مَنْ المستفيد؟

 الطاهر المعز

خبر وتعليق

الخبر الأول: يقوم البابا بنيدكت السادس عشر، زعيم الكنيسة الكاثوليكية، بزيارة إلى لبنان، تدوم 3 أيام

التعليق: تأتي هذه الزيارة في الذكرى 30 لمجازر صبرا وشاتيلا، حيث قامت قوات الكتائب وحلفاؤها (اليمين اللبناني المتطرف)، بتقتيل اللاجئين الفلسطينيين، تحت حراسة قوات الإحتلال الصهيوني في منتصف شهر أيلول 1982 (ما أبشع ذكريات شهر أيلول!)، واستقبل البابا خلال زيارته الحالية بعضا من المجرمين الذين أشرفوا على المجزرة ونفذوها، وصافح عددا من الأيادي القذرة التي نفذت مخططات الحركة الصهيونية و”دولة اليهود”، وأضاف إلى ذلك تصريحات استفزازية للعرب واعتبر جزءا من مواطنينا وإخوتنا ورفاقنا وشركائنا في الهم، “أقلية مسيحية”… إنه الإستفزاز بعينه خصوصا عندما يكون صاحب هذه التصريحات زعيم كنيسة تواطأ مع الإحتلال الصهيوني ضد المسيحيين في فلسطين (الناصرة وبيت لحم والقدس…)

وتزامنت زيارة البابا إلى لبنان مع ذكرى أيلول 1970 (أيلول الأسود) و11 أيلول 1973  (انقلاب دبرته المخابرات الأمريكية ضد الرئيس الإشتراكي سلفادور ألندي في تشيلي) ومع ذكرى 11 أيلول 2001، ومع موجة الغضب والاحتجاجات على الفيلم الذي يسيء للإسلام والمسلمين، قبل اقل من شهرين من الانتخابات الأمريكية التي يسعى فيها باراك أوباما للفوز بفترة رئاسية ثانية…

الخبر الثاني:  اندلعت مظاهرات عنيفة احتجاجا على إنتاج وبث شريط أمريكي يتطاول على الإسلام والمسلمين، ويحط من شأنهم بشكل استفزازي صارخ… وحصلت المظاهرات أمام السفارات الأمريكية (والألمانية والبريطانية أحيانا) في عدد من الدول العربية والإسلامية (وغير الإسلامية) في تونس وليبيا ومصر والسودان واليمن وسوريا ولبنان وفلسطين ونيجيريا والهند وسريلانكا وجزر المالديف وإيران وماليزيا والاردن وكينيا والبحرين وقطر وبنغلاداش وباكستان والعراق… وحصلت مواجهات دامية في تونس والسودان، وليبيا، وقتل مسلحون السفير الأمريكي لدى طرابلس… وأسفرت الاحتجاجات العنيفة عن 5 قتلى على الأقل يوم الجمعة 14/09/12، اثنان منهم أمام السفارة الأمريكية في تونس واثنان أمام السفارة الأمريكية في الخرطوم وواحد في لبنان (بلغ العدد الجملي 4 قتلى في تونس يوم 15/09)… وحدثت مظاهرات صاخبة سنة 2005 ضد نشر عدد من الصحف الأمريكية والأوروبية رسوما مسيئة إلى الإسلام، باسم حرية التعبير ومنحت جوائز عديدة للرسام الدنماركي الذي رسمها، ومنحته دولة ألمانيا جائزة…

ردود الفعل:

اعتبر مجلس الأمن الدولي أن أعمال العنف ضد البعثات الدبلوماسية خصوصًا الأميركية “غير مبررة مهما كانت دوافعها والقائمين بها وظروفها” (أف.ب 15/09/12)

ارسلت الولايات المتحدة سفنا حربية باتجاه ليبيا وتونس والسودان واليمن، “كخطوة لتوفير المرونة لأي عمليات مستقبلية”،  وسترسل فصيلاً من مشاة البحرية «مارينز» ووحدة تدخل سريع إلى السودان، وليبيا، واليمن وتونس وربما غيرها، لتعزيز أمن السفارات الأمريكية  (أ.ف.ب 14/09/12)، وحلقت طائرات استطلاع امريكية بدون طيار (“إسرائيلية”؟) فوق مدينة بنغازي وفوق مجمع السفارة في طرابلس والتقطت صورا وراقبت مواقع لجماعات اسلامية متشددة يعتقد انها دبرت ونفذت الهجوم على القنصلية الامريكية… (رويترز 14/09/12)

أكد الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، في كلمة ألقاها في مراسم استقبال جثامين 4 أمريكيين قتلوا، في ليبيا “سنقف بوجه أعمال العنف ضد سفاراتنا ومواطنينا في العالمين العربي والإسلامي… وسنستمر في القيام بكل ما يمكننا لحماية الأمريكيين العاملين في الخارج، بما في ذلك رفع مستوى الأمن في مقراتنا الدبلوماسية والعمل مع البلدان التي عليها واجب ضمان الأمن والقول بلا لبس أن من يتعرضون للأمريكيين سيحاسبون… إن الشجاعة والأمل والمثالية، هي أفكار أمريكية بالأساس، و قائمة على أن نغادر العالم بعد جعله أفضل قليلا… ولقد قتل هؤلاء الضحايا الشجعان (الأمريكيون) في سبيل هذه الأفكار”… ودعت وزيرة الخارجية الأمريكية الدول العربية لمقاومة “استبداد الغوغاء… من الصعب على الشعب الامريكي ان يتفهم ذلك لأنه غير معقول وغير مقبول بالمرة “ (رويترز 15/09/12 )… وهل من السهل علينا نحن العرب تفهم السياسة العدوانية الأمريكية والإنحياز الكامل والمطلق للكيان الصهيوني وكل طغاة العالم والهيمنة على خيرات وثروات دول العالم؟

اعترفت مجلة «تايم» الأمريكية “أن الغضب الذي اندلع بسبب الفيديو المسيء للمسلمين كشف النقاب عن الغضب العميق من السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط… هناك غضب عميق يغلي منذ وقت طويل، بسبب سياسة واشنطن وغزو أكثر من بلد إسلامي ودعمها للحكومات الإسرائيلية والطغاة العرب وغاراتها الجوية…”

التعليق:

أصبح الإسلام السياسي يحكم عددا من الدول العربية بعد انتفاضات 2010/2011 (المغرب، تونس، ليبيا، مصر…) وكانت الفئات الفقيرة من الشعب تطالب بالعمل وبالكرامة والعدالة والحرية… وسرعان ما أصبحت الأحزاب الحاكمة الجديدة (الإسلام السياسي) تتصرف مثل حسني مبارك وزين العابدين بن علي، وفي وقت قياسي، إذ كبلت البلاد بالديون وأعلنت ولاءها غير المشروط للإمبريالية الأمريكية والأوروبية، وفتحت أبواب البلاد أمام الإستثمارات الأجنبية غير المنتجة وخصخصت المرافق العمومية، وهيمنت على أجهزة الإعلام القضاء والإدارة ووظفت الموالين لها (غير الأكفاء) دون احترام بعض الإجراءات الشكلية، وأطلقت العنان لأجنحتها الأكثر ظلامية لتقمع النساء والمثقفين والعمال والفنانين، إلى جانب قوات القمع التقليدية الخ، ومن جانب آخر عبر قادة الإسلام السياسي بكل تلاوينهم (إخوان مسلمون وسلفيون ووهابيون…) صراحة، وفي وسائل إعلام الكيان الصهيوني عن “احترام الإتفاقات الدولية” (كامب دفيد) وعن رفض الدعوة إلى مقاطعة الكيان الصهيوني (فما بالك بالشركات التي تتعامل معه! )

بدأت الإحتجاجات الشعبية والعمالية تعم مدن المغرب وتونس ومصر، وردد المتظاهرون نفس الشعارات والهتافات المطالبة بالشغل والحرية والكرامة، ووجدت قوى “الإسلام السياسي” نفسها في مأزق، فقمعت هذه الإحتجاجات بعنف لا مثيل له، واستخدمت نفس أساليب التشويه الإعلامي والكذب والتزوير، الذي عانى منه بعضهم قبل استيلائهم على السلطة…

لقد بقيت القوى التي أطاحت برأس النظام في تونس ومصر، خارج الحكم، ولم يحصل ذوو الشهداء على أي تعويض، بينما قررت حكومة “حزب النهضة” في تونس تخصيص ثلث الميزانية التكميلية لسنة 2012 لتعويض مساجين حزبها… لقد نجحت هذه الإحتجاجات ضد الشريط الأمريكي في امتصاص الغضب (مؤقتا؟) والإلتفاف على مطالب الفقراء في العمل والمسكن والحياة الكريمة، وبالتالي فقد “جاءت في وقتها”…

منذ أسبوع قام الكيان الصهيوني بغارات على غزة أودت بحياة عدد من المواطنين الفلسطينيين، ولم يتظاهر أحد تنديدا بذلك، تضامنا مع شعب فلسطين، وفي القدس (التي تدعي أحزاب الإسلام السياسي أنها رمز فلسطين) ما انفكت سلطات الإحتلال تطرد الفلسطينيين وتستولي على منازلهم وأراضيهم، ومساجدهم وكنائسهم ومقابرهم… ولم يتظاهر أي حزب إسلامي ضد هذا التهويد المستمر منذ 1948… ولم يجتمع مجلس الأمن للتنديد بالكيان الصهيوني الذي لم يطبق أي قرار، بما في ذلك قرار إنشائه، ولا يندد مجلس الأمن بالغارات اليومية الأمريكية في باكستان… ويجتمع اليوم ليندد بمظاهرات احتجاجية ضد إهانة الإسلام والمسلمين… واغتنمت أمريكا الفرصة لإرسال مزيد من جيوشها وترسانتها الحربية للمنطقة العربية، إضافة إلى القواعد العديدة الموجودة خاصة في السعودية والخليج وتركيا (ممولي وداعمي الإسلام السياسي)…

إن إنتاج وبث هذا الشريط هو عمل استفزازي مقصود، ووجب استنكاره، لكن لا يجب أن يغطي ذلك على المشاكل الحقيقية التي لم تتمكن أحزاب الإسلام السياسي من تلبيتها (الشغل، السكن، الحريات)، بل فعلت كل ما في وسعها لنيل شهادة استحسان من الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، فرهنت البلاد بالديون (مثل ما جرى خلال القرن التاسع عشر في مصر وتونس)، و”شرعنت” احتلال فلسطين، وواصلت تخريب البلاد وخصخصة الثروات وما تبقى من القطاع العام…