حماس: للمصالحة والهبوط الناعم في أوسلو


لماذا لا يقلب مشعل ظهر المِجنّْ لدمشق[1]!

عادل سمارة

من الصعب فهم غضب بعضنا من موقف حركة حماس تجاه سوريا وخاصة ما قاله مشعل في تركيا مؤخرًا. وإذا كانت اللحظة مثيرة للمشاعر وخاصة لدى من يكره تساقط اي مواطن، فإن الأصح هو قراءة السياق ليدرك المرء بأن هذا هو المآل الطبيعي لحركة وطنية تُدرك أنها أعجز من حمل المشروع الوطني بمعنى التحرير. وأعتقد أن علينا كفلسطينيين وعرب تفهم القاعدة الذهبية القائلة : لا يمكن لمقاومة أن تتواصل طالما في مكنونها قناعة بأن عدوها لا يُهزم. وربما لهذا السبب زعم نتنياهو في كتابه مكان تحت الشمس قائلاً: في النهاية العربي يركع. وبراينا، لا العرب الذين ركعوا والذين يركعون ولا نتنياهو قد قرأوا السياق التاريخي للصراع لأن العرب يقاومون ولن يتوقفوا. فبين عرب استدخال الهزيمة وعرب المقاومة مسافة وعي وموقف. واذا كان قد ركع العديد من القوى الفلسطينية، فإن الشعب لن يركع. أما عربياً فحزب الله أرغم العدو بأن يركع. أما سوريا فتدهش العالم بصمودها، وخاصة الجزء من العالم الذي يشن العدوان عليها.

ليست تجربة حماس ضد سوريا هي الأولى من نوعها من فلسطينيين، وكما مرت منظمة التحرير في مسارب الفرز التاريخي، ها هي حماس تمر بها، أي في  سلسلة خيارات جميعها سوداء وإن بدرجات:

·        إما تخلي قياداتها عن مواقعها لقيادات أخرى لمواصلة النضال

·        أو حل التنظيم نفسه إن كان قد رنخت عناصره في استدخال الهزيمة أو اقتنعت بعدم قدرتها وعدم رغبتها في مواصلة النضال ولو بشعور من المرارة

·        أو اتخاذ طريق وسطي مؤقتاً لتمرير الهزيمة تدريجيا اي تجريع جمهورها حقنة الهزيمة ليتم الهبوط بشكل ناعم.

·        أو الانضمام إلى معسكر وسطي يغطي تراجعها

·        أو الاستسلام العلني للعدو.

ولكن، العبرة التي علينا أخذها  هي أن الشعب والأمة سوف يفرزان بالضرورة قوى جديدة رغم قرار القديمة بالتمترس في طريق الجديدة خالقة حالة انسداد وهي الحالة التي صاغها غرامشي بقوله: “تكون الأزمة في لحظة عدم موت القديم بعد وعدم ولادة الجديد بعد“. وهي مقولة تناظر حالات التحول التي شرحها ماركس بقوله: “ تحمل التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية الجديدة الشامات التقدمية في التشكيلات المهزومة”. تحدث غرامشي عن الأزمة وتحدث ماركس عن الانتصار.

أمس: لن يتصالحا، واليوم:  يتصالحان

حينما تصارعت حركتا فتح وحماس في غزة ودالت الأمور لحماس، انقسمت الناس بين هذا وذاك. وكان انقسام الناس بين موقف وطني وموقف تنظيمي وموقف ديني وموقف علماني…الخ. وكان لكل تبريراته.

وكنت أنا ممن ايدوا موقف حماس لأنها كانت تعلن رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني الإشكنازي، هذا رغم أنها كانت قد دخلت مطهر أوسلو والتسوية بوعي  حينما شاركت في انتخابات مجلس الحكم الذاتي الذي يسمونه مكابرة “تشريعي”. وحينها نقدني كثيرون بأن حماس لن تمارس الكفاح المسلح لأنها تسعى للسلطة  في غزة وتشكيل إمارة…الخ كمقدمة لدول للإخوان المسلمين في الوطن العربي. ولكنني كنت ولا أزال اقرأ الأمور على أرضية الاعتراف وعدم الاعتراف بالكيان أكثر من قرائتها على أرضية الطموح والطمع في السلطة، فالسلطة تزول والوطن يبقى إن لم يكن هناك اعترافاً. أما مكابرة البعض بأن الاعتراف لا يضيع أوطاناً، ربما ولكنه توريط الشعب في التطبيع! ولا زلت أعتقد أننا في لحظة سوداء كهذه، مضطرون بحكم العقل أن ندعم من لا يعترف رغم وجود خلايا في الدماغ ترسل إشارات بأنه سوف يعترف ذات يوم. نعم ولكن إلى أن يعترف لا بد لنا من محاولة شد همم الرجال والنساء. إي إلى أن يتحول الانقسام إلى تقاسم. وللأسف، فإن خروج حماس على سوريا يضع فتح وحماس على أبواب تقاسم السلطة والثروة عبر مصالحة يصممها أهل المال. وما حديث السيد مشعل  قبل يومين عن أنه آن الأوان لوضع استراتيجية تحرير هو قول حبذا لو وفره الرجل على شفتيه.

حينما حصل الاقتتال فالانقسام، لم أكن متحمساً لردم الانقسام لأنني رايت بأن الانقسام لم يكن ليحصل لو كانت القناعة بالوحدة موجودة، كما أن أوسلو كمشروع استعماري استشراقي في جوهره هو إعطاء الشعوب “البدائية والمتخلفة” سلطة وثروة للتنافس عليها، مما يحرفها عن الهدف الأساس وهذا ما حصل. لذا، كان الخيار الأقل بؤساً هو دعم من يرفض الاعتراف إلى أن يتغير، مع التركيز على وجوب توليد الجديد. وكنت دوماً وحتى اليوم أعتقد بأنه فقط هو الحزب العروبي الاشتراكي /اليساري/ الماركسي/الشيوعي، لا مشكلة في الإسم.

أذكر بعد الانقسام بأقل من شهر شاركت في نقاش محدود في مؤسسة باسيا في رام الله مع مجموعة منها كما أذكر السيد بسام الصالحي من حزب الشعب وعفيف صافية ممثل المنظمة في موسكو، وكان رأيي مخالفاً للجميع بأن الانقسام لن يتوقف. وبأن من يناضل لفلسطين بوسعه ذلك حتى من ألاسكا. فالمهم عدم الاعتراف مع معرفتي أن القيادة لفتح وحماس من نفس الطبقة اي الرأسمالية التجارية والكمبرادورية والبيروقراطية، وبأن القاعدة من نفس الطبقة/ات الشعبية التي تقتل وتُقتل، إلى ان تعلن البرجوازية (اي القيادة التي تستخدم الأعضاء) الهدنة أو الوحدة.

ونحن اليوم في نهايات عام 2012، وقد جرت تغيرات تقتضي مواقف جديدة.

·        لقد اتضحت علاقات حماس مع الأنظمة العربية النفطية التي لم تطلق رصاصة واحدة ضد الكيان والتي تمول حماس وخاصة حماس غزة ولا مال بدون تغيير المواقف. وعلاقة حماس مع الأنظمة المعترفة بالكيان. سيقول البعض بأن حزب الله ممول من إيران، نعم وموقفه مقاوم مثل إيران. ولهذا البعض نقول إن سلطة الحكم الذاتي ممولة من المانحين وهي مثلهم تعترف بالكيان.

·        الأنظمة التي تمول حماس تقيم علاقات مع الكيان من تحت الطاولة بأعمق من فوق الطاولة، فهل ستسمح لحماس بالمقاومة؟ أم هل ستمهد لها سبيل الاعتراف سواء بهدنة طويلة أو بفتاوى صلح الحديبية…الخ هذا هبوط ناعم ولكنه واضح لكل ذي بصيرة.

·        أنظمة تمويل حماس تابعة للولايات المتحدة إلى درجة أن اراضيها مليئة بقواعد لكل الغرب والغرب يعلن بصلف أن الكيان يجب ان يبقى وبوضع اقوى من جميع دول المنطقة.

·        ولاحقاً، خرجت حماس من سوريا إلى هذه الأنظمة وإلى تركيا التي هي عضو ملتزم بالأطلسي. ولا اعتقد أن خروج حماس من سوريا له قيمة تخسرها سوريا.

·        واليوم حدود غزة مع فلسطين المحتلة 48 هادئة من جانب حماس خاصة.

إن قراءة هذا السياق، تعيد إلى الذاكرة الهبوط الناعم والتدريجي لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى اتفاق اوسلو وهو هبوط بدا ماهراً إلى درجة أن أكثرية شعبنا ابتهجت لدرجة توزيع أغصان الزيتون على دوريات جنود الاحتلال، وحينها خشيت أن لا يعود هذا الزيتون للإثمار! لقد رأيت ذلك بأم عيني في رام الله. جماهير رقصت لأوسلو إلى أن تهالك أوسلو بلا قابلية للعلاج كما هو اليوم.لا اعتقد أن الانبهار الشعبي كان لمهارة صائغي اوسلو بل بسبب وصول الكثيرين إلى الاقتناع بالعجز عن حمل مشروع التحرير وبسبب تعويد عناصر القوى على مبدأ:

وما أنا إلا من غزية إن غوت …غويت وإن ترشُد غزية أرشُدِ

أي تربية أن الولاء للحزب وليس لعقيدة الحزب أو للوطن وخاصة حين يون الحزب مصدر تمويل وإعاشة ومناصب، فما تقرره قيادة الحزب مقبول دون تفكير وتمحيص فما بالك بالنقد؟

وفي هذا الصدد يحضرني أمر هو الأشد خطورة على وطني فلسطين.  وهو أن الغالبية الساحقة من عناصر التنظيمات الفلسطينية تختار الحزب على الوطن. لذا، نادراً ما نرى عضو في حزب ينقد قيادة حزبه حين تتخلى عن النضال الوطني وتحديداً حق العودة، اي حينما تنحصر في العمل من أجل دولة في الضفة والقطاع.

وهنا ليخالفني من يرى في هذا القول اعوجاجاً: اين هو التنظيم[2] الذي لم يعترف بالكيان مباشرة عبر المشاركة في سلطة أوسلو أو مداورة عبر الاستفادة من أوسلو سواء بالمشاركة في الانتخابات لمجلس الحكم الذاتي تحت مظلة اوسلو وإشراف رئيس الولايات المتحدة الأميركية الأسبق والذي من “فظائعه” تشكيل قوات التدخل السريع في بلدان النفط العربية؟

وهنا تبرز مشكلة حركة حماس بلا مواربة. ولا تنحصر هنا في الاستفادة من أوسلو والزعم أنها ضده. ولكنها مشكلة أوسع.

دعك من وجود حماس في سوريا وحتى كل الفلسطينيين في سوريا. فالفلسطينيون رغم تمتعهم بكل الحقوق هناك ما خلا التنازل عن الهوية الفلسطينية، ورغم أن سوريا لم تضج ولم تستجدي أحداً مقابل استضافتهم (ولا استضافة اللاجئين العراقيين أكثر من مليون شخص) ورغم أنهم شاركوا حتى في الانقلابات العسكرية في سوريا (منذ انقلاب جاسم علوان – 1963 كما اذكر- الذي كان معظم عناصره من الفدائيين الفلسطينيين) وامتداد هذا حتى الوصول إلى اغتيال الشهيد عماد مغنية وتورط حمساويين فيه، وصولاً إلى مقتل السيد غناجة الذي كان يقدم الأسلحة للمسلحين السوريين، وهي الحقيقة التي أحرجت قيادة حماس ولاذت بالصمت…الخ، وأخيراً رغم اصطفاف السيد مشعل إلى جانب أردوغان، رغم كل هذا ما زال فلسطينيون يطعنون سوريا. ومن هنا فإن انحياز مشعل إلى تركيا هو أمر طبيعي للعرب الذين يحنون إلى نير تركيا ، ورحم الله غسان كنفاني الذي كتب (خيمة عن خيمة تفرق، ونقول نير عن نير يفرق) فالمهم عند السلفية الوهابية وقوى الدين السياسي هو الوقوف ضد القومية العربية. طبعاً سيقول البعض أن سوريا فعلت كذا وكذا، ولكن الغدر بسوريا لا علاقة له بالخلافات والصراعات بين سورية وفلسطينيين، بل الأمر هو مسألة المقاومة والممانعة وتحديداً المشاركة في الحرب الدائرة ضد سوريا. وعليه، فالسؤال بل الأسئلة هي:

·        هل يمكن للدول التي تمول حماس أي قطر والسعودية أن تسمح بالنضال ضد الكيان؟ قد ينكر البعض ذلك. ربما، ولكن إضافة إلى اعلان قطر انها ارسلت إلى حماس في غزة تحويلات مالية، فهل صُرفت على مليون ونصف مواطن؟ هل هناك شفافية في هذا؟ نتمنى.

·        من الذي ارسل السلاح إلى غزة قطر أو سوريا؟ من الذي أرسل صواريخ تنقسم إلى قطع ليسهل نقلها وتركيبها؟ قطر أو سوريا.

·        إذن حينما تقف حماس ضد سوريا، فهي قد اختارات طريقاً جديدا ليس النضال ضد الكيان. فحتى لو رغبت حماس، فإن  معسكرها الجديد لن يسمح. ولنترك هذا للزمن.

·        إن صح هذا، لماذا لا يُحرجنا السيد مشعل ويطلب منها ومن تركيا إعلان القطيعة مع الكيان وتأييد تحرير فلسطين وهزيمة الكيان الصهيوني الإشكنازي؟

·        هل يمكن لهذه الأنظمة أن تخرج على السيطرة الأميركية؟

·        هل من يضع وطنه تحت الاحتلال الأميركي يمكن ان يشارك في تحرير فلسطين؟

·        قد يقول البعض إن جنود الغرب في الخليج هو لحمايته من إيران. ولكن، لماذا تكديس الأسلحة في الخليج بتريليونات الدولارات؟ ألا يوجد رجال ونساء وطنيون هناك لحماية أرضهم؟ إذا كانوا مشغولين هم حماية وطنهم، فما الذي يشغلهم! لكن جيوش الغرب الغرب في الخليج قبل سقوط الشاه. فهل كان الشاه عدو للخليج أم للعراق؟

·        لكن أنظمة هذا الخليج كانت قوية عبر مشاركتها  وخاصة  قطر والسعودية والإمارات في تدمير ليبيا، واليوم في تدمير سوريا، وطالما لهم قوة ما فوق قُطرية، فلماذا يخافون إيران ولماذا لا يضربون الكيان وهو اقرب من ليبيا وسوريا جغرافياً؟

هذه الأسئلة ليست سياسية ولا قومية ولا شيوعية هي أسئلة عقلية وتحليلية لمن يحترم عقله وكرامته.

إذن، ودون التعريض بشخص مشعل، فلا معنى لهذا، بل إن موقفه يتحدث عنه. فالرجل يقول وداعاً لسوريا لأنه دخل مرحلة جديدة، هي التسوية. وعليه، فإن الأمور اليوم جاهزة للمصالحة بين فتح وحماس. لقد تقلصت المسافة إلى درجة كبيرة، وقد تعتور المصالحة بعض العقبات ولكنها ستكون من نمط ومستوى تنافس الطرفين على:

·        التقيد بأجندة الممولين لأنهم في موقع فرض الراي

·        المناورة لعناصرهما كي يتم تقليص النقد الداخلي

·        وقد تصل الأمور إلى تنافس الطرفين على تقديم المرونات لمعسكر الثورة المضادة بثلاثيته: الكيان والإمبريالية وأنظمة الحكم العربية وخاصة النفطية والإخوانية.

لذا، لن يكون غريباً أن تبادر تركيا لقيادة المصالحة، كما تبادر للعدوان على سوريا. وعليه، كيف يمكن للسيد مشعل بعد تغيرات الإخوان هذه أن يبقى في سوريا!

بالطبع/ ستهب أقلام كثيرة للدفاع عن حماس ومشعل، ونأمل أن لا تكتب بالحبر المذهبي والطائفي، فهذا قيىء وليس حبراً. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، ليتذكر كل من يكتب في هذا الصدد، أن عليه التدقيق كي لا يسقط في ما سقط فيه مثقفون ومثقفات قفزوا ضد سوريا في البداية، فتورطوا، ونظراً لنرجسيتهم عجزوا عن الصمت أو نقد الذات، فانتهوا مأجورين. والمأجورية هي بوابة  جهنم الاختراق.