التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية،

 د. منذر سليمان

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

واشنطن

المقدمة:

تبادلت سورية ومصر صدارة اهتمامات مراكز الابحاث الاميركية، نتيجة قرارات الرئيس المصري محمد مرسي بتنحية واستبدال وزير الدفاع ورئيس قيادة هيئة الاركان للقوات المسلحة، الذي تزامن مع تنامي التصريحات الاميركية وقلقها لمصير اتفاقيات كامب ديفيد. اما سعي مرسي للسيطرة على السلطتين التشريعية والتنفيذية فقد جاء الاهتمام به باهتا، ودائما تبرز مصير الاتفاقيات الامنية بين مصر و”اسرائيل” كموضوع رئيس. سيتناول قسم التحليل هذه المسألة بشكل معمق.

في الشأن السوري، تمركزت الاهتمامات في ذات الموضوعين اللذين يشغلان بال الادارة الاميركية: تسليح قوى المعارضة ومصير الاسلحة الكيميائية، مع ملاحظة انزواء مؤقت لمعسكر الحرب المطالب بالتدخل العسكري المباشر رغم ضجيجه الصاخب دوما.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

 

مصر:

استهل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS اثارة التطورات الاخيرة الناجمة عن قرارات الرئيس المصري من زاوية تكريسه سيطرة الاخوان المسلمين على مقاليد الحكم. وقال “في الشق القانوني، ازال مرسي عدد من العوائق التي وضعها المجلس العسكري بغية ضمان تمثيل الاصوات من غير (الاخوان) المسلمين للعب دور مؤثر في صياغة الدستور المصري.” واضاف انه من “الجائز توصل القوات المسلحة والقيادة السياسية الى تفاهمات بهدوء حول المسألة. لكن ينبغي ادامة اليقظة” من تحركات الاخوان المسلمين.

        معهد كارنيغي Carnegie Endowment اعرب عن اعتقاده ان “تحالف مؤسستي الرئاسة والقوات المسلحة يشير الى سيطرتهما التامة على الاوضاع، بل يبدو ان هناك جهودا مشتركة للتنسيق تجري بينهما،” محذرا من تداعيات القرارات الاخيرة التي “تبادلت المؤسستين فيهما المواقع.”

        المعهد اليهودي لشؤون الامن القومي Jewish Institute for National Affairs كعادته عالج المسالة من وجهة النظر الاسرائيلية التي “لا تعتقد مؤسستها العسكرية انه يمكن وصف مرسي بالمعتدل … لكنه سيصرف جل جهوده على معالجة الازمة الاقتصادية الحادة.” واضاف ان ارتياحا ساد المؤسسة العسكرية “لعرض حماس على مصر اغلاق كافة الانفاق شريطة فتح مصر للمعبر الحدودي مع غزة،” مؤكدا ان العرض بحد ذاته “يخدم مصالح اسرائيل.”

 

سورية:       

        مؤسسة هاريتاج Heritage Foundation  تساءلت عن الحكمة وراء انشاء منطقة حظر للطيران فوق سورية “فهي ستؤدي الى مشاعر البهجة عند البعض، اما في ظل الاوضاع الراهنة فالانجاز العائد سيكون ضئيلا.” ووبخت انصار معسكر الحرب للامبالاة بالكلفة العسكرية الناجمة عن مغامراته، اذ ان “سلاح الجو الاميركي ليس معروض للايجار كلما هبت حركة شعبية في مكان ما من العالم.”

        مسألة الربح والخسارة للاطراف المنخرطة في المحنة السورية كانت محط اهتمام مركز ويلسون Wilson Center اذ اشار الى “ميول الولايات المتحدة التقليدية لدعم الوضع القائم، لكن قيمها ومصالحها قد تفرض عليها دعم المتغيرات في الخارطة الدولية … اما ردة فعلها  لما يسمى بالربيع العربي فتعكس هذه الازدواجية .. والتي ستحد من النفوذ الاميركي في سورية … كما ان مواردها قد استنفذت وتحد من قدرتها على تزعم جهود اعادة الاعمار في سورية التي تقدر كلفتها بعدة  مليارات من الدولارات.”

فلسطين ولبنان:

        معهد الدراسات الحربية Institute for the Study of War اشاد بنظام القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ، لكن “اسرائيل لا تزال عرضة لتهديد صاروخي ومدفعي وهجوم بالصواريخ بعيدة المدى .. مما يشكل تهديدا وجوديا استراتيجيا لها.” واضاف، انه بعد نصب مزيد من بطاريات القبة الحديدية “يتعين على كل من حماس وحزب الله اعادة حساباتهما لناحية الكلفة العالية” التي سيتحملانها  جراء فعالية نظام القبة وردود الفعل المحتملة.

        “سلوكيات المستوطنين المتشددين نادرا ما يتم الالتفات اليها،” لكن معهد بروكينغز Brookings Institute ضاق ذرعا لاستيلاء المستوطنين على مزيد من اراضي الشعب الفلسطيني. وناشد واشنطن العمل للحيلولة دون انزلاق الاوضاع نحو التفجير، اذ تقع عليها مسؤولية “الضغط على اسرائيل للتصدي للمستوطنين بفعالية اكبر. كما ينبغي على الولايات المتحدة، واسرائيل ايضا، النظر في ادراج المستوطنين المتشددين الضالعين في اعمال العنف على قائمة الارهابيين .. اذ ان افعالهم المتشددة تلطخ سمعة اسرائيل وتعرض مستقبلها للخطر.”

 

تونس:

        مجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations اثار مسألة “التوتر الناجم عن الجدل حول دور الدين في المجتمع” التونسي. واشاد بمبادرة حركة النهضة “لقرارها الشجاع حين اعلنت معارضتها لاعتماد الاسلام كمصدر اساسي للدستور الجديد.” وحذر من عدم قدرتها السيطرة على  “تنامي السلوكيات العنفية للمتدينين المتشددين في محاولاتهم لاسكات المعارضة العلمانية.”

التحليل:

تطورات مصر: هل هي تحول عن العلاقة الوثيقة مع اميركا و”اسرائيل”؟

        قرار الرئيس المصري محمد مرسي باقالة قيادات المجلس العسكري اصابت العديد بالدهشة. للمقاربة، تتميز نظم الحكم في الغرب بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص، بخضوع القيادات العسكرية تحت امرة القيادة السياسية الاعلى؛ ويتكرر الامر مع كل رئيس جديد يدخل البيت الابيض. انطلاقا من هذه الزاوية، باستطاعتنا تفسير كنه ترحيب الرئيس اوباما بتغيير قمة الهرم العسكري في مصر.

        من الناحية المغايرة، ينبغي النظر للقرار كمقدمة لانقلاب ناعم ازاح القبضة العسكرية عن الشأن السياسي المصري لأول مرة منذ ستة عقود، اذ ما لبث ان رسّخ مرسي سيطرته السياسية على مقاليد البلاد. استنادا الى ترجيح فرضية الانقلاب اعلاه، يصبح ملحا البحث في ماهية تداعيات الخطوة على علاقات مصر مع كل من “اسرائيل” واميركا.

        الاجراءات التي اقدم عليها مرسي لم تخلو من الدراما لاقالته هرم السلطة المتجسدة في المجلس العسكري، المشير محمد حسين طنطاوي – رئيس المجلس وسامي عنان – رئيس الاركان، اذ حكم المجلس مصر بصلاحيات مطلقة منذ خلع الرئيس السابق حسني مبارك. وفي السياق عينه، الغى مرسي العمل بالاعلان الدستوري المكمل الذي اصدره المجلس العسكري الشهر الماضي بهدف تقييد والحد من صلاحيات الرئيس.

        بعد تنفيذ مرسي لقراراته ، سرعان ما استفاقت مصر والعالم باكمله على وضع عزز السلطات التنفيذية والتشريعية حصرا بين يديه، في ظل انعدام دستور ناظم للصلاحيات وغياب برلمان يشرّع ويراقب اداء الحكومة، والمؤسسة العسكرية من جانبها تطلب ود الرئيس مرسي. في حال توقفت قراراته عند ما هي عليه حاليا، سيصبح بموجبها ديكتاتورا لمصر والذي ثارت ضده ملايين ميدان التحرير والميادين والساحات الاخرى في كامل رقعة مصر.

        البعد الأهم في هكذا وضع هو انعكاساته على العلاقات الدولية، وكما تردد مرارا فان التركيز يجري على الشق الخاص بالعلاقة مع “اسرائيل” واتفاقية كامب ديفيد والولايات المتحدة ايضا. في مطلع الشهر الجاري، وضعت “اسرائيل” قواتها على أهبة الاستعداد، تبعه هجوم استهدف نقطة مراقبة للجيش المصري على الشريط الحدودي مع غزة، راح ضحيته 16 جنديا وجرح عدد آخر، ويعتقد ان الفاعلين ينتمون للمجموعات الجهادية. الا ان حيثيات الحادث تثير شكوكا عالية للبعد “الاسرائيلي” لمسؤولية ما حدث، لا سيما تطبيقها اجراءات الطواريء مسبقا وتصديها للمجموعة المهاجمة وابادتها بالقرب من الشريط الحدودي.

        الرد المصري على الحادث كان غاضبا وسريعا. اذ توعد مرسي الفاعلين “الخونة بدفع الثمن غاليا،” واغلقت مصر نقطة العبور الوحيدة في رفح على الفور واعلنت عن نيتها تدمير الانفاق الواصلة بين شطري مدينة رفح المقسمة، رافقتها حركة حماس بتشديد اجراءات الرقابة على الانفاق التي تربط غزة بسيناء. يا لها من مفارقة، توقعات حركة حماس بعد فوز موسي بفتح معبر رفح من قبل اقرانها الاخوان المسلمين في مصر اجهضتها الاجراءات العملية تماما، واغلق مرسي كافة قنوات الحوار بعد الاعتداء، اتبعه باقالة رئيس جهاز المخابرات العامة لا سيما وان مصر تطلع على المعلومات الاستخباراتية عينها التي بحوزة الجانب الاسرائيلي.

        تصاعد التوتر في سيناء، وشن هجوم منسق على خمس نقاط تفتيش مصرية بعد يومين من الهجوم الاول، ادى الى دخول المروحيات القتالية المصرية سيناء لاول مرة واطلاقها صواريخها على مراكز “الجهاديين.” كما اشتبكت قوات مشاة مصرية مع “نشطاء متمردين” شمالي سيناء في منطقة تبعد سوى 10 كيلومتر عن الشريط الفاصل مع غزة، اسفر عن مقتل نحو 20 فرد من العناصر المستهدفة. تجدر الاشارة الى ان مراسلة شبكة الراديو العامة (الاميركية) التقت عددا من سكان المنطقة المستهدفة بعد الحادث، والذين فندوا ادعاءات السلطات المصرية عن الاشتباكات المزعومة. يذكر ان التقرير المذكور لم يجر تداوله بشكل واسع، ولم تجد وسائل الاعلام الكبرى مبررا لايفاد مراسليها للتحقق من الامر، مما يضفي مصداقية وشفافية اعلى لتقرير المراسلة المذكور.

        اما “اسرائيل،” فسارعت بالاعراب عن رضاها لسير العملية، مما يدل على ان تنسيقا مشتركا مسبقا مع مصر وفر لها معلومات عن الهجوم في اطار التنسيق الاستخباري “السري” القائم بين الطرفين. الرئيس مرسي التزم الصمت، اما حركة (الاخوان المسلمون) فقد ادانت “اسرائيل” علنا ونادت باعادة التفاوض معها حول شروط اتفاقية كامب ديفيد.

        على الرغم من مغامرة الجيش المصري في سيناء وايقاع اصابات بين اهاليها، الا ان “اسرائيل” غير مطمئنة بالكامل لنوايا الرئيس مرسي وخشيتها من استغلال مصر للحادثة بغية تكثيف تواجدها العسكري في شبه جزيرة سيناء، بل لاعادة بسط سيطرتها على كامل سيناء. واسرعت بتوجيه طلب شبيه بالانذار لسحب قواتها العسكرية من سيناء متذرعة بنصوص اتفاقية كامب ديفيد التي تحول دون تواجد دائم لقوات عسكرية غير منصوص عليها.

        لا يجوز اغفال دور العوامل والتطورات الداخلية الجارية في مصر التي دفعت الرئيس مرسي تحويل الانظار سريعا نحو “اسرائيل،” لا سيما وان استمرار انقطاع التيار الكهربائي في عموم مصر في فصل قائظ الحرارة يوفر فرصة للحكومة لالقاء المسؤولية على عاتق كبش فداء مناسب. اما التوتر الطائفي الداخلي بين الاقباط والمسلمين فلا يظهر انه شارف على النهاية او تطويقه، علاوة على حالة الفوضى العامة السائدة، مما يؤثر على العملية الاقتصادية برمتها وخاصة قطاع السياحة بالغ الأهمية لمصر. تأتي التحديات المذكورة على خلفية تدهور حاد للوضع الاقتصادي.

        من الجائز القول ان الاضطرابات الداخلية دفعت الرئيس مرسي الى اعادة قطاع الاعلام بكامله تحت السيطرة الرسمية، اذ اشارت الاهرام العريقة، 12 آب، الى قيام الجهات المختصة “بمصادرة الاعداد الجديدة من يومية “الدستور” المملوكة للقطاع الخاص من مقرات الجريدة … التي تشتهر في تغطيتها المناهضة للاخوان.” واضافت الاهرام ان “عددا من البلاغات قدمت للجهاز القضائي ضد رئيس مجلس الادارة، رضا ادوارد، ورئيس التحرير اسلام عفيفي، تتهم الصحيفة بنشر مادة اعتبرت مهينة للرئيس محمد مرسي وتحريضها على النزاع الطائفي … المدير العام لجريدة الدستور، حسان بديع، اتهم بدوره الاخوان المسلمون بالوقوف وراء البلاغات المقدمة وكذلك قرار اقتحام مكاتب الجريدة.”

        قبل ايام معدودة، اقدم مجلس الشورى في مصر على تعيين بدائل لرؤساء تحرير الصحف القومية التي تعد بنحو 50 صحيفة، على الرغم من احتجاجات الصحافيين ونقابتهم مطالبين بحرية الصحافة. اتهم الصحافيون مجلس الشورى الذي يسيطر عليه الاخوان المسلمون بمحاولة تقنين التغطية الصحفية لمصلحة حركتهم، وتشبيه المجلس باستنساخ تجربة الحزب الوطني المنحل والرئيس المخلوع حسني مبارك في تشديد قبضتهم على كافة وسائل الاعلام.

        صدر عن الادارة الاميركية عدد من التصريحات التي تؤيد الرئيس مرسي، أكد عليها وزير الدفاع الاميركي، ليون بانيتا، بعد لقائه الرئيس المصري قائلا: “من الواضح ان مصر بعد الثورة تمضي في التزامها بتشكيل حكومة ديموقراطية.” واضاف ان “الرئيس مرسي والفريق طنطاوي على علاقة حميمية ويعملان معا لتحقيق ذات الاهداف.” الترجمة السياسية للتصريح تفيد ان المشاورات السرية التي تمت مع بقية اعضاء المجلس العسكري ساهمت في ارساء الثقة لدى ادارة الرئيس اوباما.

        تجدر الاشارة الى التزام الادارة الاميركية الصمت حيال اجراءات القمع التي تمارسها السلطات المصرية.  ووافقت الادارة على استئناف الدعم العسكري المقدم لمصر، في شهر ايار الماضي، وغضت الطرف عن اشتراط الكونغرس للمسؤولين الاميركيين المصادقة على مدى التطور نحو الديموقراطية  قبل الموافقة بصرف الدعم، مما اثار موجة نقد شديدة للادارة واتهامها بتبديد فرص الضغط على قادة مصر. رئيس اللجنة القانونية في مجلس الشيوخ وصاحب نص القرار، باتريك ليهي، علق بالقول “القرار خيب أملي. اذ يتعين على القوات المسلحة المصرية الدفاع عن الحريات الاساسية وسيادة القانون، لا مضايقة واعتقال اولئك العاملين لترسيخ الاسس الديموقراطية.”

        من المسلم به ان اي تحرك اميركي لن يترجم الا بعد انفضاض الانتخابات الرئاسية، والاسرائيليون يراقبون عن كثب التطورات الجارية في مصر. اذ ان همومهم تتجاوز اجراءات القمع الداخلية ضد المواطنين المصريين وتنصب على  التطورات المتتالية في سيناء. ستستمر “اسرائيل” التزام الصمت ان مضى مرسي في التعاون الامني معها حتى لو صعّد لهجة خطابه السياسي ضدها وضد اتفاقات كامب ديفيد. اذا افترضنا، وهو مجرد افتراض، ان مرسي سيميل الى اتخاذ مواقف عملية متشددة، فان العصا الاميركية بانتظاره لممارسة الضغط والتلويح بقطع المساعدات لمصر.

::::::::

يمكن مطالعة النص الكامل للتقرير في موقع المركز بالعربية والإنكليزية: www.thinktanksmonitor.com

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

مدير المركز: د. منذر سليمان

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com