الطب والضمير…الوقاية من التعذيب

د. إبراهيم لدعة

 

دور الاطباء والنقابات الصحية

العنف والتعذيب مفاهيم تعبر عن سلوك لا إنساني من الانسان لأخيه الانسان، وهي مستويات مختلفة، منها ماهو على الصعيد الفردي وهي الأبسط، ولكن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما يكون متهما في نظام الحكم كما هو الحال في الكيان الصهيوني ( اسرائيل )، أو مخالفاً في نظام دولي كما هو الحال في النظام الدولي الحالي، حيث الاستغلال والقتل والقهر والفقر والاحتلال من قبل الدولة الرأسمالية وعلى رأسها الامبرايالية الأمريكية. وعن العنف والتعذيب في واقعنا الفلسطيني نقول حدث ولا حرج، فهناك أنواع مختلفة من العنف والتعذيب في هذا الوطن نعيشها ليلا نهارا وذلك منذ عشرات السنين وينطبع أثرها النفسي على الحياة اليومية ويصعب تجاوز الأثار المدمرة التي خلفتها.

إن ما تبرزه التقارير اليومية ومن خلال وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروئة، وحتى بعض التقارير الصادرة عن لجان الحكومة الأمريكية، وما تظهره بيانات اسرانا خصوصا في هذه الأيام من التعذيب النفسي والجسدي الذي يمارسه جنود مصلحة السجون لدى سلطة الاحتلال الاسرائيلي، وما تشير إليه بعض التقارير بتورط طواقم طبية من ممرضين وأطباء وخير دليل ما شاهده العالم أجمع وما ذكرته التقارير سواء في سجون الاحتلال الاسرائيلي أو ما حصل في سجن ابو غريب في العراق ومعتقل غوانتنامو في كوبا من قبل الاحتلال الامريكي، كل هذه الشواهد والاحداث تعكس نكث القسم الطبي بما يحتويه من أبعاد مهنية وانسانية وحقوقية هدفها أولا وأخيرا حفظ كرامة وحرمة الانسان.

أما حول أشكال التعذيب المتبعة من قبل جهاز المخابرات الاسرائيلي ضد الأسرى الفلسطينيين فهي متنوعة ومتجددة في فاشيتها ووحشيتها نذكر منها على سبيل الدلالة وليس الحصر الاشكال التالية : ( الضرب على الاماكن الحساسة من الجسم، الشبح لمدة طويلة في وضعية الجلوس أو في وضعية صعبة للجسم وقوفا او جلوسا، الوقوف مدة طويلة على رجل واحدة أو القرفصاء، إستخدام الصدمة الكهربائية على الأماكن الحساسة من الجسم، استخدام ما يسمى بجهاز كشف الكذب، تكسير العظام، الاغتصاب الجنسي، تغطية الرأس بكيس خيش او شادر نتن الرائحة ولمدة طويلة والايدي مصفدة وراء الظهر بكلبسشات تزداد ضغطا على المعصمين إذا ماحاول الاسير التملص أو الحركة، تعريض الاسير لأصوات عالية ومزعجة تشل سمعه، الحرمان من الضوء والشراب والأكل، والعزل الانفرادي في الزنازين لفترة طويلة ) وقائمة التعذيب وطرقه طويلة ومتنوعة، وهذا يحدث ليس فقط في إسرائيل والبلدان التي تحكمها أنظمة دكتاتورية بل أيضا في البلدان والدول التي تتشدق بأن بها أنظمة ديمقراطية وتدعي بأنها تدافع عن حقوق الانسان وتحترم حق المرأة.

والهدف من وراء هذه الاساليب هو واحد في كل الحالات وهو مسخ الكرامة وضرب المعنويات والارادة الانسانية لدى الاسير وصولا إلى التحطيم النفسي وحتى القتل في بعض الاحيان. وباستخدام هذه الاساليب يسعون إلى الوصول إلى الهدف الذي يحطم شخصية الانسان ويبقى أثره ملازما للأسير طوال الحياة حتى بعد الخروج من الاسر.

وحول دور الاطباء او الممرضين أو أي شخص من الطواقم الصحية يبدأ بالتواطئ مع عمليات التعذيب عبر المشاركة المباشرة في عملية التعذيب أو عندما يسمح أو يدعم هذه العملية بعدم التبليغ عنها وكتابة التقارير الطبية المفصلة عن كل حالة ورفعها للقضاء أو للمسؤولين عنه، أو رفعها للمؤسسات التي تتعامل مع حقوق الانسان ومنها مؤسسات الأمم المتحدة وغيرها.

والعنف والتعذيب له أشكال وتصنيفات مختلفة منها :

· عنف المحتل الغاصب للأرض والانسان الممنهج المتعمد الطويل الأمد الذي تفرضه تصرفات الاحتلال اليومية على مدار سنوات الاحتلال الطويلة وما تعكسه من تأثيرات ذات بعد على الجسد والنفس وتمتد اثاره لتطال الأجيال القادمة، وهو ما يجعل من الاحتلال قمة أشكال العنف والتعذيب.

· العنف والتعذيب المباشر على الأفراد والذي له تأثيرات مباشرة على الشخص المعنف او المعذب قصيرة وطويلة الأمد وتطول أثارها أفراد عائلته والمجتمع بشكل عام كما هو الحال في الأسرى وعذاباتهم حيث الحرمان من الحرية الشخصية واليومية وما لها من أثار عميقة متعددة الاتجاهات على الأسير وذويه.

· العنف السياسي حيث القهر ومنع الحريات المبني على أنظمة الحكم الدكتاتورية والرأسمالية ويتجلى في الحرمان من التعبير الحر عن الرأي وما يتبعه من ممارسات تحول دون التظاهر أو الاحتجاج، وإن حصل التظاهر أو الاحتجاج هنالك إجراءات تترتب عليها من قمع جماعي وفردي وما له من آثار في مختلف الاتجاهات والمناحي من الحياة الآنية والمستقبلية.

· العنف الاجتماعي المترتب على طبيعة الأنظمة فمثلا في النظام الرأسمالي تبقى الثروة في يد حفنة قليلة من المتنفيذين أصحاب رؤوس الأموال ويسود الفقر والحرمان الغالية الساحقة من ابناء المجتمع.

· العنف الثقافي وهو محاولات فرض الثقافة من مجتمع لآخر بطريقة قصرية إما مباشرة عبر تزوير التاريخ والمعالم الحضارية والأثرية وصولا إلى فرض مناهج تعليمية تتناسب وثقافة المحتل أو فرض الثقافة بصورة قصرية على المجتمع المعنف بشكل عام، او بصورة غير مباشرة من خلال وسائل الاعلام ووسائل الاتصال والتي جعلت العالم اليوم قرية صغيرة ( العولمة بالطريقة السلبية ).

· العنف والتعذيب الأبيض وهو مصطلح يطلق على التعذيب الروحي والنفسي دون ترك أثار على الجسد وهذا غالبا ما يقوم به أخصائيون في علم النفس والاجتماع أي من الطواقم الصحية التي عليها استخدام علمها في معالجة الانسان وليس العكس.

بكل الأحوال يصعب حصر أشكال العنف والتعذيب وتصنيفاته وفي حالتنا الفلسطينية حيث الاحتلال الاستيطاني الكولنيالي الاحلالي تتجلى من خلاله كافة الألوان والاشكال والتصنيفات وصولا إلى درجة إنكار وجود الانسان ونفيه وهذه أعلى درجات وتجليات العنف من الانسان لأخيه الانسان مما يجعلنا نقول أن الجهة التي تمارس الاحتلال تخرج عن الانسانية وتتطبع بصفات حيوانية. وهذا ما يعطي تفسيرا لمن لا يريد أن يدرك الواقع كيف يمكن لشعب محتل أن يتصرف تجاه هذا الحيوان المفترس الذي يسمى احتلال.

وهنا يظهر بوضوح الواجب والجهد الكبير الذي يجب أن يقوم به أخصائيو علم النفس للتخفيف من الصدمات والهدم النفسي الذي حصل نتيجة التعرض للعنف والتعذيب كما هو الحال للأسرى المحررين الذي يحتاجون إلى إعادة تأهيل نفسي من أثار ما أوقعه السجن والسجان في نفس السجين والعلاج هنا لا يستطيع أن يمحوا الأثار بشكل نهائي وإنما للتخفيف من أثارها وللحد من مضاعفاتها.

والواقع يشير إلى أن علماء النفس هو من يقومون بتحليل واقع المجتمعات ويحددون نقاط الضعف، وواقع الحال المجتمعي في أي مرحلة من حيث التركيبه المجتمعية والعائلية والدينية والشخصية والوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. كل هذه المعطيات التحليلية والنتائج توضع تحت تصرف الجهات الأمنية وصناع القرار وتستغل في الجانب السلبي حيث يتم إختيار وسائل العنف والتعذيب الأكثر تأثيراً في وقعها العنفي وأقل أثراً عند البحث أو الملاحقة إن علم النفس عنده المقدرة أن يحلل هذه الحالات وبالتالي يستطيع أن يوضح الأسباب لهذا التصرف ومنها امريكا بالذات هم من ساعد في تطوير طرق التعذيب وهذا ما ساعده او قامت به رابطة الأطباء النفسانيين في USA وهي مراكز هذه الجمعيات الطبية في USA واسمها APA وهي تدعى هذه المساعدة وتطوير طرق التعذيب لكي تحصل على معلومات تغيير الدفاع عن الشعب الأمريكي وهنا مربط الفرس لأنه في التعريفات الدولية للتعذيب يرفض التعذيب في جميع أشكاله وأسبابه فإنه اعتداء على حق أساسي لكل فرد مهما يكون لونه أو دينه أي شيء آخر يعرفه عن غيره من البشر، وهذا العمل أي التعذيب ممنوع منعا باتا إنسانيا وقانونيا ودينيا.

ونحن نعلم أن من أهم أهداف هذا النوع من التعذيب الأبيض هو الأخطر هو شعور الفرد بالضياع النفسي أي الشعور بالاستسلام للسجان وبالطاعة العمياء والمطلقة للسجان، وهنا ولهذا الهدف يستعمل طرق مثل عدم المعرفة في الوقت والمكان والانعزال الفردي وعدم النوم والاستفزازات بطريقة الضوء القوي طوال الوقت أو الأصوات الصاخبة.

فتاريخيا معروف أنه كان هناك أطباء متواجدين أثناء التعذيب خصوصا في حروب العالمية الثانية في زمن النازيين وقد متل الكثيرون أمام المحاكم الدولية للمحاسبة والعقاب.

ففي إحدى الدراسات الأمريكية تقر أن بالإمكان بطرق التعذيب الأبيض مثل العزل وعصبة العيون ووضع السماعات على الأذنين والشبح والتلاعب من عقارب الساعة تقديمها أو تأخيرها أثناء التحقيق، ولذلك لمدة لا تزيد عن 48 ساعة نستطيع أن نحطم ونطوع أقوى الشخصيات ولكن أين هو حلف اليمين عندما يصبح الطالب طبيبا ألا يحلف الطبيب أن لا يؤذي أحد ولا يضر بأحد. لمن يمارس العنف او التعذيب وهذا ما يحاول الاحتلال الاسرائيلي إستخدامه من أساليب ضد أسرانا وضد أبناء شعبنا.

أما حول أعلى مستويات العنف فهي التي ترتكز على التربية النفسية والسيكولوجية لدى المواطن اليهودي أو غيره من القوميات الشوفانية العنصرية تجاه القوميات الأخرى كما هي الحال تجاه شعبنا العربي الفلسطيني، ما ولد أجيالاً إسرائيلية تتعامل مع شعبنا العربي الفلسطيني بأنه ليس من البشر أو أقل مستوى وأن قتله أو تعذيبه أمر طبيعي.

ونخلص الى القول أن علماء النفس في أمريكا الامبريالية وعبر رابطة الأطباء النفسانيين والمسمى (APA) قد ساهموا في تطوير أساليب للتعذيب تحت ذرائع مختلفة عنوانها الدفاع عن الشعب الأمريكي على حد زعمهم كما فعل الأطباء في العهد النازي، طبعا رغم إدراكهم للتعريفات الدولية للتعذيب والرفض لكل أشكال التعذيب باعتباره إعتداء على حق أساسي للفرد مهما كان لونه او دينه أو عرقه أو قوميته، ومع إدراكهم أيضا إلى أن كافة القوانين والأعراف الدولية والقيم الدينية والانسانية تحرم التعذيب وتجرم فاعليه.

وعلينا هنا أن نسلط الضوء على أن كرامة الإنسان وحقوقه هي فوق كل شيء، وأن القيم المهنية لكل الكوادر الصحية يجب أن تعمل على حماية كرامة وقدسية الانسان عبر التصدي لكل الاطراف التي تحاول المس بها أو تيسر عملها وعلى كافة الروابط المهنية والنقابية أن تضمن في قوانينها ما يحرم المشاركة سواء المباشرة أو غير المباشرة في ممارسة التعذيب أو استخدام أي شكل من أشكال العنف، كما يجب أن تتضمن بنوداً تجرم من يقوم بذلك سواء من أعضائها أو من غيرهم.

ويجب وضع القوانين الواضحة التي لا تسمح لأحد من الأطباء أن يشارك أو يبذل جهده ليكتشف طريقةً جديدة أو دواء جديدا للتعذيب.

ففي نفس التبرير الذي دافعوا به عن أنفسهم الأطباء النازيون حين قالوا في المحاكم الدولية أنه يقوموا بتطوير هذه الطرق من التعذيب لكي يحصلوا على معلومات تحمي شعبهم، وهذا ما قالته المؤسسة الأمريكية apa أيضاً فهذا التبرير مرفوض رفضا باتا.

فكرامة الانسان وحقوقه هي فوق كل شيء، وبالرغم من أن apa سنة 2008 إتخذت قرارا ضد أي نوع من المشاركة في مثل هذه المجال وقالت أن الذين تعاونوا مع المخابرات هم قلة من الأطباء ولكن هل نحن متأكدون أن هذا سيطبق فعليا، أو أن العديد من الدول ومخابراتها خصوصا في هذه الايام والغليان من منطقتنا والتدخل المخابراتي الأجنبي والمحلي، إن مثل هؤلاء الأطباء يعودوا لإستعمال نفس المبررات التي استعملها الأطباء النازيون وغيرهم ؟؟.

ومن أهم عوامل الوقاية من التعذيب يجب التعامل مع مؤسسات حقوق الإنسان المجتمعية الدولية منها، المحلية وهنا بعض النصائح للوقاية من التعذيب :

1. الاستمرار في تحسين وتطوير دراسة الطب.

2. وضع الأسس والقوانين التعليمية لهذه المادة وتوضيح ما هوالتعذيب وطرقه المختلفة لكي تدرس هذه المادة في الجامعات ومعاهد الصحة.

3. الطلب من جميع الأطباء ومن يعمل في الصحة أن يتعهدوا أن لا يشاركوا بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه العملية.

4. التعامل مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة الذي يقوم بتدوين ورفع هذه الحالات للمجالس العليا، فالتعذيب في جميع أنواعه هو نوع من أنواع الحروب التي تؤدي إلى أمراض المجتمع بشكل عام.

وبهذا فإن وضعنا الصحي لن يتغير وأن يتطور تطورا جذريا، ضامنا الاستمرارية والرفاهية لأجيال قادمة، طالما أن الاحتلال ما يزال جاثماً على صدورنا ” فالاحتلال ما يزال جاثما على صدورنا وهو ليس من قوانين الطبيعة أو من القوى الالهية، أن من فعل الانسان لا يزول إلى بفعل الانسان وإرادته ومطلبه إلى الصحة التي يريدها لنفسه فالاحتلال هو مرض على الانسان جسديا ونفسيا وبيئيا، والسلام يتماشى مع الصحة يد بيد للشفاء فالعنف بجميع أوانه يولد الأمراض جميعها “.

فالصحة والسلام هما عاملان متلازمان، فعندما يغيب السلام يأتي العنف وبهذا يأتي المرض، فمن أهم اسباب الأمراض عندنا هو الاحتلال أي فاننا نحن في حالة حرب على جميع الأصعدة وباستمرار منذ سنين.