأت الدبلوماسية التركية في التعامل مع الأزمة في دولة مجاورة التي تبقى في النهاية خارجية مهما حاولت أنقرة أن تصوّر تأثيراته على الداخل التركي. والأزمة السورية تؤثر فعلا على أنقرة فقط عندما تضع تركيا نفسها، وهو ما حصل، في موقع الطرف في الأزمة، وليس عندما تنأى بنفسها وتسعى لرأب الصدع بين أفرقاء الأزمة الداخليين.
لذلك فإن اردوغان لن يكون قادرا على القيام بأي عمل جدّي ضد سوريا في ظل عدم دعم المعارضة له وتوفير إجماع وطني. ولا تريد تركيا تكرار غزو قبرص في العام 1974 عندما خاضت حربا بمفردها عانت منها الكثير على الساحة الدولية ولا تزال. وأردوغان إذ يعرف ذلك فالأرجح انه دعا إلى اجتماع مع قادة المعارضة لكي يوفر مخرجا لنفسه لعدم قدرته على الرد على سوريا.
3- يدرك أردوغان أن الأزمة السورية لم تعد محلية بعد كل التطورات التي حصلت. وإسقاط الطائرة يحمل من الدلالات التي تمنع تركيا من القيام بأية خطوة لها تداعياتها على الساحة الدولية. ولم يكن «اصطياد» الطائرة التركية بصاروخ روسي أمرا عابرا، خصوصا بعدما أشيع أن روسيا نصبت مؤخرا شبكة رادارات في منطقة كسب السورية ردا على نشر الدرع الصاروخي «الأطلسي» في ملاطية التركية.
إن الدعم الروسي الكامل لسوريا في المرحلة الحالية وفي حادثة إسقاط الطائرة رسالة قوية جدا إلى أن موسكو لن تتهاون في أي محاولة لإسقاط النظام السوري، ولو أدى ذلك إلى حرب مع تركيا. وتنقل صحيفة «صباح» عن أوساط استخباراتية تركية قولها انه يجب التوقف عند تجديد روسيا لنظام الدفاع الجوي السوري الموجود عند سواحل اللاذقية قبل ثلاثة أشهر. وسوريا، تقول هذه الأوساط، لا يمكن أن تواجه تركيا بمفردها ولا تريد ذلك، لذا يجب إعارة الاهتمام إلى عامل الدعم الروسي لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. وتركيا بدلا من اتخاذ خطوة مضادة على إسقاط الطائرة مثل ضرب الدفاعات الجوية السورية يجب أن تحلل بهدوء قضية إسقاط الطائرة؟
4- ويرتبط إسقاط الطائرة هذا مباشرة بحادثة هرب الطيار السوري حسن مرعي الحمادة بطائرة روسية من طراز «ميغ -21» إلى الأردن. وقد جاء إسقاط الطائرة التركية ردا مباشرا وسريعا على ذلك في «رسالة» روسية وسورية أن محاولة المس بالجيش السوري والإيهام بالقدرة على التغلغل داخله وتفكيكه، أو حتى قيامه بانقلاب ضد الأسد هي لعبة لن تمر.
5- لفت كثيرا في الداخل التركي حديث رئيس الأركان التركي نجدت اوزيل قبل يوم واحد فقط من إسقاط الطائرة أن الجيش التركي لا يمكنه القيام بعملية عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل في شمال العراق من دون موافقة الولايات المتحدة. ولولا حادثة الطائرة لكان هذا التصريح – الفضيحة موضع سجال واسع في تركيا لجهة إظهار أنقرة بمظهر الذي يأخذ إذنا من واشنطن في قضايا السياسة الخارجية.
وإذا كانت «مشكلة قنديل» الواضحة جدا والمحدودة في الزمان والمكان تحتاج إلى إذن من واشنطن فكيف بحادثة الطائرة التي يمكن أن تتسبب بحروب إقليمية وعالمية؟. ومن الواضح أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما ليست في وارد الدخول في أي حرب إقليمية عبر البوابة السورية. وقد أبلغ أوباما رئيس الحكومة التركية، في لقاء بينهما في المكسيك قبل أيام، ضرورة عدم اتخاذ أي خطوة قبل انتخابات الرئاسة الأميركية. كما أن واشنطن دخلت في عملية بحث عن أطر للتفاهم مع روسيا لإيجاد حل للأزمة السورية. وبالتالي فإن تركيا في ظل المعارضة الأميركية لن تبادر إلى أي خطوة أحادية تجاه دمشق.
6- لفت في هذا السياق أن الأمين العام الأمم المتحدة بان كي مون، الذي تحول في الأزمة السورية إلى متحدث باسم جبهة الصقور، دعا إلى التعقل في معالجة ذيول إسقاط الطائرة السورية، في رسالة إلى أن ما يسمى بالمجتمع الدولي ليس في وارد تحمل أي هجوم تركي على سوريا.
7- يكرر المسؤولون الأتراك، وآخرهم مسؤول العلاقات الخارجية ونائب رئيس حزب العدالة والتنمية عمر تشيليك، أن إسقاط الطائرة السورية هو عدوان على حلف شمال الأطلسي، وعلى دول المنطقة والشرعية الدولية. وفي ظل غياب إرادة لدى حلف شمال الأطلسي في التدخل في سوريا فإن الإشارة المتكررة إلى «الأطلسي» تعني أن أنقرة ستلتزم بقرار الحلف الذي لا يزال ينأى بنفسه عن التدخل العسكري، خصوصا أن الانتهاك التركي للمجال الجوي السوري كان واضحا وثابتا.
8- وصف غول الحادثة بأنها تنم عن «نية سيئة» وكذلك فعل تشيليك. وذلك لأن سوريا لم توجه إنذارا في البداية، حتى إذا لم تلتزم الطائرة بالإنذار أسقطت. ويعطي البعض داخل تركيا مثالا على ضرورة الإنذار المسبق ما يحصل دائما بين تركيا واليونان في سماء بحر ايجه من انتهاكات متبادلة بين طائرات بلديهما. لكن هذه المقارنة غير دقيقة، إذ انه ليس بين اليونان وتركيا حالة حرب، كذلك لا تدعم تركيا أو اليونان بالمال والسلاح والتدريب المجموعات المعارضة داخل البلد الآخر. ومع انه لا توجد حالة حرب رسمية بين سوريا وتركيا فإن الحالة موجودة بصورة غير رسمية، أو لنقل توجد حرب بالوساطة، والتدخل التركي في الشأن السوري لم يسبق له مثيل. يقول ديريا سازاق في صحيفة «ميللييت» إن «الضغوطات التركية على سوريا ارتبطت بحلم العثمانية الجديدة، والعلاقات بين البلدين وصلت إلى نقطة العداوة بعدما كانت نموذجا. وفي ظل هذه العداوة أمكن لسوريا أن تسقط الطائرة التركية من دون الضرورة إلى توجيه إنذار». ويتساءل «هل من المصادفة أن يصادف يوم إسقاط الطائرة الكشف عن تسليح الـ«سي آي إيه» للجيش السوري الحر؟». ويتساءل كوراي تشالشقان في «راديكال» انه «يجب إيضاح لماذا تذهب طائرة وعلى ارتفاع منخفض، لاستطلاع أراضي بلد آخر هو تحت التهديد بتغيير نظامه؟».
لقد كان من الطبيعي، وفق المثل الشائع «كثرة الدق تفك اللحام»، أن تصل العلاقات التركية – السورية إلى مثل هذه الحادثة، وربما أخطر من ذلك. وعسى أن تعتبر تركيا أن هذا الكم الهائل من الضغوطات على النظام في سوريا، وهذا الكم الهائل من التدخل في الشؤون الداخلية لبلد آخر والسعي غير المسبوق والمستهجن لتغيير النظام في دمشق (وفي بغداد ولما لا في لبنان أيضا)، غير مقبول. وفي وقت لم يمر يوم من دون أن يطلق المسؤولون الأتراك أبشع الصفات والنعوت على الأسد ونظامه كان المسؤولون السوريون يتجنبون الرد بالمستوى والنبرة نفسيهما. بعد هذا كله يحق لنا التساؤل: من يلعب بالنار: سوريا أم تركيا؟