“كنعان” تنشر كتاب “إعترافات قاتل إقتصادي”

 تأليف جون بيركنز وترجمة بسام ابو غزالة.

 

الفصلُ التاسع والعشرون

مددتُ يدي إلى الرشوة

في هذا الوقت من حياتي، أخذت أتبيّنُ أننا حقا دخلنا مرحلةً جديدةً من اقتصاد العالم. فالأحداثُ مضت في حركتها بينما كان روبرت مكنَمارا – الرجلُ الذي كان أحدَ مُثُلي – الذي حكم كوزير للدفاع ورئيس للبنك الدولي، يتجاوز في تصعيده أسوأ مخاوفي. فقد انتشرت معالجتُه للاقتصاد بطريقته المستوحاة من الطريقة الكينيزية، وكذلك تحبيذُه القيادةَ المقدامة. أما فكرةُ القتل الاقتصاديِّ فقد توسعت لتضمّ كلّ أشكال المدراء التنفيذيين في تشكيلة واسعة من الأعمال. وقد لا يكون هؤلاء جنّدتهم وكالةُ الأمن القومي أو فتحت لهم قيدا عندها، لكنهم يقومون بأعمال شبيهة.

الفرقُ الوحيدُ الآن يكمن في أن القتلة الاقتصاديين من المدراء التنفيذيين لا يُورِّطون أنفسهم بالضرورة في استخدام المال من البنوك العالمية. وبينما استمر الفرع القديم، فرعي أنا، في الازدهار، فإن الصيغة الجديدة نحتْ مناحيَ جعلتها أشدَّ شرا. في ثمانينات القرن العشرين، كان الشبابُ، من رجال ونساء، يصعدون في صفوف الإدارة المتوسطة مؤمنين بأنّ الوسيلة، مهما كانت، تبرر الغاية: خط أخير مُعزز. لقد كانت الإمبراطورية العالمية ببساطة ممرا لتعظيم الأرباح.

أما الاتجاهاتُ الجديدة فتجسدت في صناعة الطاقة حيث كنت أعمل. وقد أقرَّ الكُنغرس مشروع قانون “سياسة تنظيم المنافع الكهربائية العامة”؛ وبعد أنْ مرّ بسلسلة من الاعتراضات القانونية أصبح قانونا عام 1982. في الأصل كان الكُنغرس ينظر إلى هذا القانون كوسيلةٍ لتشجيع الشركات الصغيرة المستقلة، كشركتي، لتطوير وقود بديل وطرق مبتكرة لإنتاج الكهرباء. وحسب هذا القانون فُرِض على شركات المنافع الكهربائية الرئيسية أنْ تشتري الطاقة التي تنتجها الشركاتُ الأصغر بأسعار عادلة معقولة. وقد كانت هذه السياسة نتيجة لرغبة كارتر في تخفيض اعتماد الولايات المتحدة على النفط – جميع النفط، لا المستورد وحده. وكانت الغايةُ الواضحةُ من هذا القانون تشجيعَ مصادر الطاقة البديلة وإيجادَ شركات مستقلة تعكس روح المغامرة الأمريكية. بيد أن الحقيقة انقلبتْ أمرا مختلفاً تماما.

في ثمانينات القرن العشرين حتى تسعيناته، انتقل التركيز من روح المغامرة إلى تعطيل العمل بالأنظمة. كنتُ أراقب، لأن معظم الشركات الصغيرة الأخرى ابتلعتها شركاتُ الهندسة والبناء الكبرى وشركاتُ المنافع الكهربائية نفسُها. وقد وجدتْ الأخيرةُ ثغراتٍ أتاحتْ لها اختلاقَ شركاتٍ قابضةً أصبح في إمكانها امتلاكُ شركاتِ المنافع الكهربائية الخاضعةِ للأنظمة وشركاتِ إنتاج الطاقةِ المستقلةِ غيرِ الخاضعة للأنظمة، كلتيهما. والكثرةُ منها أصدرت برامجَ عدوانيةً لدفع الشركات المستقلة إلى الإفلاس ومن ثمّ تقومُ بشرائها. وهناك شركاتٌ أخرى بدأت ببساطة من الصفر وطوّرت لنفسها ما يُعادل المستقلة.

أما فكرةُ تخفيض اعتمادنا على النفط، فقد انزاحت جانبا. ذلك أن ريغن كان مدينا حتى قمة رأسه لشركات النفط؛ وبوش بنى ثروته من عمله في النفط. كذلك كان اللاعبون الأساسيون وأعضاءُ مجلس الوزراء في كلا الإدارتين إما جزءا من صناعة النفط أو جزءا من شركات الهندسة والبناء المرتبطة ارتباطا وثيقاً بالأولى. أضفْ إلى ذلك أن النفط والبناء، في التحليل الأخير، لم يكونا حكراً على فئة واحدة؛ فالكثيرون من أعضاء الحزب الديمقراطي أيضاً قد حققوا أرباحاً منهما وكانوا مدينين لهما.

استمرّتْ شركةُ أنظمة الطاقة المستقلة على رؤيتها بالنسبة إلى الطاقة المفيدة بيئياً. كنا ملتزمين بالأهداف الأصلية لقانون سياسة تنظيم المنافع الكهربائية العامة، وبدا أننا كنا نعيش حياة ساحرة. وكنا إحدى الشركات المستقلة القليلة التي لم تتمكنْ من البقاء حسب، بل ازدهرت أعمالها أيضا. ولم يكن لديّ شكٌّ في أنّ سبب ذلك يعود إلى خدماتي السابقة لسلطة الشركات.

ما كان يجري في حقل الطاقة كان مثالا للاتجاه السائد في العالم. فالاهتمامُ بالرّفاه الاجتماعي، وبالبيئة، وبغير ذلك من مستوى المعيشة تراجع أمام الجشع. وفي هذا توكيدٌ كبيرٌ على تعزيز الأعمال الخاصة. وقد بُرِّرَ ذلك، في البداية، استناداً إلى أسس نظرية، منها الفكرةُ القائلةُ إنّ الرأسماليةَ أفضلُ من الشيوعية وسوف تصدُّها. غير أن الحاجة إلى مثل هذا التبرير لم تعد قائمةً بعد ذلك. فقد كان ببساطة مقبولا مُقدَّماً أنّ هناك شيئاً أفضل طبيعيا في المشاريع التي يملكها المستثمرون الأغنياءُ لا الحكومات. أما المنظمات الدولية كالبنك الدولي، فقد أُخضعت لهذه الفكرة، وكانت تعزِّزُ تعطيلَ العمل بالأنظمة، وخصخصةَ أنظمةِ المياه والصرف الصحي، وشبكاتِ الاتصالات، وشبكاتِ المنافع الكهربائية، وغيرها من المرافق التي كانت حتى حينه تابعةً للإدارات الحكومية.

نتيجةً لذلك، أصبح سهلاً توسيعُ فكرة القتل الاقتصادي في المجتمع الأكبر، وإرسالُ المديرين التنفيذيين من طيف عريض من الأعمال في مهمات كانت سابقاً محصورةً بالقلَّةِ منا المجنّدين في نادٍ حصريّ. وقد انطلق هؤلاء التنفيذيون في أرجاء كوكب الأرض، يبحثون عن مصادر العمالة الأرخص، والموارد الطبيعية الأسهل وصولا، والأسواق الأكبر. كانوا أجلافاً في تعاملهم؛ وكما فعل القتلة الاقتصاديون من قبلهم – مثلي أنا في إندونيسيا وبنما وكولُمبيا – وجدوا لأنفسهم ما يبرِّر سيئات أعمالهم. وكما فعلنا نحن، أوقعوا المجتمعات والدول في أشراكهم. وعدُوها بالثراء وسيلةً لاستخدام القطاع الخاصِّ لإخراجهم من الدين. بنوا مدارس وطرقاً سريعة، وتبرعوا بالهواتف وأجهزة التلفزة، والخدمات الطبية؛ وفي نهاية المطاف، حين وجدوا عمالة أرخص ومواردَ طبيعيةً الوصولُ إليها أسهلُ، غادروا البلاد. وحين كانوا يتخلّون عن مجتمعٍ قاموا برفع آماله، كانت النتائج في الغالب مدمرة. وكانوا يفعلون ذلك بدون أدنى ترددٍ أو أقلِّ اكتراثٍ في ضمائرهم.

مع ذلك، كان لا بد لي من التساؤل عن أثر ذلك في نفوسهم إذا انتابتهم لحظاتٌ من الارتياب، كما كان حالي. أتُراهم وقفوا بالقرب من قناة ماء ملوّثة ينظرون إلى امرأةٍ شابّةٍ تحاول الاستحمام بينما يتغوّط في أعلى المجرى رجل عجوز. أبقي أناس مثل هِوَرد باركر يسألون الأسئلة الصعبة؟

بالرغم من استمتاعي بنجاح شركتي، أنظمة الطاقة المستقلة، وبحياتي كرجل أسرة، فإنني لم أستطعْ مقاومة لحظات الاكتئاب الشديد التي كانت تعتريني. أصبحتُ الآن أباً لبنت صغيرةٍ أخاف عليها من المستقبل الذي سوف ترثه. كنتُ أعاني من الشعور بالذنب للدور الذي قمتُ به.

كذلك أنظر إلى الخلف لأرى اتجاهاً سياسياً مزعجا. فقد أنشئ النظام الماليُّ الدوليُّ الحديثُ في أعقاب الحرب العالمية الثانية في اجتماع قادة دول عديدة عُقد في برِتُن وُدز، نيوهَامبْشَيَر – ولايتي الأم. وقد أُنشئ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لإعادة بناء أوربا المدمَّرة، فحققا نجاحاً باهرا. ثم توسّع النظام بسرعة، وأقرَّه سريعا جميعُ حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين، مُشيدين به باعتباره بلسما للطغيان. وقد أُكد لنا أنه سوف يحمينا من قبضة الشيوعية الشريرة.

لكنني لم أستطع إلا أن أتساءل إلى أين يقودنا كلُّ هذا. ففي وقتٍ متأخر من ثمانينات القرن العشرين، مع انهيار الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية العالمية، بات واضحاً أن صدَّ الشيوعية ما عاد الهدف؛ وبات واضحاً أيضاً أنّ الإمبراطورية العالمية، وهي المتجذرة في الرأسمالية، أصبحت طليقة السلطة. يقول جِم غَرِسن، رئيسُ منتدى حال العالم:

إذا أخذنا الأمر بمجمله، فإن تكامل العالم ككل، خاصةً من حيثُ العولمةُ الاقتصاديةُ والصفاتُ الأسطوريةُ لرأسمالية “السوق الحرة”، يُمثِّلُ “إمبراطورية” حقيقية بقدراتها الخاصة…. ما من دولة على وجه الأرض استطاعت أنْ تقاوم هذا المغناطيس القوي. قلةٌ فقط استطاعت أن تتجنب “التعديلات الهيكلية” و”التكييفات” لدى البنك الدولي، أو صندوق النقد الدولي، أو تحكيم منظمة التجارة العالمية، أعني تلك المؤسساتِ الماليةَ الدوليةَ التي، مهما قلّت مُلاءمتُها، فلا تزال تقرِّرُ معنى العولمة، وماهيةَ الأنظمة، ومن يُكافأ لخضوعه ويُعاقبُ لصدوفه. هكذا هي سلطةُ العولمة التي من المحتمل أن نرى بسببها في مدى حياتنا توحيد جميع الأنظمةِ الاقتصاديةِ الوطنيةِ في العالم، حتى لو لم يكن توحيدا عادلا، في نظام عالمي واحد ذي سوق حرة.[i]

حين تفكّرتُ بكل هذه القضايا، قرّرتُ أن الوقت آنَ لكتابة كتاب يقول كل شيء، ضمير قاتل اقتصادي، ولكنني لم أُحاول قطُّ إبقاء هذا العمل صامتا. حتى اليوم، ما كنتُ ذلك الكاتبَ الذي يكتب منعزلا. أجد ضرورةً في مناقشة العمل الذي أقوم به. أتلقى آراء الآخرين، وأطلبُ منهم مساعدتي في تنشيط ذاكرتي ووضع أحداث الماضي في سياقها. أودُّ أن أقرأ على أصدقائي قِطَعا من الموادِّ التي أعمل عليها، لعلي أسمع ردَّ فعلهم. أُدرك أنْ قد يكون في هذا مخاطرة ما، ولكنني لا أعرف وسيلة أخرى للكتابة. لذلك لم يكن ثمة سرٌّ في أنني أكتبُ كتاباً عن الوقت الذي قضيتُه في شركة مين.

ذات عصر يوم في العام 1987، اتصل بي شريكٌ سابقٌ آخرُ في شركة مين وعرض عليّ عقدا استشارياً مربحا جداً من شركة ستون آند وبستر للهندسة (س.و.)*. في ذلك الوقت، كانت هذه الشركة إحدى الشركات العالمية الكبرى في الهندسة والبناء، وكانت تُحاول أنْ تجد لها مكاناً في البيئة المتغيرة لصناعة الطاقة. وكان في العقد أنني سأكون مسؤولا أمام فرعهم الجديد، وهو فرع مستقل لتطوير الطاقة على نموذج شركات كشركتي، أنظمة الطاقة المستقلة. ارتحتُ حين علمتُ أنْ لنْ يُطلبَ مني التورطُ في أيِّ مشروعٍ دوليٍّ أو على شاكلةِ القتل الاقتصادي.

قال لي إنهم، حقيقةً، لن يتوقَّعَوا مني القيامَ بعمل كبير. فقد كنتُ أحد القلة من الناس الذين أسسوا وأداروا شركةَ طاقةٍ مستقلةً ناجحةً، وكانت لي سمعة ممتازة في هذه الصناعة. كان اهتمامُ “س.و.” الرئيسيُّ أنْ يستخدموا ملخّص سيرتي وأن يضعوا اسمي على قائمة مستشاريهم، وهو أمرٌ شرعيٌّ ومتفِقٌ مع الممارسات القياسية في هذه الصناعة. كان العرضُ جذابا لي بصورةٍ خاصةٍ لأنني، بسبب بعض الظروف، كنتُ أفكّرُ في بيع شركتي، أنظمة الطاقة المستقلة. لذلك رحّبتُ بفكرة دخول حظيرة “س.و.” وقبض أتعابٍ ضخمة.

يوم انضممتُ إلى الشركة، أخذني المدير العام التنفيذي لشركة “س.و.” إلى غداء خاص. دردشنا لبعض الوقت؛ وفي أثناء ذلك تبيّن لي أن جانباً مني كان متشوقاً للعودة إلى العمل كمستشار، وأنْ أعزفَ عن مسؤولية إدارة شركة طاقة معقدة، حيث كنتُ مسؤولا عن أكثرَ من مئة موظف حين كنا نبني إحدى المحطات، وعن مسؤولية التعامل مع المشاكل المتصلة ببناء محطات الطاقة وتشغيلها. كنت أتصوّرُ مسبقاً كيف سأصرفُ الأتعاب الكبيرة التي كنتُ أعلم أنه سوف يعرضُها علي. لقد قررتُ استخدامها، من بين أشياء أخرى، في إنشاء مؤسسة لا تهدف إلى الربح.

بينما كنا نتناول الحلوى، تعرّض مضيفي لموضوع الكتاب الذي كنتُ نشرتُه، العادة الخالية من الضغط.* أخبرني أنه سمع عنه أشياء رائعة. ثم حدّق إلى عينيّ وسأل، “أتنوي كتابة كتبٍ أخرى؟”

تقلّصت معدتي. وفجأة، أدركتُ ما يعنيه، فلم أتردد في القول، “لا. لا أنوي نشر كتب أخرى في هذا الوقت.”

فقال، “أنا سعيد بسماع هذا. فنحن، كشركة مين تماما، نفضّلُ الخصوصية.”

“أفهم ذلك.”

تبسّم واسترخي في مقعده، ثمّ قال: “بطبيعة الحال، مثل كتابك الأخير حول التعامل مع الضغط وما إلى ذلك، مقبولٌ تماما. بل أحيانا يمكنُ أن يدفع بمهنة المرء إلى الأمام. كمستشار لـ(س.و.)، لك كل الحرية في نشر مثل هذه الأشياء.” ثم نظر إليّ متوقعاً مني جوابا.

“عظيمٌ أن أعرف ذلك.”

“نعم، مقبولٌ تماما. لكنني أفترض أنك لن تذكر اسم هذه الشركة في كتبك، وأنك لن تكتب عن أي شيءٍ ذي علاقة بعملنا هنا أو عن العمل الذي كنتَ تقوم به في شركة مين. ولن تذكر مواضيع سياسيةً أو أيَّ تعامل مع البنوك الدولية ومشاريع التنمية.” ثم حدّق إليَّ قبل أن يُضيف، “إنها، ببساطة، مسألة ثقة.”

أكدتُ له أنه تحصيل حاصل. ولوهلةٍٍ شعرتُ وكأنّ قلبي توقف عن النبض. فقد عادني شعورٌ قديم يشبه ذلك الشعور الذي كنتُ أُحسُّ به تجاه هِوَرد باركر في إندونيسيا، وحين كنتُ أتجوّل في مدينة بنما إلى جانب فِدِل، وحين كنت أجلس في مقهى كولُمبيٍّ مع بولا. كنتُ أبيع نفسي – مرة أخرى. لم تكن تلك رشوةً بالمعنى القانوني – كان مشروعاً وقانونيا لهذه الشركة أن تدفع لضمِّ اسمي إلى قائمتها؛ وأن تطلبني للاستماع لرأيي أو للاشتراك في اجتماع من وقت إلى آخر. لكنني كنتُ أدرك السبب الحقيقي لاستخدامي.

عرض علي مكافأةً سنوية تعادل راتب مدير تنفيذي.

في وقت متأخر من بعد ظهر ذلك اليوم، كنتُ جالساً في أحد المطارات مذهولا وأنا أنتظرُ رحلتي الجوية إلى فلوردا. شعرتُ وكأنني مومس. بل أسوأ من ذلك. شعرتُ أنني خنتُ ابنتي وأسرتي وبلدي. مع ذلك، قلتُ لنفسي إن الخيار قليل. كنتُ أخشى من نتائج مؤسفة يمكن أن تحدث إن لم أقبلْ ذلك العرض.

 


* Stone and Webster Engineering Corporation (SWEC)

* The Stress-Free Habit


[i] Jim Garrison, American Empire: Global Leader or Rogue Powe? (San Francisco: Berrett-Koehler Publishers, Inc., 2004), p 38.