ماذا بعد تكسر السهام الاميركية على قلعة دمشق؟ العميد د. امين محمد حطيط

أ‌. بعد 16 شهرا من عدوان تقلب في المراحل المتتابعة الاخفاق، اتجهت اميركا الى خطة رأت فيها انها السهم المسموم الاكبر و العلاج الحاسم الذي يعوض الفشل في سوريا، خطة رأتها على حد قول هيلاري كلنتون ” كارثة ” تدمر سوريا و منها تمتد الى المنطقة، خطة تقوم عناصرها كما تبيناها على :

1) تصنيع بيئة عامة من التهويل لتحضير الرأي العام السوري والدولي لعمل نوعي في دمشق يستهدف الرأس السوري و يرديه. وبهذا نفسر ذاك الزخم غير المسبوق من روايات التلفيق والكذب وتصوير الوضع السوري كانه على قاب قوسين او ادنى من الانهيار الشامل الانهيار لذي سيحدث – بزعمهم- “بركان دمشق او زلزال سوريا “، بحيث ان تنفيذ هذا العمل سيقود المعنيين بالدفاع عن سوريا الى الانهيار الادراكي و اليأس من متابعة المواجهة الدفاعية.

2) ضرب خلية ادارة الازمة بشكل جماعي بحيث يخلق فراغ في الرأس، ما يؤدي الى تضعضع منظومة القيادة و السيطرة و التوجيه، و ينتج ارباكا في الميدان يعرقل عمل القوى الامنية و القوات المسلحة و يتسبب بشرذمة الجيش و انشطاره و حرمان الدولة من ذراعها العسكري الفاعل.الامر الذي يفسح في المجال لانتشار الارهابيين واستيلائهم على المرافق والمواقع الحساسة في الدولة داخلاً وحدودا.

3) تنفيذ عملية ميدانية شاملة عبر هجوم صاعق على دمشق يشارك فيه الالاف من المسلحين بحيث ينطلقون في اللحظة ذاتها من اكثر من اتجاه و الى اكثر من حي وشارع في عملية ترويع ورعب للمدنيين بقصد وقف الحياة في المدينة – عقاباً لها على عدم الانخراط في العدوان الاميركي على سوريا – واظهار الدولة انها فقدت السيطرة على العاصمة ما ” يضطر الرئيس للمغادررتها ” – على حد زعمهم و تمنياتهم وفقا للخطة -.

4) تنفيذ خطة ” السقوط الوهمي التمثيلي للنظام ” عبر مواكبة العملية الميدانية بعمل اعلامي نوعي، يؤكد “سقوط العاصمة وفرار الحكومة ” واندفاع المواطنيين في الشوارع تأييداً ” لانجاز الثورة ومعارضة للنظام”، وقد تم من اجل ذلك تحضير مجسمات مصنعة في قطر تمثل الساحات والمباني العامة والمراكز الحكومة، كما واطلقت محطة تلفزيونية تستعمل “لوغو ” الفضائية السورية ” لاستعمالها في الاعلان عن “النجاح المفترض للثورة” على غرار ما حصل في طرابلس –ليبيا حيث لفقت افلام و صور عن مركز قيادة القذافي تظهر سقوطه قبل 3 ايام من سقوطه الفعلي. يترافق ذلك مع خنق الاعلام السوري و حجبه، و من اجل ذلك شطبت قناة الدنيا عن الاقمار العربية لاسكاتها و قامت قوى العدوان بخطف مذيعين و اعلاميين سوريين من الفضائية السورية لاجبارهم على العمل في المحطة المزورة المنتحلة صفة الفضائية تلك لاعطاء المصداقية للتزوير.

5) استصدار قرار من مجلس الامن تحت الفصل السابع، يمهد الطريق لانتشار عسكري اجنبي تحت ذريعة منع مخاطر الاسلحة الكيماوية عن المنطقة، وتكون مهمة القوى الاجنبية استكمال تدمير بنية الدولة السورية و حل جيشها على غرار ما تم في العراق.

ب‌. هذه هي خطة ” السهام الاميركية السامة ” التي توخت منها اميركا انزال الكارثة على سوريا بتدميرها كما دمرت ليبيا و قبلها العراق و قبلها منظمة التحرير الفلسطنية ( دول جبهة الصمود والتصدي التي تشكلت رفضاً لاتفاقية الاستسلام في كامب دافييد ولم يتبق منها الا سوريا ). وكما حاولت ان تدمر المقاومة في لبنان و الدولة في ايران و فشلت، فجاءت الى سوريا لتنفذ الحلقة الثالثة من حلقات العدوان على محور المقاومة.

ولكن وكما اخطأت الحسابات الاميركية في لبنان وايران يبدو ان الميدان السوري سفه الحلم الاميركي ايضاً، رغم ان الخطة حققت بعض الاختراقات التنفيذية. وفي الحصيلة التنفيذية الاولى انكشف المسرح الان على المشهد التالي :

1) فشل في تحضير بيئة الانهيار الادراكي، وكان ذلك نتيجة تضافر عدة عناصر اهمها : وعي و مناعة نفسية عالية المستوى لدى الشعب السوري عامة والدمشقيين خاصة، وجهد اعلامي مميز بذله الاعلام السوري الرسمي و الخاص، ترافق مع زعزعة الثقة بالاعلام الاميركي وملحقاته واليقين بان ما يبث عبر الاعلام العدواني هو الاحلام و التمنيات وليس وقائع او حقائق.

2) تمكن الدولة من استيعاب صدمة “الاغتيال الجماعي للقادة الرئيسيين في خلية الازمة ” ورغم ان الخسارة كانت جسيمة فادحة بسقوط الشهداء الكبار – وزير الدفاع ونائبه ومعاون نائب رئيس الجمهورية ورئيس الامن القومي- فان دولة المؤسسات العقائدية سارعت الى ضبط الامور وتعيين البدلاء من ذات معدن الشهداء انفسهم، الامر الذي عطل نتائج ومفاعيل نجاح عملية الغدر الارهابي رغم خطورتها البالغة.

3) تمكن القوات المسلحة العربية السورية من احتواء الهجوم الذي نفذه الالاف من المسلحين على اكثر من تسعة احياء في دمشق، ثم انطلاق الجيش في الهجوم المعاكس والممنهج والمواجهة المتقنة وفقا لمقتضيات الوضع، ما مكنه من سحق الهجوم والانتقال الى تطهير الاحياء الواحد تلو الاخر و ابقاء المدينة بشكل عام تحت سيطرة الدولة، دون ان يترك فرصة واقعية لمخطط العدوان ان يستثمر مفاعيل الجريمة الارهابية على الشكل الذي كان يريد. حيث ان مناظر جثث الارهابيين من سوريين وغير سوريين كانت رسالة واضحة للمعتدي : “الهجوم فشل والعدوان انكسر “…رغم الثمن العالي الذي دفع.

4) اما بالنسبة للاسقاط” الاعلامي الوهمي ” للدولة فانه لم يحصل لان الخطة كشفت والاحتياطات كانت اتخذت قبل ان ينطلق العمل التنفيذي. وكان من نتيجة الكشف والتعثر الميداني ان ما حضر في قطر من مجسمات واشخاص و تجهيزات عسكرية بقي في في المخازن من غير استعمال حتى اللحظة.

5) ويبقى موضوع مجلس الامن وقراراته فقد تأكدت اميركا مرة اخرى بانه لا تراجع عن رفض الفصل السابع ولا تراجع عن رفض التدخل العسكري الاجنبي في سوريا. ما حدا باميركا للتهديد بالعمل خارج مجلس الامن لمتابعة الهجوم العدواني على سوريا.

ج. والان وبعد هذه المحصلة التي يمكن وبموضوعية القول معها بان “السهام الاميركية الكارثية ” تحطمت على صخور قلعة دمشق، يطرح السؤال عن مسار الامور لاحقاً. وهنا يمكن ان نتصور المنحى التالي :

1) استمرار رفض اميركا لاي حل سلمي ومنع انجاح خطة انان او تنفيذ مقرارات جنيف في الفترة المقبلة اقله في الاشهر التي تسبق الانتخابات الاميركية.

2) محاولة توسيع المواجهة في الشمال السوري للضغط على الحدود وتوسيح فرص استقدام ارهابيين غير سوريين للقتال بعد الخسائر الفادحة التي لحقت بالمسلحيين.

3) التلويح الاميركي والتهديد بالعمل خارج مجلس الامن تلويح نرى فيه تحضيرا للسير على خط او اكثر من مما يلي :

– سياسي اقتصادي عبر تصعيد الضغوط على سوريا بعقوبات تضاف الى ما تم حتى الان وتعدى رزمة من 60 نوع اضافة الى تجميد العلاقات او سحب السفراء وما اليه.

– عسكري ارهابي عبر تصعيد عمليات الدعم والتحشيد و تنفيذ العمليات المسلحة على كل مساحة سوريا من اجل توفير الفرص للقول بان النظام فقد السيطرة على الارض.

– امني استخباري : محاولة اقتناص اهداف نوعية في سوريا على غرار ما حصل، وقد ارسل تعيين بندر بن سلطان ممديرا للمخابرات السعودية رسالة واضحة في هذا الاتجاه.

– عسكري تقليدي عبر تحضير قوى عسكرية نظامية اجنبية للتدخل وفقاً ً للمقتضى ولتطورات الامور مع ان احتمال ذلك يبقى الادنى والمنخفض جدا في الاحتمالات.

وفي المقابل نرى ان جبهة الدفاع عن سوريا ستستمر في تحقيق الانجازات الدفاعية على كل صعيد وانها حضرت ما يلزم للرد و هي في تحضيراتها والوسائل المتاحة مطمئنة لقدرتها في كسر الخطط المستقبلية الاتية كما اجهضت السابقة الماضية، خاصة وان المعتدي في ضيق من وقته رغم ما يملك من قدرات.