سوريا بعد عامين*


د. مسعد عربيد

مقدمة

كلفني الاخوة في الهيئة الإدارية ان اقدم لحوار اليوم بمداخلة وما كنت أظن أنها بالمهمة العسيرة. وبعد أن فكرت ملياً، تمنيت لو انهم أعفوني من هذه المهمة، إذ من أين لامرءٍ ان يكثف الحدث السوري في مداخلة؟

هل قلتُ الحدث؟

لا. فما يحدث في سوريا ليس حدثاً ولا حراكاً شعبياً ولا ربيعاً.

سوريا، يا إخوتي، تدخل عامها الدموي الثالث: وطن بأسره ُيدمر، عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمعاقين، دولة عريقة تُنسف مؤسساتها وبنيتها التحتية والفوقية وحتى تاريخها الأقدم في العالم وتُسرق آثارها، شعب جاد على كل جيرانه بخيرات أرضه، أضحى اليوم يواجه العوز والشحة.

 ماذا نسميها؟

أزمة أم حرب؟

صراع في سوريا أم انه صراع عليها؟

ثورة تأخذنا الى الوراء قروناً، الى عصور الظلام وما قبل التاريخ؟

مؤامرة خارجية أم مطالب شعبية بالاصلاح السياسي والإجتماعي؟

حرب أهلية؟ طائفية؟ مذهبية؟ أم حرب إرهابية تحت غطاء الإسلام وهو منها براء؟

دفاع عن حقوق الإنسان والديمقطراطية وحماية للمدنيين واللاجئين، تقودة إمبريالية تدّعي نشر الديمقراطية في كل ارجاء المعمورة إلا في عقر دارها؟

ماذا نسميها؟

لماذا نتحاشى مصطلح النكبة؟ كيف لا نسمي ما يحدث في سوريا نكبة، وهي نكبة بكل المعاني الوطنية والقومية والإنسانية.

بلى. لقد كان تدمير العراق نكبة بعد نكبة فلسطين. وكذلك كان تدمير ليبيا.

وهل ما يحصل في سوريا في فظاعته وتداعياته على التاريخ وأعبائه على المستقبل، أقل من نكبة؟

أليست النكبة هي نكبة الذات؟ ألم ندخل نكبة سوريا دون ان نتعظ بنكبتي ليبيا والعراق؟

***

إلا انه مهما كانت التسمية، فان الواقع امامنا ينطق بالحقيقة. ومهما كانت النيات، المعلنة والخفية، فقد اصبحت الحقيقة واضحة للعيان والهدف واضحا وضوح النهار: تدمير سوريا باي ثمن، وبقسوة ووحشية وبربرية لم تشهدها منطقتنا ولا عرفها التاريخ البشري.

الهدف هم تفتيت سوريا وإزاحتها الى الأبد من معادلة التاريخ والمنطقة ومن المعركة القومية مع الكيان الصهيوني والمخطط الإمبريالي في بلادنا.

هو إستكمال ما عجزت سايكس ــ بيكو الأولى في أيار 1916 عن إنجازه، فدار الزمان لتقسيم سوريا الآن تقسيماً ناعماً كما يحلو لهم ان يقولون.

دوامة عنف دموي لا تفتأ تزداد عنفاً ودمويةً.

حرب كونية اقل ما يقال فيها انها ثمانية: تركيا قطر السعودية فرنسا وبريطانيا واميركا والأردن ولبنان….

هل نضيف… والغرب والحلف الأطلسي والإتحاد الأوروبي؟ والجامعة العربية؟

بل هل نضيف الصمت الشعبي العربي الذي لم يقف محايداً بل يرسل مرضاه ومعاقيه للمشاركة في المذبحة؟

في سوريا إكتملت الدائرة المعادية للعروبة وللإنسانية وإجتمعت كافة مكونات وقوى الثورة المضادة من أميركا وأوروبا وحلف الأطلسي تحت مظلة رأس المال والإمبريالية الأميركية.

كل الأطراف العربية بمختلف ألوانها وتبايناتها إلتقت على الدجل والنفاق والتنظير “للثورة” في سوريا:

ـــ انظمة عربية رجعية أتتنا من ظلام الوهابية والسلفية في السعودية وقطر ومشيخات مجلس التعاون الخليجي العتيد؛

ـــ قوى الدين السياسي الصاعدة في أوطاننا التي تلحفت ب”الثورة” والتغيير؛

ـــ مثقفون وكتاب ومنظرون ومؤدلجون باعوا أقلامهم وعقولهم وإنسانيتهم مقابل حفنة من الدراهم.

ما يجري في سوريا هو في الجوهر مشروع هيمنة امبريالية وصراع على السلطة والموارد يستخدم آليات الدين السياسي وتوظيف الإسلام. فأين دين هذا الذي يأمر بقتا الأبرياء! وأين دين يدرب الأطفال على قطع الرقاب بالسيف!

الصراع هو على نهب ثروات الأرض والجو والبحر: مياه ونفط وما يحتويه باطن البحر المتوسط من 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي وغيرها من ثروات لم نكتشفها بعد.

ما يجري في سوريا هو تدميرها وتفكيكها من إزاحتها كحجر عثرة إستراتيجية امام الزحف الرأسمالي باتجاه إيران وروسيا وفي الأبد محاصرة الصين.

وكل هذا للحفاظ على الكيان الصهيوني.

معطيات الواقع

 

ماذا يقول الواقع وعما يحدثنا الميدان؟

إسمحوا لي في الفقرات التالية ان أقدم بعض العناوين وأطرح بعض الأسئلة علّها تسلط الضوء على المعضلات المتشابكة في الأزمة السورية فتشكل محاور لحوارنا اليوم.

 

(1) سوريا

 

أ) سوريا من الداخل

● حرب على كل الجبهات. عنف وقتل وتدمير وحرق للإحضر واليابس.

● الرد السوري على الهجمة يأتي متريثاً وملتزماً بتحديد توقيت الرد ونوعيته وحجمه والبيئة التي سيتم فيها.

● حكومة ونظام ورئيس يتحكمون بالميدان ويمتلكون قوة ضاربة وساحقة ما زالت تحتفظ في جعبتها بالكثير من القدرات العسكرية والميدانية.

● صمود الدولة ومؤسساتها والجيش العربي السوري في معركة الذود عن الوطن.

● تماسك الشعب والمجتمع السوريين وثبات العقيدة الوطنية في الدفاع عن الوطن حتى الرمق الأخير.

● إكتساب الجيش لخبرات جديدة في محاربة الإرهاب (أمنيا وعسكريا واستخباراتيا) وذلك بفضل التجربة القتالية اليومية والدعم الذي يتلقاه من حلفائه.

● إنخراط الشعب برجاله ونسائه في الدفاع عن الوطن وتطوير اللجان الشعبية التي تشكل جيشاً شعبياً رديفا للجيش العربي السوري.

 

ب) موقف النظام

 

كان الموقف منذ البداية وما زال ثابتاً بعد عامين :

1) التأكيد على الحل السلمي.

2) رفض العنف والعمل على الوقف الفوري للنزيف السوري.

3) تأييد الحوار منذ البداية

● ولكن بشرط وقف الإرهاب اولاً الوقوف ضده والتوقف عن دعمه وتمويله وتدريبه.

● الموافقة على تفاهمات اولية مع ما يسمى بالمعارضة وفق هذه الشروط.

● الحوار ينطلق من مفاهيم النظام ورفض اية شروط تفرض عليه وعلى ارادته.

● تحديد هوية الذين سيحاورهم، وفي هذه الحالة على الأطراف المعارضة التي تريد ان تتحاور ان توحد قواها وممثليها ومواقفها اولاً، وأن تتفق على مرجعية سورية لا أجنبية لها، وإلا فكيف يكون الحوار ومع مًنْ؟

● تحديد القضايا التي ستيم الحوار عليها.

4 ) النظام السوري طرح تصوراته للحل كما جاء في الخطاب الأخير للرئيس:

المرحلة الأولى: التزام الدول المعنية بوقف تمويل وتسليح وإيواء المسلحين بالتوازي مع وقف المسلحين للعمليات الإرهابية.

المرحلة الثانية: عقد مؤتمر الحوار الوطني الشامل للوصول إلى ميثاق وطني يتمسك بسيادة سورية ووحدة وسلامة أراضيها، وهذا يشمل تشكيل حكومة موسعة تتمثل فيها مكونات المجتمع السوري.

المرحلة الثالثة: تشكيل حكومة جديدة وعقد مؤتمر عام للمصالحة الوطنية وإصدار عفو عام.

5) الرئيس الأسد باق في الحكم الى نهاية ولايته ثم ينتخب الشعب السوري رئيسه الجديد.

6) الى أن تنضج هذه المعطيات فسوف تستمر سوريا في قتال الإرهابيين حتى النهاية.

(2) المعارضة

ثورة؟ أم معارضة؟ إسقاط للنظام أم تدمير للوطن؟ حرية وديمقراطية أم إنهاك سوريا من أجل تفتيتها؟

جهاد في سوريا أم إحتراف للقتل؟ جهاد أم إختطاف للإسلام باسم السياسة ولصالح الغرب الإمبريالي وقوى الظلام الوهابية؟

معارضة مرتبطة بالأجندة الغربية والأميركية وعميلة للتركي والقطري والسعودي.

إنقسامات عميقة تشق صفوفها… وتتنازعها تيارات متشعبة ومتناقضة.

لا من ايديولجية تجمعهم ولا برنامج مشترك بل هي المصالح ولو الى حين … حين الوصول الى السلطة وكلهم يعلمون ان الحاكم الوحيد بينهم هو من يأتمر بامر واشنطن.

معارضة تجمع في صفوفها أكثر الوهابيين تشدداً وظلامية، يتخللهم بعض الليبراليين وحتى بعض الماركسيين حتى انهم اختاروا واحداً من هؤلاء ليكون المتحدث باسمهم.

ثم اهتدوا بالنور الأميركي وشكلوا حكومة يراسها هيتو الذي يتحلى يكل مواصفات كارازاي افغانستان.

رئيس الإئتلاف الوطني معاذ الخطيب يستقيل وبعد يومين يحتل مقعد تلجمهورية العربية السورية في ما يسمى بالقمة العربية في الدوحة.

(3) معسكر الأصدقاء والحلفاء

● لسوريا اصدقاؤها وحلفاؤها الإقليميون والدوليون: حزب الله وايران وروسيا والصين ومجموعة دول البريكس BRICS التي إختتمت يوم أمس مؤتمرها الخامس في ديربان في جنوب افريقيا بقرارين مهمين: رفض عسكرة الأزمة السورية والتمسك باتفاق جنيف كأساس لحل هذه الأزمة. ولا ننسى شعوب العالم الثالث التي تقف مع الشعب السوري: انظروا اميركا اللاتينية والهند وغيرها.

● روسيا وبريكس يوفران الغطاء السياسي والعسكري الذي يحول دون التدخل الغربي المباشر وتحدي المخطط الغربي عبر قنوات الامم المتحدة ومجلس أمنها؟

إيران وحزب الله (والعراق الى حد ما) ويشمل الدعم اللوجستي والمالي والسياسي وربما العسكري.

● تتفق هذه القوى على دعم سوريا على كافة المستويات ومنع إسقاط النظام السوري بقرار دولي لان هذا سيضر مصالح ومواقف بريكس ومستقبلها ويفتح المعركة على إيران وحزب الله.

في تفاصيل الموقف الروسي نقرأ:

 

ـــ ثبات الموقف الروسي ودعم سوريا سياسيا ودبلوماسيا وماديا وعسكريا.

ـــ ضرورة وقف التسليح وإرسال الإرهابيين.

ـــ الدعوة الى الحوار السلمي والسياسي.

ـــ التأكيد على عدم السماح بانهيار النظام والدولة والكيان في سوريا.

ـــ روسيا تؤكد ان الأسد لن يسقط وهو باق والشعب السوري وحده هو الذي يختار رئيسه.

ـــ لن تتورع روسيا عن التدخل والرد العسكري اذا اقتضى الأمر.

ـــ الروس يقومون بجهود تهدف الى بناء معارضة سورية ذات موقف واحد وواضح (لقاءات روسية مع هيثم منّاع).

 

(4) معسكر الأعداء

 

أ) مكونات المعسكر

 

يشمل الولايات المتحدة وأوروبا والكيان الصهيوني والجامعة العربية وقطر والسعودية وتركيا والإخوان المسلون وغيرها.

● من ثوابت هذا المعسكر انه يجمع استراتيجيا على إسقاط النظام السوري بعد استهلاك الدولة السورية وتدميرها قدر الإمكان ومن ثم إقامة كيان او عدد من الكيانات الهزيلة والموالية للغرب وللسياسة الإسرائيلية أساسا.

● وفي الخلافات داخل هذا المعسكر نشير الى مستويين:

1) الموقف من تسليح المعارضة وعسكرة الأزمة في سوريا.

2) الموقف من حل سياسي تفاوضي. (قبول حل تفاوضي للأزمة في سوريا مع الروس والحصول على أكبر تنازل ممكن من خلال الضغط لتنحي الرئيس الأسد وإمكانية حل على الطريقة اليمنية، والطرف الآخر يميل لاسقاط النظام كاملا.)

● في تفاصيل موقف الغرب الرأسمالي:

اميركا والغرب تنتهج المناورة الإزدواجية وهذا ليس جديداً.

■ كلينتون واوباما في ولايته الأولى: على الأسد ان يتنحى، وما أن يتسلم جون كيرى وزاره الخارجية حتى أعلن عن دعم علني ب 60 مليون للمعارضة وطالب الأسد بالحوار مع المعارضة السورية ثم عدل تصريحاته فقال انه كان يقصد النظام.

■ لافرورف التقى بكيري وبوتين سيلتقى باوباما، والطرفان مختلفان في تفسير تفاهمات جنيف كل وفق أجندته ومصالحه. وهو ما ستكشفه الأيام.

■ أميركا، من جهة اخرى، تدفع حلفاءها الأوروبيين للعمل مع عملائها العرب والإقليميين لتصعيد الصدام المسلح أملاً في احراز انجازات ميدانية تخدم موقعهم التفاوضي.

 ■ هل حقاً بيننا من يظن أو يصدق أن الولايات المتحدة حائرة في الشأن السوري؟ ام هكذا يبدو الأمر في ظاهره. ليس في الأمر حيرة. رأس المال يدرك بدقة أين يكمن الربح وينطلق نحوه، وكل ما في الأمر هو ادارة للصراعات والتنافسات بين اطرافه في الداخل الأميركي من جهة، ومع شركائه في الغرب الرأسمالي من جهة اخرى.

 ■ ولكن أليس من المحتمل أن أميركا أدركت بان المعركة تمضي دون ان تكون حساباتها مضمونة، ودون ان تكون نتائجها محسوبة؟ إلا ان خسارة المعركة في قاموس رأس المال لا تعني التعلم او التراجع، بل هو مجرد اعادة ترتيب الأوراق. فحين تخسر السياسة الرأسمالية الخبيثة المعركة في سوريا، نراها تلجأ للحفاظ على مصالحها والتنصل من المستنقع السوري… ولو الى حين.

■ في الظاهر اختلافات بين أميركا وفرنسا وبريطانيا، او تباين في وجهات النظر.

بريطانيا وفرنسا تطالبان بلدان اروربا والاتحاد والحلف برفع مستوى التسليح.

الاتحاد الأوروبي يخذل فرنسا وبريطانيا وينحاز الى الموقف الأميركي في عدم التسليح، وألمانيا تعارض فرنسا وبريطانيا….

■ وفي الجوهر يتم توزيع أدوار ومهام بين مكونات الغرب الرأسمالي:

ــ أميركا تدرك انها فشلت في الحسم العسكري على الأرض وإسقاط النظام، فلجأت الى خيار التفاوض والحل السلمي مما لا يعني عدم استمرار دعمها للإرهابيين وتصعيد المعركة لتحسين اوراق التفاوض وهو ما نراه على الأرض. وإلا كيف نفسر اعلان اميركا عن اقامة معسكرات تدريب في الأردن، وتقديم الدعم المالي المعلن، وتسليحهم وإيوائهم عبر اموال وصفقات عملاء اميركا: السعودية وقطر وتركيا.

■ ولكن لماذا نستبعد إحتمال ان اميركا، بالاضافة الى ذلك، ليست على عجلة من امرها، فهي تدعي تأييد الحل السلمي والسياسي، وفي الآن ذاته يستمر العدوان على سوريا من اجل إنهاك دولتها وجيشها وخلق بيئة داخلية ملائمة للنزاعات الطائفية والمذهبية واعداد سوريا للمزيد من التفتيت والتقسيم بما يخدم مصالحها الإستراتيجية ومصالح كيانها الصهيوني.

ب) المسألة الكردية

 

هل هناك من أبعادِ وعواملَ كردية متفاعلة ومتشابكة مع التطورات في سوريا؟ وهل هناك توجهات نحو إعادة ترسيم الجغرافيا السياسية في المنطقة؟

عبدالله اوجلان زعيم حزب العمل الكردستاني رجل خاض الكفاح المسلح ضد الحكومة التركية، يقبع في سجون تركيا منذ عام 1998 ويواجه حكماً بالاعدام… حكم طالما شكل حجر عثرة في قبول تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبي…

اوجلان هذا خرج علينا ليلة رأس السنة الكردية 21 آذار باعلان صفقة مع النظام التركي بوقف الكفاح المسلح والشروع بمبادرة سلام.

يأتي هذا التصريح عقب إغتيال المناضلات الكرديات الثلاث قبل بضعة اسابيع في العاصمة الفرنسية والتي تشير كل المؤشرات ان المخابرات التركية كانت ضليعة بعملية الإغتيال هذه.

ولكن دعونا ندقق في المفردات: اوجلان لم يلق السلاح ولا طالب بذلك وفق الكثير من المحليين، بل استخدم مفردة انسحاب مسلحي حزبه من الاراضي التركية. وعليه فالسؤال يكون: الإنسحاب الى أين؟

طبعاً الأيام وحدها هي التي تملك الإجابة. ولكن بوسعنا وضع النقاط على الحروف فنصيغ الإشكالية على النحو التالي:

هل الموقف التركي من سوريا ومعاداتها أمر معزول عن الطموحات الإقليمية التركية؟ ألا يشكل وصول حزب العدالة والتنمية الى الحكم في أنقرة وصعود نجم تركيا في فضاء السياسات الإقليمية والدولة، تعبيراً عن طموحات تركيا في المنطقة وتنفيذ لوظيفتها كحليف إقليمي للغرب الرأسمالية؟

لنضع جانباً مسرحية اوردغان وصراخه في وجه الصهيوني بيرس، وكذلك هراءه وغيظه بعد هجوم الصهاينة على سفينة مرمرة وقتل مواطنين بلده في ايار 2010. فقد لحس اوردغان كل كلماته وكل كرامته منذ بضعة ايام حين ارسل له شريكه نتنياهو رسالة اعتذار بايعاز من سيدهما اوباها.

ضعوا كل هذا جانبا… فلا قيمة له في السياسة ولا وزن.

فالسؤال المركزي يظل كيف تكون تركيا قوة عظمى في المنطقة وعضو مؤسس في حلف الناتو وحليف رئيسي لأميركا وفي الآن ذاته تخاصم إسرائيل؟

وكيف يتسنى لها ان تحتل موقع الصدارة الإقليمية وهي تشاهد اقليم كردستان في شمال العراق يتنامى ليصبح واقعاً ملموساً وما يمثله هذا الكيان للملايين من الأكراد في تركيا وسوريا وغيرهما؟

هل لنا ان نفسر السلوك التركي حيال المسألة الكردية على انه جزء من الحملة على سوريا؟ وإلا فما معنى انسحاب المقاتلين الأكراد من تركيا؟ وما معنى تعيين غسان هيتو، الكردي السوري والمهاجر في الولايات المتحدة، رئيسياً للحكومة السورية المؤقتة العميلة؟ وهو تعيين يأتي بعد 14 ساعة من الاجتماعات والتشاورات المغلقة وإستدعاء الهيئة الإنتخابية بعد منتصف الليل للتصويت، وإنشقاق 12 عضوا بعد ساعات من تعيينه.

ج) الأطراف العربية في معسكر الأعداء

 

لن أضيع وقتكم بالحديث عن دور قطر والسعودية ومجلس التعاون الخليجي، ولا عن موقف السلطة الفلسطينية وحكومة حماس حملتهما السياسية والإعلامية التحريضية المعادية لسوريا، فهي مواقف أضحت معروفة للجميع. الكل يعلم عن تمويل للإرهابيين الوهابيين وتسليحهم وتنظيم تهربيهم الى سوريا من كل حدب وصوب.

الجامعة العربية

دعونا من اللغط حول الجامعة وقممها التي إختمت اخيرتها قبل يومين. هي قمم في الخزي والعار، قمم في الهرطقات والعهارات السياسية القادمة من الربع الخالي والخليج.

● ليست الجامعة العربية سوى صنيعة للسيد الأميركي ومن قبله البريطاني وعملائه من الأنظمة المأجورة، لذا فهي جزء من هذه المعركة وهكذا ستظل آلة التدمير والقتل في أيدي للرجعية العربية وأنظمة الوهابية والدين السياسي. فقد كانت هذه الجامعة البادئة بدعوة الناتو لتدمير ليبيا وواصلت الدعوة ضد سوريا.

● تفتق العقل العربي السياسي في القمة الأخيرة عن حيلة قديمة جديدة بانه من حق كل دولة عربية ان تسلح المعارضة السورية. فما الجديد؟ فهم لا يرفعون السلاح الا وجه الحق والمقاومة. ميى رأيتوهم يرفعون السلاح في وجه المحتل الصهيوني؟

● نبيل عربي يصرح بدون مواربه: “لا افق لحل سياسي والمطلوب هو التدخل العسكري” في سوريا.

● الجامعة الغت عضوية سوريا في الجامعة العربية وأحلت محلة مقعداً للإرهابيين وها هي تمنح مقعد سوريا التاريخ والحضارة للحكومة العميلة.

لبنان

 

● كعادته، لبنان صغير الجغرافيا وصغير القدرة على الفعل ولكنه كثير التعقيد.

● دولة رخوة لا تملك القرار. جيش هزيل، لا يقوى على القيام سوى بعض مهام حفظ الأمن.

● حدوده مع سوريا طويلة ومتشابكه وسكان البلدات والقرى الحدودية مختلطون من الشعبين لعقود طويلة لم تقوى التجزئة السياسية ورسم الحدود الكولونيالية، على تفكيك العروة الوثقى بين عائلاتها.

● كذبة النأي بالنفس عما يحدث في سوريا، كيف يكون النأي وتهريب للأسلحة والمسلحين الى سوريا يجري يومياً وبالآلاف.

● تورط القوى السياسية والطائفية في لبنان في العمليات الإرهابية وتدمير سوريا وسفك الدم السوري.

● ولكن في لبنان ايضاً حلفاء وأصدقاء لسوريا. الحليف الأساسي هو حزب الله وهناك العديد من القيادات ذات الثقل السياسي والشعبي بين مكونات الشعب اللبناني: اميل لحود، سليمان فرنجية، طلال ارسلان، ميشال عون.

 

الأردن

● الأردن بامتداده الجغرافي الى الجولان المحتل، يشكل مع الكيان الصهيوني الخاصرة الجنوبية لسوريا.

● حكومته تقيم مراكز ومعسكرات تدريب للإرهابيين ولغزو سوريا وتلتزم بالتنسيق الأمني، ولكنها تخشى، ويجب أن تخشى، تنامي القاعدة وجبهة النصرة على أراضيها.

● لقد خُلق الكيان الأردني، وغيره من الكيانات القُطرية، في منظور إتفاقية سايكس ــ بيكو وعيون الغرب الإمبريالي من أجل وظيفة محددة وهي تفكيك سوريا الكبرى (بلاد الشام)، وهو الآن يعيش أزماته الخانقة، فإذا ما قرر الغرب عدوانا عسكريا على سوريا، فهل سيكون الأردن ضمنه؟

العراق

 

● يشهد مع سوريا تعاوناً أمنيا أفضل ومرشحاُ للمزيد من التنسيق خاصة في وجه الأوضاع العراقية المتدهورة. لكنه لا يزال يعاني من تسعير النزاعات الطائفية فهل يأتي تفجير الأوضاع الأمنية لإرباكه وإشغاله؟

● الموقف العراقي لا يزال أضعف من الانحياز لصالح سوريا مقارنة بانحياز تركيا قطر السعودية وحتى الأردن ضدها.

الشارع العربي

كيف نفهم الشارع العربي؟ كيف نفسر صمته حيال ما يجري في سوريا؟

كيف يحصل كل ما يحصل في سوريا، ولا تحرك العرب ساكناً وصمت الشارع العربي لا يقل عن صمت القبور؟

في كل يوم نصرخ: سوريا قلعتنا الأخيرة؟ فما معنى هذا؟

هل المغزى في الرمز والشاعرية والرومانسية أم في المعنى والدلالة؟ كيف تقف أمة مكتوفة الأيدي في معركة “قلعتها الأخيرة”.

في ظلال صمت الملايين يتم تجنيد الإرهابيين وإرسالهم الى سوريا في طريقهم الى الفردوس وإن كان بعضهم قد ظن انه قد وصل الى غزة لقتال العدو الصهيوني.

شارع وشعوب هجرت الوعي بعد ان دمره مثقفوها ومفكروها فاستبدلت الوعي والضمير بغيبيات الذبح والقتل… فيا لهول المسافة بين الإثنين. جماهير تخلت عن الكرامة والتاريخ بعد ان إنهارت قيادتها واحزابها ونخبها.

نُرى ما هو الذي تحتاجه شعوبنا لتهب الى دعم سوريا وتحفيف وطأة الهجمة عليها؟ هل نحتاج الى سحر يفجر الشارع العربي ضد الأنظمة؟

خاتمة: ماذا في الأفق؟

ثوابت المشهد

 

● رغم التفاوتات والخلافات والتناقضات يظل هدف الغرب الرأسمالي اسقاط النظام وتدمير الدولة السورية عسكرياً واقتصادياً ومؤسساتياً؟

● التفاهم الأميركي – الروسي مؤجل الى ما بعد حزيران ــ حين يلتقي الرئيسان اوباما وبوتين لبلورة الحل الدولي.والى ذلك الحين، تمارس تركيا وقطر والسعودية وبعض مشيخات الخليج لعبتها الدموية بالتدخل المباشر في سوريا ماليا وعسكريا وسياسيا.

● زيارة أوباما الى المنطقة هدفت، من بين ما هدفت، الى لملمة أعداء سوريا لمعركة جديدة أملاً في تغيير موازين القوى قبل الذهاب إلى لقاء بوتين أوباما.

● نقع في خطأ قاتل إن توهمنا ان هناك تحول حقيقي في الموقف الأميركي من التسوية وحتى في اللقاء الموعود بين الرئيسين الروسي والأميركي سيظل الميدان وحده هو الذي يحسم كل الحسابات.

● ولكن هل من حل دون موافقة القوى الغربية وعملائها من الحكام العرب؟ أليست هي ذاتها راعية الإرهاب في سوريا؟

● الإرهابيون باتوا في كل مكان في سوريا، ولكنهم لم يحققوا نصراً في الميدان، ومن هنا فانهم يسعون الى حل يمنحهم ما لم يحققوه على الأرض: إستنزاف سوريا وجيشها وشعبها ومؤسساتها، فاذا لم ترضخ سوريا لشروطهم، فانهم يكونوا قد حققوا هدفهم الآخر: تدمير البلد واضعافه وتهيئته للتقسيم الناعم.

● الاّ ان الحسم في الميدان هو القول الفصل، فالجيش السوري يقف لإرهابيين بالمرصاد وفي كل مكان ويؤكد على المزيد من الصمود والانتصارات.

● الموقف الأوربي يبدو متخبطاً وينذر بالمخاطر بين فرنسا وبريطانيا والمانيا وحلف الناتو والاتحاد الاوروبي، الا انها خلافات اللصوص على إقتسام الغنيمة.

● ما يمسى بالمعارضة السورية تزداد تشرذما بعد استقالة اكثر من 12 عضواُ منها بعد تعيين غسان هيتو رئيسا لحكومة المنفى السورية المزعومة، مما يعني ان تظل هذه المعارضة عاجزة عن أي قرار أو القيام بدور فاعل سوى ما تأتمر به من أسيادها الغربيين.

● استقالة معاذ الخطيب مؤشر تصدع كبير داخل المعارضة.

● أتت الأيام الأخيرة باحداث متسارعة وأسئلة كثيرة، ولكن كل المعطيات تشير الى ان المعركة طويلة. وكلها تشير الى أن الأوضاع في سوريا تظل مفتوحةً على كافة الإحتمالات، ولكنها تؤكد أمرين:

الأول: ان المنطقة بأسرها تظل كذلك مفتوحة على هذه الإحتمالات، وأن معركة دمشق ستغرق المنطفة باسرها في مسلسل الحروب.

والثاني: ان الشعب الصامد والمقاتل والقابض على الزناد هو المنتصر.

سوريا إذن على مفترق طريق، ولكنها في الآن ذاته تضع الوطن العربي والمنطقة ومستقبل العالم باسره على ذات المفترق.

● الغرب لا ينتهي من لعبته فهي لعبة المصالح، وهذا صحيح. إلا ان السؤال الحائر يظل: متى نستيقظ من غيبوبتنا.؟

أختم بالقول للذين يرون في سوريا “ثورة”: اذا كانت المطالب الشعبية قد تمثلت قبل عامين في الاصلاح والعدالة الإجتماعية فقد اصبحت غاية السوريين اليوم وقف القتل والعنف والحفاظ على وحدة التراب والمجتمع السوريين.

إن هذه الحرب ليست سوى المقدمة لأن المعركة الكبرى هي مساحة الوطن الكبير… فلا ضمانة للغرب دون إحكام هيمنته على مقدرات امتنا وهذا يتطلب تذريرنا الى رذاذ متناثر على شواطئ المتوسط وفي العمق منه الشام والهلال الخصيب. وهذا يعني:

1) إعادة رسم الجغرافيا والخارطة السياسية: أي المزيد من التجزئة.

2) إعادة انتاج المجتمعات العربية بتجريد القوى والطبقات من كل قوة لتصبح آليات تابعة للغرب الإستعماري.

3) تسعير المعارك بين الطوائف والمذاهب والملل والأديان والذهاب الى المزيد من سفك الدماء.

هل هذا هو ما يتنظر أوطاننا؟

:::::

* قدمتُ هذه المداخلة في ندوة لنقابة الصحفيين العرب الامريكيين بعنوان: “حوار مفتوح: سوريا بعد عامين من الأزمة”. وقد عُقدت الندوة في مدينة لوس أنجلس بتاريخ 28 آذار (مارس) 2013.