المعارضة السورية: ماذا بعد الاستعانة بالشيطان؟

د. ليلى نقولا الرحباني

لا شكّ أن أكثر القلقين الآن من حادثة بوسطن الارهابية وتداعياتها ونتائجها، قد تكون المعارضة السورية التي لم تستفق لغاية الآن من صدمة إعلان جبهة النصرة مبايعتها للظواهري، وأنها جزء من تنظيم القاعدة في بلاد الشام.

ويدفع هؤلاء اليوم ثمنًا سياسيًا كبيرًا نتيجة التسرع والتعمية التي مارسها الائتلاف السوري على ارتباطات جبهة النصرة بالقاعدة في وقت سابق، حين قام معاذ الخطيب بانتقاد قرار واشنطن في كانون الأول الماضي بإدراج جبهة النصرة على لائحة المنظمات الإرهابية، كما انتقد نائبه جورج صبرا، القرار، مشدداً على أن الشعب السوري يعتبر “جبهة النصرة” جزءاً من الثورة، لذا قد لا تنفعهم اليوم كل الدعوات التي يدعوها الخطيب وهيتو لجبهة النصرة لفك ارتباطها بالقاعدة وتغيير اسمها، باعتبار أن فكر القاعدة لا يناسب الشعب السوري.

في الواقع، إن جميع اللاعبين على الساحة السورية متهمين بشكل أو بآخر بأنهم كانوا قد سهّلوا أو تغاضوا عن تغلغل القاعدة في المنطقة ويمكن أن نذكر منهم ما يلي:

1- النظام السوري: لطالما أتهمت الولايات الأميركية النظام السوري بالسماح بمرور الارهابيين من القاعدة الى العراق وتقويض قدرة الأميركيين من السيطرة على العراق. وقد عجز الأميركيون في وقت سابق في العراق عن اجتثاث القاعدة من العراق، فاستعملوا لهذه الغاية “الصحوات” والتي تتكون من العشائر السنية التي تعششت القاعدة في مناطقها، فكانت الأقدر على قتال القاعدة من سواها، سواء من الجيش العراقي أو الجيش الأميركي.

وقد يكون الحل الأميركي المختبر سابقًا في العراق هو المثال الذي يمكن أن يحتذى في سوريا، حيث أن  العشائر السورية المتضررة من جبهة النصرة ووجودها في مناطقها، ومن استباحتها للمخزون الزراعي والنفط وبيعهما للحصول على المال، قد تقوم بتنظيم نفسها وامتشاق السلاح لمحاربة القاعدة وأخواتها للحفاظ على حياتها وأرزاقها.

2- المعارضة السورية: إن التركيز على إسقاط نظام الأسد بأي ثمن كان، دفع المعارضة السورية والجيش السوري الحر الى غضّ النظر عن تغلغل القاعدة في النسيج السوري، ولعل ما أسماه وليد جنبلاط ” التحالف مع الشيطان” لإسقاط الرئيس بشار الأسد كان بالتحديد الذريعة التي استخدمها المعارضون السوريون للترحيب بانتشار القاعدة في سوريا، فجبهة النصرة كانت الاكثر تنظيمًا وتمويلاً، وكانت تحتوي على أشد المقاتلين بأسًا وهو ما دفع المعارضة السورية على تسخيف كل التحذيرات الغربية والمحلية من أن انتشار القاعدة في سوريا، قد يكون الأخطر على الثورة السورية وعلى الشعب السوري بالتحديد.

3- الغرب وأميركا: بالرغم من كل التحذيرات التي أطلقها الاميركيون حول تغلغل القاعدة في المعارضة السورية، إلا أن الأمر لم يتعدَ سوى إدراج الأميركيين لجبهة النصرة على لائحة المنظمات الإرهابية، مقابل استمرار تدفق السلاح والمال، والمقاتلين الجهاديين من جميع أنحاء اوروبا الى سوريا للقتال ضد النظام السوري.

واقعيًا وتاريخيًا، وبحسب اعتراف هيلاري كلينتون العلني في جلسة استماع أمام الكونغرس الأميركي، كان الأميركيون قد أنشأوا القاعدة في أفغانستان لقتال السوفييت، وأعلنت كلينتون صراحة أن الرئيس ريغان والكونغرس وافقوا على فكرة إنشاء القاعدة، وإنهم اتفقوا مع باكستان والمخابرات الباكستانية لإنشاء ما أسمتهم “المجاهدين” وأنهم اتفقوا مع المملكة العربية السعودية على استيراد العلامة الوهابية للاسلام، لهزم الاتحاد السوفياتي، وأعلنت أن الخطة نجحت باعتبار انسحاب السوفييت من المنطقة، وخسارتهم مليارات الدولارات ما أدى الى انهيار الاتحاد، لهذا لم يكن الاستثمار في تأسيس القاعدة سيئًا برأيها.

أما اليوم، وبعد أن تحولت القاعدة الى ما تحولت اليه، فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم في سوريا:

من يستفيد ممن؟ هل يستفيد الغرب وأميركا من وجود القاعدة للقتال في سوريا، بحيث تقوم بجمع المجاهدين من كل أنحاء العالم، والتخلص من قنابل موقوتة موجودة في اوروبا، وبات المطلوب من الجيش السوري تخليص العالم منهم، ولذلك بات من المجدي إطالة أمد الأزمة؟ أم يستفيد النظام السوري من وجود القاعدة كمكون أساسي في الثورة السورية، لشيطنتها أمام العالم، وإظهار نفسه في جبهة واحدة مع الغرب في قتاله ضد لارهاب العالمي المتنقل؟

في المحصلة، ومهما كانت الحيثيات والنتائج، لا شكّ أن فكر القاعدة ونهجها لا يمكن أن يبني ديمقراطية ولا يمكن أن يبني دولة تطمح اليها شعوب المنطقة، ومن يريد أن يستعين بالشيطان سيجد نفسه في جهنم لا محالة.