“كنعان” تنشر كتاب “إعترافات قاتل إقتصادي”

 تأليف جون بيركنز وترجمة بسام ابو غزالة.

 

الفصل العشرون

 

سقوط ملك

ذات مساءٍ من عام 1979، بينما كنتُ أجلس وحدي في الحانة الفخمة المتصلة بردهة فندق إنتركُنتننتَل في طهران، شعرتُ بمن يُربِّتُ على كتفي. التفتُّ، فرأيتُ رجلا إيرانيا قويّ البنيةِ يرتدي بذلة رجال الأعمال.

“جون بيركنز! ألا تذكُرني؟”

كان لاعبُ كرة القدم سابقا قد ازداد وزناً، لكنّ صوتَه لا يخفى. إنه فرهد، صديقي القديم في مِدِلْبِري، الذي لم أره منذ نيِّفٍ وعشر سنين. احتضنا بعضنا بعضا وجلسنا سويا. وسرعان ما تبيّن لي بوضوح أنه كان يعرف كلّ شيءٍ عني وعن عملي. وكان واضحاً أيضاً أنه لم يُردْ أنْ يُطلعني كثيراً على طبيعةِ عمله.

حين طلبنا الكأس الثاني من الجعة، قال لي، “فلندخلْ في الموضوع. أنا مسافرٌ غدا إلى روما، حيث يعيش والداي. معي لك تذكرةٌ على الرحلة ذاتها. الأمورُ هنا تنهار. عليك أنْ تُغادر البلد.” ثم سلّمني تذكرة سفر بالطائرة.

لم أشكّ في ما قال للحظة واحدة.

في روما، أخذنا عشاءنا مع والدَيْ فرهد. عبّرَ والدُه، ذلك الجنرالُ الإيرانيُّ المتقاعدُ الذي خطا ذات يوم ليتلقى بنفسه رصاصةً أُطلقتْ على الشاه لاغتياله، عن خيبةِ أملِه برئيسه السابق. قال إن الشاهَ، في السنوات القليلة الماضية، أظهر لونَه الحقيقيّ غطرسةً وجشعا. وحول البغضاء التي تجتاحُ الشرقَ الأوسط، لام الجنرالُ سياسةَ الولايات المتحدة – خاصةً في دعمها إسرائيل، والقادةَ الفاسدين، والحكوماتِ المستبدة. كذلك تنبّأ أن يسقط الشاه خلال أشهر معدودات.

قال، “أتعلم أنكم بذرتم بذور هذا العصيان في بداية الخمسينات حين قلبتم حكومةَ مُصدَّق؟ ظننتم يومها – كما ظننتُ أنا أيضاً – أنّ ذلك براعةٌ منكم. واليوم، هاهي ذي تعود لتُلاحقكم – وتُلاحقنا.”[i]

ذُهلتُ لما قال. فقد سمعتُ شيئاً شبيها من يامين و(دُك). أما أن يخرجُ الكلامُ من هذا الرجل، فأمرٌ ذو أهميةٍ خاصة. في هذا الوقت، كان الجميعُ على علم بوجود حركةٍ سريّةٍ إسلاميةٍ أصولية. بيد أننا أقنعنا أنفسَنا أنّ الشاه كان يتمتّعُ بشعبيةٍ طاغيةٍ بين الأغلبية من شعبه، ولهذا كان منيعاً سياسيا. أما الجنرالُ فكان متمسِّكاً برأيه.

قال بِوَقار، “تذكَّرْ كلماتي؛ سقوطُ الشاه سيكونُ البداية. إنه مراجعةٌ لمسيرةِ العالم الإسلامي. غضبُنا يغلي تحت الرمال منذ زمنٍ طويل. وقريباً سوف ينفجر.”

في أثناء العَشاءِ سمعتُ الكثير عن آية الله روح الله الخميني. وقد أوضح فرهد وأبوه أنهما لا يؤيدان شيعيتَه المتعصّبة، ولكنّ من الواضح أنهما كانا مُعجَبَيْنِ بهجومِه على الشاه. قالا لي إن عالِمََ الدين هذا، الذي يحملُ اسم “روح الله”، وُلد عام 1902 في قريةٍ بالقرب من طهران لأسرة من علماء الشيعة الملتزمين.

تعمّد الخمينيُّ ألا يُقحمَ نفسَه في الصراع ما بين مُصدَّق والشاه في أوائل خمسينات القرن العشرين. لكنه كان مناوئاً للشاه بشكل فعال في الستينات، منتقدا هذا الحاكم بعنادٍ نُفي بسببه إلى تركيا، ثم إلى النجف، المدينة المقدّسة لدى الشيعة في العراق، حيث أصبح قائدَ المعارضةِ المعترفَ به. ومن هناك كان يُرسل الكتبَ، والمقالاتِ، والرسائلَ المسجلةَ على أشرطةٍ صوتية، يحثُّ فيها الإيرانيين على الانتفاض لطرد الشاه وإقامة دولة دينية.

بعد يومين من عَشائي مع فرهد وأبويه، جاءت الأنباءُ من إيرانَ بوقوع تفجيراتٍ وأعمال شغب. لقد بدأ آيةُ الله الخمينيُّ وعلماءُ الدين هجومَهم الذي أدى فيما بعدُ بوقتٍ قصيرٍ إلى استلامهم السلطة. بعد ذلك تسارعت الأحداثُ. فقد انفجر الغضبُ الذي وصفه والد فرهد على شكل انتفاضة إسلامية عنيفة، هرب على إثرها الشاهُ إلى مصر في كانون الثاني 1979، وحين شُخِّص بالسرطان ذهبَ إلى مستشفى في نيويورك.

طالبَ أتباعُ آيةِ الله الخمينيِّ بعودته. وفي تشرين الثاني 1979، استولت جماهيرُ إسلاميةٌ عنيفةٌ على سفارة الولايات المتحدة في طهرانَ وألقت القبض على اثنين وخمسين أمريكيا أُخِذوا رهائن لمدة دامت 444 يوما.[ii] حاول الرئيسُ كارتر أن يُفاوضَ على إطلاق سراح الرهائن. وحين فشل، أذِنَ لحملة إنقاذٍ عسكرية خرجتْ إلى مهمتها في نيسان 1980. فتمخضت عن مصيبةٍ، وكانت في ما بعدُ المطرقةَ التي أنفذت المسمارَ الأخير في نعش رئاسة كارتر.

ضغطتْ مجموعاتٌ تجاريةٌ وسياسيةٌ أمريكيةٌ ضغطاً هائلاً أجبر الشاه المصابَ بالسرطان على مغادرة الولاياتِ المتحدة. ومنذ مغادرته طهران، كان يواجه وقتاً عصيباً وهو يبحثُ عن ملاذ؛ فلقد تخلّى عنه أصدقاؤه القدامى جميعا. بيد أنّ الجنرال توريجُس أبدى تعاطفه المعهود وعرض على الشاه اللجوءَ إلى بنما، بالرغم من كرهه الشخصيِّ لسياساته. وصل الشاهُ واستلم ملاذه في المنتجع ذاته حيث جرت المفاوضاتُ حديثاً حول معاهدة قناة بنما الجديدة.

طالب علماءُ الدين بعودة الشاه مقابلَ الإفراج عن رهائن السفارة. فاتَّهَم معارضو معاهدة القناة في واشنطن الجنرالَ توريجُس بالفساد والتواطؤ مع الشاه، وبتعريض أرواح المواطنين الأمريكيين للخطر. كذلك طالبوا بردّ الشاه إلى آية الله الخميني. ومن السخرية أنّ الكثرةَ من هؤلاء الناس أنفسهم، حتى ما قبل بضعة أسابيع، كانوا أشدَّ الناس دعماً للشاه. وفي نهاية المُطاف، عاد إلى مصر ملكُ الملوك الذي كان يوماً من المتكبِّرين ليقضيَ فيها نحبَه بالسرطان.

لقد تحققتْ نبوءة (دُك). فقد خسرتْ شركةُ مين ملايين الدولارات في إيران، كما خسر مثلها الكثرةُ من منافسينا. وخسر كارتر انتخابَه لفترةٍ رئاسيةٍ ثانية. وحلّتْ في واشنطن إدارةُ ريغَن-بوش مطلقةً الوعود بتحرير الرهائن، والإطاحة بعلماء الدين، وإعادة الديمقراطية إلى إيران، وتصحيح وضع قناة بنما.

كانت الدروسُ بالنسبة إليّ لا تقبلُ الدحض. فقد بيّنت إيرانُ، بما لا يترك موضعاً للشك، أنّ الولاياتِ المتحدةَ كانت دولةً تعملُ على التنكُّر لحقيقةِ دورنا في العالم. فليس مفهوماً أننا كنا مُضلَّلين حول الشاه وتيّار الكراهية المندفع ضده. حتى نحن العاملين في شركات مثل مين، التي كان لها مكاتبُ وموظفون في تلك البلاد، لم نكنْ نعلم. كنتُ واثقاً من أنّ وكالة الأمن القوميِّ ووكالةَ الاستخبار المركزية كانتا تريان ما كان واضحا لتوريجُس، حتى حين اجتمعتُ به عام 1972. لكنّ استخباراتِنا تعمّدت تشجيعنا جميعا على إغلاق أعيننا.


[i] لمعرفة المزيد عن صعود الشاه إلى السلطة، راجع:

H.D.S. Greenway, “The Iran Conspiracy,” New York Review of Books, September 23, 2003; Stephen Kinzer, All the Shah’s Men: An American Coup and the Roots of Middle East Terror (Hoboken, NJ: John Wiley & Sons, Inc., 2003)

[ii] See TIME magazine cover articles on Ayatollah Ruhollah Khimeini, February 12, 1979, January 7, 1980, and August 17, 1987.