عرب الفضائيات يطالبوننا بانتفاضة…فماذا هم فاعلون!!! هل الهدف الانتهاء للتصفية؟

 بقلم عادل سمارة

اسمحوا لي بمقدمة ثقيلة الظل. تذكرني مسألة الانتفاضة إلى حد ما بعلاقات الإنتاج والاستغلال الاجتماعيين. صحيح أن المنتج المستقل لا يقود المجتمع، ولا يشكل المنتجون المستقلون طبقة رئيسية في المجتمع فهي مضطرة للالتحاق، بموجب قانون السوق، بطبقة أخرى هي الراسمالية، كما أن نمط الإنتاج الذي تعمل وتعيش منه ليس هو الحاسم في التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية فهو يُلحقها بالسوق بالضرورة. وإلى أن يتم تقويض النظام ومن ثم نمط الإنتاج الرأسمالي يظل الاكتفاء هذا مقبولا وشريفاً مقارنة بدور العلاقات الرأسمالية التي يقوم فيها راس المال باستثماراته التي هي جوهريا استغلال العمال وكثير منهم لا يدرك ذلك.

ما دفعني لهذا تلك الضجة الهائلة من الإعلام العربي بأنواعه يمين ويسار مجاهد وقاعد ديني وعلماني، مؤمن وكافر وطني ومشبوه…الخ ويقوم بها أبطال الشاشات من الفلسطينيين الذين يركدون دون فقس(من ركود الدجاجة على البيض) على ملايين فلوس الأنجزة، والريع الأجنبي ويدعون للمقاومة السلمية والمقاومة الشعبية (ولهما نفس المعنى والهدف أي عدم إيذاء الاحتلال بل تقديم مواد للفضائيات)، ضجة تدعو فلسطينيي الضفة الغربية للانتفاضة. بل ويكاد هذا الضخ يقول للفلسطينيين : لماذا لا تتحركوا ايها…..!!!

والنضال أمر واجب وهو فرض عين في كل وقت. ولا اعتقد أن الفلسطينيين قد قصروا في ذلك، أو على الأقل فقراء الطبقات الشعبية والشرفاء من الطبقات الأخرى. وقد جربت الناس وابدعت عدة انواع من الكفاحين المسلح والشعبي بمعنى حرب الشعب طويلة الأمد (ماوتسي تونغ)، ولم تتوقف ولن تتوقف. ولذا، تقوم الناس بواجبها بطريقتها وطبقا لظروفها.

ولكن السؤال الذي لا يسأل هؤلاء المهيجون أنفسهم إياه: ماذا عنكم أيها العرب والمسلمين وحتى الفلسطينيين خارج الضفة الغربية؟ ماذا أنتم فاعلين سواء انتفض كل حي في الضفة الغربية أو انتفض الشهيد عرفات جرادات؟ ما دوركم؟ أية درجة من الواجب قمتم بها؟

دعني من الحكام العرب، ماذا تفعل مئات ملايين العرب؟ لم نسألكم ولن نسألكم أين مقاتليكم، فنحن نعلم أنهم في سوريا بعد ليبيا وهاهم يتفشون كالسرطان في مالي من أجل تدمير الجزائر، لا باس. ولكن هل توقفتم عن استهلاك منتجات الكيان والغرب الراسمالي؟ أليس الشحم الذي يكسو بطونكم وأقفيتكم هو من التهام منتجاتهم؟ أليست العطور والطيوب والأصباغ التي تعيد خلق المذيعات وحريم ما تحت العباءات بغير ما خلقهن الله هو من صناعاتهم، ألا تلتهمون أجبان هولندا وهي تبني السجون في الضفة الغربية للمناضلين الفلسطينيين؟ أليست الأسلحة (ناهيك عن الهراوات وقنابل الغاز ومسيلات الدموع) التي تُقتلون بها إذا تحركتم هي من الغرب والكيان الصهيوني؟ هل ضربتم بالحجارة سفارات الكيان والولايات المتحدة؟ هل قاطعتم المركز الثقافي لفرنسا او امريكا او بريطانيا او المانيا او حتى دولة وضيعة كالنرويج، ألا تقضون يوم العمل في التسكع ال موا هنا وهناك تلعقون بضائعهم وتتمنون خدورهم؟ هل توقفتم عن قبض ملايين الدولارات من منظمات الأنجزة الغربية؟ إن لم تسمعوا بوجوب هذا، ها قد سمعتم. فلتبتلعوا السنتكم ولا تطلقوها حتى تفعلوا شيئاً. إن عسف الاحتلال كاف لتحريك الناس هنا، بل إن اغتصاب الوطن حتى لو كان العدو “دمقراطياً كما يزعم اللبراليون” كاف للانتفاضات، ولكن دعوا الناس تقرر، وقوموا باي شيئ. من منكم لم يقل هي أرض عربية ووقف إسلامي، فأين سيوفكم؟ ألا يجدر أن تقطعوا بها ألسنتكم؟ هل حقا انتم قلقون على فلسطين؟ أم أنكم مشغولون باغتصاب نساء سوريا حتى من منهن في مرحلة الطفولة؟ إن أمه بها هؤلاء لا تعدمهم بالأحذية لا تستحق الحياة.

قبل ان يحصل “الحراك العربي الأخير” كنت أكتب بأن الطريق مشروط بفصل العربي الشعبي عن الرسمي، مشروط بأن يكفر المواطن بالنظام. لكن هذا الشرط لم يكن كافيا. لقد غاب عن الوعي جيشان خطيران التقطا الراية السوداء وواصلا القتال ضد وعي الشعب العربي، إنهم الإعلام والمثقفين. لاحظوا مثلا، ما من حاكم يدعو للانتفاضة، ولكن فضائياته ومثقفيه العضويين ومنظمات الأنجزة تقوم بالمهمة. أما نهاية الأمر، فهي بقاء الخارج متفرجا وحسب. فما معنى هذا؟ هل هو استعجال لاستنزاف الفلسطيني كي يركع الركوع الأخير.

لنأخذ تجربة الانتفاضة الأولى، فمنذ اشتعالها بدأت الزغاريد لها في الخارج، بادر بها أهل المخيمات دون دفع من فضائيات، تحرك جميع الناس، طوعا وبلا تحميس عربي أو إسلامي ام مسيحي أو بوذي، لا بل حاربها الكثيرون وارتعدوا انتصل بيوتهم.. انتقل النضال من النخبة ليصبح نضال الجماهير. فما هو دافع تحميسكم الآن؟ ليس بريئاً!!!

ولكن الانتفاضة نفسها وقعت ضحية الامتطاء والاستغلال، فصار مطلوبا منها أن تقود إلى دولة مستقلة. وهنا وجوب التفريق بين النضال لأنه نضال، وبين استثمار النضال لهدف ما ثم وقفه.

بعد بدء الانتفاضة بأربعة أشهر أي عام 1988 كتبت في كتابي “من احتجاز التطور إلى الحماية الشعبية” (طبعا طبع في الأرض المحتلة وفي سوريا، وليس في قطر والسعودية)، كتبت بأن الانتفاضة لن تُنتج دولة إذا كان الهدف دفعها بهذا الاتجاه. ولكن الاستثماريين كانوا أقوى من الانتفاضة فأنتجت أوسلو-ستان. لقد حيل دون أن تتحول إلى انتفاضة تنموية ثقافية وتتحول إلى ثورة مستمرة. وقُطع ظهر الانتفاضة وغُدر بها بقدوم اوسلو وإنهاء المقاطعة وفتح باب التطبيع والتطوع للتطبيع.

وجائت الانتفاضة الثانية التي حاولت استخدام السلاح، فكان أن صب المثقفون والأنجزة والسياسيون عليها اللعنة لأن تطورات المرحلة جعلت الكفاح المسلح جريمة، وجرى وأدها بالطبع، ولا يزال كثيرون/ات يلعنونها داعين إلى انتفاضة ثالثة ولكن كما يهندسونها لأن دورهم هو هندسة وإعادة هندسة المجتمع بما يقود إلى تصفية القضية.

لو كان لي رايي، فإنني اقول بأن ليس من حق أحد ان يقول لآخر: عليك أن تناضل على الطريقة التالية. دعوا كل امرىء وما يرى. لماذا أصبحت البسملة هي شتم الكفاح المسلح؟ ولماذا غذت البسملة هي انتفاضة أولاد الفقراء بينما القيادات تقوم بالتطبيع ليل نهار. أمس غادر 12 رئيس بلدية إلى إيطاليا لملاقاة الأحبة 12 رئيس بلدية صهيوني. وبينهم وعلى رأسهم قادة كبار من السلطة. كل يوم يتهافت المستهلك على شراء منتجات الاحتلال، ويقوم التاجر بشراء أرذل البضائع ليرميها في بطون المستهلكين؟ أمس أغتيل عرفات جرادات، وأما سامر العيساوي وعشرة آخرون على صليب الاستشهاد، بينما تقوم صحف التسوية بنشر مقالات تروج للتطبيع وكأنها في كوكب آخر؟ كل هذا ومختلف القيادات تنخ تحت أمير قطر الوازن وزنا من أجل المال رغم أنه يحكم إسرائيل أخرى.

لم تتعب الفضائيات من تزويق وشطف محللين غارقين في التطبيع، وفي أموال الريع الغربي والأنجزة ويرفضون الكفاح المسلح ويؤمنون بحق الكيان في أكثر من 78 بالمئة من فلسطين. فهل هؤلاء قادة انتفاضة؟ أليست جريمة تسويق هؤلاء إلى وعي الفقراء؟ استمعت ليوم لمحلل (ربما) من بقايا التحريفية السوفييتية يرجم الشام بأقذع الكلام، دون أن يخجل بأنه كفلسطيني يُهدي وطنه للمستوطينين عبر الاصرار على الاعتراف بالكيان.

إذا كان هذا واجبكم ايها العرب تجاه فلسطين، فابتعدوا !

بقي أن نقول بأن النضال في الأرض المحتلة ليس وحده الذي يهزم الاحتلال وليس واجبنا وحدنا هزيمة العدو. وكل من يعتمد علينا وحدنا هو متآمر وخطير، إنه يدفع شعبنا إلى مهالك التصفية والاستسلام. وبالطبع خطير من يقوم هنا باعتقال المناضلين وقتلهم ايضا. لقد شق الشعب طريقا بل طرائق نضاله، وقد يكون افضلها-حسب المرحلة- هو الرفض المطلق للتطبيع، المقاطعة الحقيقية، العمل المسلح بين حين وآخر، التوعية وإعادة بناء البلد.

لم يعد الشعب جاهلا بما يجري، فحتى من يعيش من وظيفة في سلطة اوسلو يعرف أن هذا ليس الحل وأن أوسلو لا يمثل من حقنا شيئا، ومن يعيش من وظيفة صغيرة في الأنجزة يعلم أن مديرها أداة غربية حتى لو زعق ليل نهار عن المقاومة السلمية والشعبية وحتى لو رش الملايين هنا وهناك، ويعلم أن المثقفين الذين يعتاشون من السلطة والأنجزة ويهاجمون سوريا بهدف إخفاء طوفان قطر متعيشين بالقلم وهم أقرب إلى الكيان منهم إلى العروبة وفلسطين.