المحتل والكلاب !

عبداللطيف مهنا

مر الخبر مرور الكرام ، أو ذهب وكأنما هو لم يمر . بدا أن أحداً في هذا العالم لم يسمع به ، وكذا كان حال العرب أيضاً . لعله كان في حكم المعتاد المألوف ، الذي بات لايُلتفت إليه ، أو ما عاد يستدعي ردة فعلٍ من سامعه … إنه ماكشف عنه النائب العربي في الكنيست الصهيوني أحمد الطيبي . الصهاينة يدربون فرقاً من كلابهم لمهاجمة من يُكبِّر من الفلسطينيين . العالم ، أو ما يعرف ب”المجتمع الدولي ، الرسمي وغيره ، إلا ماندر في هذا اللاغيره ، هو كديدنه ومعتاده إياه ، أي لطالما أثاره جنوح حوتٍ على شواطىء ألاسكا أو أستراليا أكثر من مذبحةٍ يرتكبها الصهاينة في غزة أو مجزرةٍ تُلحقها طائرة أميركية بلا طيارٍ بزفة عرسٍ في بلاد الأفغان . وقد يهتز الغرب جميعه إذا أقدم فاشي منه على رسم صليبٍ معقوفٍ على جدار مقبرةٍ يهوديةٍ ، ولايهتم لأزيز الجرافات ، مثلاً ، وهي تعبث بمقبرة امان الله المقدسية التاريخية ، أو يعنيه تحويل مسجدٍ لملهىٍ ليليٍ في يافا ، ناهيك عن صرعة الإساءات الكاريكاتورية الغربية الساخرة من نبي الأمة الأعظم … مادام الخبر صهيونياً ومادته فلسطينية ، أو عربية إجمالاً ، فالأمر بغير ذي بالٍ والتغاضي هنا سيد الموقف ، وربما قد يجدوا في حكاية الكلاب المطاردة للمكبِّرين الفلسطينيين هذه إبتكاراً صهيونياً في مواجهة الأخرين ، أو” الإرهابين” العرب ، يستدعي الإعجاب ويحث على التقليد ويستوجب الإفادة من الخبرة . أما بالنسبة لعرب اليوم ، فكما هى العادة إياها ، لقد أسمعت لو ناديت حياً ، فالذين لايقلقهم النبش اليومي تحت أساسات قبلتهم الأولى العرضة للتصدع والتداعي والإنهيار ، أي السائرة حثيثاً برسم بناء الهيكل الثالث المزعوم مكانها ، وتعايشو مع مصادرة الحرم الإبراهيمي وتهويده ، لن تثيرهم أو تحرك نخوتهم مجرد إهانةٍ إعتادوا في العقود الأخيرة إجتراع كثيراً ممن تراكم من مثلها من إهاناتٍ ، منها ، مثلاً لاحصراً ، نبش قبور الصحابة في المقبرة التي مر ذكرها ، وتحويلها إلى متنزهاتٍ لهم يؤمونها مع كلابهم … لعل هذه مجرد تفاصيل من ذاك الأهم وهو هذه اللامبالاة المستشرية ، ليس اتجاه المعاناة الفلسطينية المستدامة ، قتلاً وتشريداً ، أسراً وتعذيباً ، حصارات وتجويع واغتيالات ، فحسب ، بل تهويد بيت المقدس وأكنافها ، في سياق العملية الأشمل الجارية والدؤوبة والمستمرة لإنجاز إستراتيجية تهويد كامل فلسطين التاريخية والقضاء على كل ما يوحي بعروبتها .

إن السؤال المنطقي هنا يقول ، وأمام لامبالاة هذا العالم ، بل تواطئه ، وصمت عرب المرحلة ، بل عجزهم ، ودعم الغرب الكامل ، بل مشاركته المشهودة في الجريمة ، مالذي يدعو الصهاينة إلى التوقف عن ابتكار المزيد من وسائل القمع والإهانة والإذلال للعرب ومعهم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، بل ومن بعدهم الإنسانية إجمالاً ؟! مالذي يردعهم عن ماهم فيه من صلفٍ وغطرسةٍ ووحشيةٍ سادرةٍ ومنفلتةٍ لاتحسب حساباً ولا تخشى لائماً ، مادام الغرب يحلهم محل المعصوم ومن هم مافوق المسائلة؟!

…مالذي سيدفعهم لإيقاف التهويد ، وابتكارات القمع مادامت مجرد ما تدعى المصالحة ، وليست الوحدة الوطنية المقاومة والضرورة ، قد وضعت فلسطينياً جانباً ، وسحب حديثها من التداول ، إنتظاراً لقدوم أوباما الميمون وأملاً في غيثه التفاوضي التصفوي المرتجى ، علماً بأن القادم قالها سلفاً أنه خال الوفاض من نوايا المبادرات ، وإذ سبقه وزير خارجيته ممهداً لزيارته العتيدة ، قالها فأسمعها القاصي والداني أنه ماجاء إلا ليستمع ، وكأنما هناك مالم يسمعه الأمريكان ولايعرفونه في المنطقة ، أو مالم تلتقطه أذنهم التي تتنصت على كل همسةٍ تند في أربع اتجاهات الأرض ، وتحللها مراكزهم البحثية والأمنية والتآمرية ، التي تلاحق كل كلمةٍ تُنطق بكل لغات المعمورة ؟!

من الآن ، واستباقاً للإطلالة المقتربة بدأوا يبددون أوهام الواهمين . بعض لسان حالهم ما كتبه توماس فريدمان في “نيويورك تايمز” من أن “أوباما قد يكون الرئيس الأميركي الأول الذي يزور إسرائيل كسائح” … أما الصهاينة فنقلت صحيفة “يدعوت أحرونوت” عن سفيرهم في واشنطن قوله : إن “الهدف الرئيس من الزيارة هو توجيه رسالة للإسرائيليين وإلى شعوب المنطقة ، إن التحالف القائم بين أسرائيل والولايات المتحدة وثيق للغاية ، وإن واشنطن لاتقف وراء إسرائيل فحسب ، بل وإلى جانبها أيضاً” !

… إذن ، ولماذا لايطلق الصهاينة على الفلسطينيين كلابهم ، مادام الأمريكان من ورائهم وإلى جانبهم ومن أمامهم … وعرب الراهن يغطون في عجزهم ولامبالاتهم ، والتسوويون الفلسطينيون في أنتظار ماتجود به بروق اوباما الخلبية ؟؟!!