قادة فلسطين

 بقلم عبداللطيف مهنا

خفتت جلبة حديث “المصالحة” في الساحة الفلسطينية. هناك ما يشغل الفلسطينيين عن متابعة آخر الأقاويل بشأن ما جنته بيادرها في آخر مواسم تكاذبها المجدبة. أنه الوجع الأسير، أو عذابات وبطولات وملاحم فلسطين ماخلف القضبان. هذه التي تتضامن معها الآن موجوعة كل من فلسطين ماخلف الحواجز والأسوار، وفلسطين المحتل إثر النكبة أوما بعد “الخط الأخضر”، وتلك االتي ترسف في أغلال عذابات تشردها فى بعيد مخيمات المنافي… كل فلسطين اللحظة النضالية الراهنة يتردد في إعماق وجدانها المكلوم أصداء لما أرسله لها نيابةً عن رفاقه الأسرى، أو قادة فلسطين المسربلون باغلال الإحتلال، الأسير سامر العيساوي… ما بعثه في رسالةٍ، أو بيانٍ، أو أمرٍ يوميٍ، نقله محاميه، حين خاطب شعبه قائلاً : لقد “قررت أن أصعِّد من إضرابي بأن أمتنع عن تناول الماء من أجل الإلتحاق بهذه المعركة العظيمة التي تخوضونها على أرض الواقع… أستمد صمودي ومعنوياتي منكم ومن نضالكم، فعندما رأيتكم أمام مبنى المحكمة أصبحت حراً، وأصبح سجَّاني هو السجين”…

نقول قادة فلسطين، لأن المسيرة النضالية الفلسطينية المجلجلة والدم الفلسطيني المقاوم النازف منذ ما ناف عن القرن، وعلى الرغم ما جادت به هذه المسيرة من كواكب لقادةٍ عظامٍ سقطوا تباعاً في ساح الصراع، كانت تعيش دائماً أزمة قيادةٍ ويعوزها من القادة دوماً من تُجمع محطات كفاحها المتلاحقة على قيادته وتسير بأجمعها من خلفه… كان قادتها الوحيدون المتوَّجون أبداً هم شهدائها، قادةً أومناضلين. وكان وكلاء هؤلاء الوحيدون المؤتمنون الأوصياء على ما سالت دماؤهم واستشهدوا من أجله هم الأسرى… إنه سر هذه الملحمة الفلسطينية بأسطوريتها الفريدة، عذابات وتضحيات وبطولات وانكسارات….

 ما من بيتٍ فلسطينيٍ يخلو من شهيدٍ أو شهداء، أو أسيرٍ أو أسرى، من أيتامٍ أو أرامل أو إمهاتٍ ثكالى، وعليه، هؤلاء وحدهم، هم أساتذة الصمود ورسل التضحية والمتفرِّدون بحق إعطاء الشعب والأمة الدروس، لأنهم وحدهم أكثر من دفع أثمان تحصيلها… الصراع في قرنه الثاني، وهو مديد وأمده يطول ونهاياته بعيده، وقوافل هؤلاء تترى وتترى ولن تنقطع، وإذا كان أسرى هذه المرحلة بالألاف وذويهم هم مجموع البيوت الفلسطينية، نكتفي بأن نأخذ منهم نماذج اربعة، متعللين في إختيارنا هذا بأنهم عناوين لآخر ما يخرج من وراء القضبان من المآثر والدروس النضالية التي يتردد صداها الكفاحي في اعماق وجدان هذا الكل الفلسطيني المقاوم ويتجاوزه ليبحر في مخاضات كامل كتلة الأمة ويوغل في سائر أطرافها :

أولها، الأسير سامر العيساوي، الذي تخطى مايقارب المئتين والستتةعشر يوماً من الإضراب عن الطعام ويصِّر على مواصلته حتى النهاية. أعتقل في الإنتفاضة الثانية عام 2001، وحكم عليه بالسجن 26 عاماً لانتمائه للمقاومة. قضى منها عشرة أعوامٍ لتحرره صفقة شاليت في العام 2010، ليعاد إعتقاله في 2012، والذريعة خرقه لشروطها بذهابه الى ضاحية الرام المقدسية، ويحكمون عليه بالسجن ثمانية أشهر، ويطالبون بإعادة تنفيذ حكمهم السابق عليه ليقضى ستة عشر عاماً أخرى في المعتقل… عائلة سامر لا تختلف عن سواها من الأسر الفلسطينية، شقيقه شادي أعتقل قبل أسبوعٍ وكان الأسير سابقاً، أما مدحت فقد قضى مدة عشرين عاماً متفرقة في الأسر، كما عرفت شقيقتهم نسرين المعتقل لما قارب العام، ولهم عم أستشهد في جنوب لبنان.

ثانيها، طارق قعدان، أبن العائلة التي جاز وصفها بالعائلة الآسيرة. منذ إنتفاضة الحجارة أُعتقل أربعة عشر مرةٍ، أحد عشرة منها أدارياً، بمعنى مايطبق في حالاتٍ تعوزها التهمة، وثلاث مراتٍ لانتمائه للمقاومة، أطلق سراحه لأقل من ثلاثة أشهرٍ ليعتقل مجدداً من دون تهمة، وإضرابه عن الطعام شارف على الثلاثة أشهرٍ… شقيقة طارق منى مخطوبة للأسير ابراهيم اغبارية المحكوم بالمؤبد بتهمة قتل أربعة جنود صهاينة، وكانت قد حررت في صفقة شاليط وأُعيد اعتقالها ويطالبون أيضاً بإعادة حكمهم السابق عليها، أما شقيقيهما الأكبر محمود والأصغر معاوية فقد أعتقل الأول ست مراتٍ والثاني ثلاثة لإنتمائهما للمقاومة.

ثالثها، أيمن شروانة. أحد أبطال “عملية بئر السبع”، هاته التي أصيب فيها أربعةً وعشرين جندياً صهيونياً، أعتقل في العام 2002. حكم بالسجن لمدة ثمانية وعشرين عاماً. حرر في صفقة شاليط، ليعاد اعتقالة إدارياً مع المطالبة بإعادة الحكم السابق عليه… أم سامر دخل إضرابها عن الطعام تضامناً مع ابنها أسبوعه الثاني وهى في حالةٍ صحيةٍ متدهورةٍ.

رابعها، جعفر عزالدين. من الأنتفاضة الأولى حتى الثانية خمسة اعتقالاتٍ إداريةٍ، ومدة ما امضاه أسيراً ستة اعوامٍ، أُفرج عنه كنتيجةٍ لما عرف ب”معركة الأمعاء الخاوية”، وأُعيد اعتقاله بذريعة تضامنه مع الأسرى. شارف إضرابه على الثلاثة أشهر.

… وهل لشعبٍ له من مثل هذه النماذج المناضلة الكثير، ان يُهزم، أويستسلم، أو يفرِّط، أو يكف صموداً ويتخلى عن مقاومةً… أوليس لسان حاله يقول : أحد أحد، إما فلسطين أو فلسطين…؟!