“كنعان” تنشر كتاب “إعترافات قاتل إقتصادي”

 تأليف جون بيركنز وترجمة بسام ابو غزالة.

 

الفصلُ الخامسُ والثلاثون

 

ثَقْبُ القشرة

بعد قليل من عودتي إلى بيتي من الإكوادور عام 2003، قامت الولاياتُ المتحدةُ بغزو العراق للمرة الثانية خلال عقدٍ أو يزيدُ قليلا. كان القتلةُ الاقتصاديون قد فشلوا، وكذلك فشلت بناتُ آوى. لذلك أُرسل الشبابُ والشاباتُ ليُمارسوا القتلَ ويموتوا في رمال الصحراء. ثمة سؤالٌ واحدٌ أثاره الغزو، ولكنه سؤال أحسَبُ أنّ قلةً من الأمريكيين قادرةٌ على النظر فيه، وهو ما يعنيه هذا الغزوُ للأسرة الملكية السعودية. فلو أن الولاياتِ المتحدةَ استولت على العراق، وفيه من النفط حسب التقديرات الكثيرة أكثرُ مما في السعودية، فسوف تقلُّ حاجتنا إلى الالتزام بالحلف الذي عقدناه مع الأسرة الملكية السعودية في سبعينات القرن العشرين، وهي الصفقةُ التي بدأت مع مسألة غسيل المال العربي السعودي.

نهايةُ صدّام، كنهاية نُرييغا في بنما، سوف تُُغيِّر المعادلة. في حالة بنما، لقد سيطرنا على القناة حين أعدنا إلى الحكم أُلعوباتنا، بغض النظر عن بنود المعاهدة التي تفاوض عليها توريجُس وكارتر. فهل نستطيعُ تحطيم أوبك إذا سيطرنا على العراق؟ هل ستزول أهمية الأسرة الملكية السعودية في سياسات النفط العالمية؟ تساءل بعض النقاد عن سبب مهاجمة بوش للعراق بدل تركيز جميع مواردنا في ملاحقة القاعدة في أفغانستان. أيُمكن أن تكون وجهةُ نظر هذه الإدارة – هذه الأسرة النفطية – أنّ تأمينَ وارداتنا النفطية، وإيجادَ مبرراتٍ لعقود بناء، أهمُّ من محاربة الإرهاب؟

بيد أن هناك أيضاً نتيجةً أخرى محتملة، أنّ أوبك قد تستطيع إعادة تثبيت نفسها. فإن استولت الولاياتُ المتحدة على العراق، فقد لا تخسر الدول الغنية بالنفط كثيرا إن هي رفعت أسعاره و/أو خفضت إنتاجه. يرتبط هذا الاحتمال بمشهد آخر ذي دلالاتٍ ممكنةٍ لقلةٍ من الناس خارج عالم المال الدولي الأكبر، لكنها تستطيعُ همز معايير التوازن الجغراسيِّ لتُطيحَ في النهاية بالنظام الذي عملت سلطةُ الشركات جاهدة على بنائه. قد تظهر في الواقع أنها العاملُ الوحيدُ الذي يجعل أول إمبراطورية عالمية حقيقية في التاريخ تدمِّرُ نفسها.

في التحليل النهائي، تعتمد هذه الإمبراطورية العالمية كثيراً على كون الدولار العملةَ العالمية القياسية، وأن للولايات المتحدة الحقَّ في طباعة هذه الدولارات. وهكذا نمنح قروضاً لدول مثل الإكوادور ونحن نعلم تماما أنها لن تستطيع سدادها؛ بل الحقيقةُ أننا لا نريدها أنْ تحترم ديونها، لأن التخلف عن الدفع هو ما يمنحنا السطوة – حصتنا من اللحم. في الظروف العادية، نحمل على عاتقنا مخاطرة تبديد أموالنا لاحقا؛ ذلك أنه ليس ثمة من دائن قادر على تحمُّل قروض مستعصية أكثر مما يجب. بيد أن ظروفنا ليست عادية. فالولايات المتحدة تطبعُ عملة لا تستند إلى الذهب. بل إنها لا تستند إلى أيِّ شيء سوى ثقة عالمية عامة باقتصادنا وقدرتنا على تحريك قوات وموارد الإمبراطورية التي أوجدناها لتدعمنا.

تُعطينا قدرتنا على طبع العملة قوة هائلة. فهي تعني، من ضمن أشياء أخرى، أننا نستطيعُ الاستمرارَ في منح قروض لا يُمكن سدادُها – وأننا نستطيع نحن أن نراكم ديونا ضخمة. ففي بداية العام 2003، تجاوز دَيْنُ الولايات المتحدة القوميُّ رقما مذهلا بلغ ستة ترليونات دولار، وقُدِّر له أن يصل سبعة ترليونات دولار قبل نهاية العام – أي حوالي 24 ألف دولار على كل مواطن أمريكي. والكثير من هذا الدين يعود إلى دول آسيوية، خاصة اليابان والصين، اللتين تشتريان سنداتِ الخزينة الأمريكية بالمال المتراكم من بيعها للولايات المتحدة والسوق العالمية بضائع استهلاكية – منها الإلكترونيات، والحواسيب، والسيارات، والأدوات، والملابس.[i]

ما دام العالمُ يقبل بالدولار عملةً قياسيةً له، فلن يُشكِّل هذا الدينُ المفرطُ عقبةً جديةً لسلطة الشركات. بيد أنه إنْ جاءت عملةٌ أخرى لتحلَّ محل الدولار، أو إن قرر بعض دائني الولايات المتحدة (كاليابان والصين، مثلا) أن يستردّ ديونه، فسوف يتغير الوضعُ بشكل عنيف. عندها ستجد الولايات المتحدة نفسها فجأة في وضع خطير.

والواقع أن وجود هذه العملة لم يعد نظريا؛ فقد دخل اليورو المسرح المالي الدولي منذ الأول من كانون الثاني 2002، وهو يزداد سمعة وقوة في كل شهر يمر. واليورو يمنح أوبك فرصة غير عادية إذا اختارت أن تنتقم لغزو العراق، أو إن قررت لأي سبب أن تُبرِزَ عضلاتِها للولايات المتحدة. إن قرارا من أوبك أن تستبدل اليورو بالدولار كعملة معتمَدة لها، سوف يهزُّ الإمبراطورية من أساساتها. فإنْ وقعَ هذا، وإنْ طالَبَنا أحدُ دائنينا الكبار بسداد ديوننا باليورو، فسيكون الأثر شنيعا.

فكّرتُ بهذه الأشياء صبيحة يوم الجمعة الحزينة، 18 نيسان، 2003، حين مشيتُ المسافة القصيرة من منزلي إلى المرآب الذي حولته إلى مكتب لي، وجلستُ إلى المكتب، وفتحت الحاسوب، وذهبتُ كعادتي إلى موقع نيويورك تايمز على الشبكة. قفز في وجهي العنوان الرئيسي؛ فحملني فوراً من أفكاري حول المالية الدولية، والدَّيْن القومي، واليورو، إلى مهنتي القديمة: “الولايات المتحدة تمنح بِكتِل عقدا رئيسياً لإعادة بناء العراق.”

قالت المقالة: “منحتْ إدارةُ بوش مجموعة بِكتِل من سان فرانسسكو أولَ عقدٍ رئيسيٍّ اليوم من ضمن خطة واسعة لإعادة بناء العراق.” وفي مكان لاحق يُخبر الكاتبان القراءَ أنّه “لإعادة تشكيل البلاد، سوف يتعامل العراقيون بعد ذلك مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهما مؤسستان للولايات المتحدة نفوذٌ واسع فيهما.”[ii]

نفوذٌ واسع! عبارة تُقزِّمُ الحقيقة.

ثم ذهبتُ إلى مقالة أخرى في الجريدة، “للشركة روابط في واشنطن، وإلى العراق.” مسحت بعيني الفقرات الأولى التي تكرر المعلومات الواردة في المقال الأول، حتى جئت إلى ما يلي:

لبِكْتِل علاقات طويلة مع مؤسسة الأمن القومي. … أحدُ مدرائها هو جورج شُلتز، الذي كان وزيرا للخارجية في عهد رونلد ريغن. كان شُلتز، قبل انضمامه إلى إدارة ريغن، رئيس بِكْتِل، وهو الآن كبيرُ مستشاريها؛ وكان معه، قبل توليه وزارة الدفاع، كاسبر و. واينبيرغر، أحد المدراء التنفيذيين لهذه الشركة التي تتخذ من سان فرَنسسكو مقرا رئيسيا لها. وفي هذا العام عيّن الرئيسُ بوش المديرَ التنفيذيَّ العامَّ لشركة بكتل، رايلي ب. بِكْتِل، عضواً في مجلس الرئيس لشؤون التصدير.[iii]

في هذين المقالين قصةٌ موجزةٌ للتاريخ الحديث المتمثل في الاندفاع صوب الإمبراطورية العالمية. فالذي حدث في العراق ووصفته الصحافة الصباحية إنما هو نتيجةٌ للعمل الذي دربتني كلودين على أدائه قبل زهاء خمس وثلاثين سنة، ونتيجةٌ لعمل رجال ونساء آخرين كانوا يشتركون في شهوة تعظيم النفس التي لا تختلف عما عرفت. لقد أشّر [غزوُ العراق] إلى تقدم سلطة الشركات على طريق إخضاع كل إنسان في العالم لنفوذها.

كانت هذه المقالاتُ تدورُ حول غزو العراق عام 2003 وحول العقود التي تُوقَّعُ الآن لإعادة بناء ذلك البلد بعد الدمار الذي أحدثه جيشُنا؛ إنه بناءٌ من جديد يقوم على النمط المتغرب الحديث. مع ذلك، فإن أخبار الثامن عشر من نيسان، 2003، إنما تُنصتُ من دون بوح إلى بداية سبعينات القرن العشرين ومسألة غسيل الأموال السعودية. لقد وضعت “ساما”،* وما تولّد عنها من عقود، سوابقَ جديدةً وغير قابلة للنقض سمحت – بل فرضت – لشركات الهندسة والبناء الأمريكية ولصناعة النفط أن تتولى تطوير هذه المملكة الصحراوية. وفي الضربة القوية ذاتها، وضعت “ساما” قواعد جديدة للإدارة العالمية للنفط، وللجغراسية المعاد تعريفها، وأقامت مع الأسرة الملكية السعودية حلفاً يضمن سطوتها وكذلك التزامها بالعمل وفق قواعدنا.

وإذ كنتُ أقرأ هذه المقالات، لم أستطع إلا أن أعجب كم من أبناء شعبنا يعرف مثلي أنّ صدام حسين كان سيبقى في الحكم لو أنه قبل الدور الذي قبله السعوديون. لكُنّا تقبّلنا صواريخه ومصانعه الكيماوية؛ لكُنّا بنيناها له، ولتولَّى جماعتُنا تحديثَها وصيانتَها. لكانت صفقةً حلوةَ المذاق جدا – كما كانت السعودية.

حتى الآن، كانت وسائلُ الإعلام الرئيسيةُ تحرصُ على عدم نشر هذه القصة. أما اليوم فها هي ذي تفعل. صحيحٌ أنها ليستْ سوى محض تلميح، فما المقالات إلا موجز ضعيف؛ مع ذلك يبدو أن القصة أخذت تظهر. وإذ تساءلتُ إن كانت نيورك تايمز قد اتخذت موقفاً متمردا، زرت موقع [فضائية] سي.إن.إن. على الشبكة العالمية وقرأت الآتي: “بِكْتِل تفوز بعقد العراق.” وقصة السي.إن.إن. شبيهة جدا بقصة نيورك تايمز، ما عدا هذه الزيادة:

كانت عدةُ شركات أخرى في أوقات مختلفة قد وُصِفت بأنها منافسةٌ ممكنةٌ في هذه المهمة، إما كمشتركة رئيسية في العطاءات أو ضمن فرقاء، ومنها وحدة كِلُغ براون آند روت في شركة هَلِبيرتُن – وهي التي كان نائبُ الرئيس دِك تشيني مديرَها العامَّ التنفيذيّ … وقد فازت هَلِبيرتُن بعقد يُقدَّرُ بسبعة مليارات دولار يُمكن أن يستمرَّ لسنتين، للقيام بتصليحاتٍ طارئةٍ للبنيةِ التحتيةِ لنفطِ العراق.[iv]

يبدو حقيقةً أنّ قصة المسيرة نحو الإمبراطورية قد أخذت تتسرّب، ولكنْ ليس في التفاصيل، ولا في حقيقة كونها قصةً فاجعةً تتعلقُ بالدَّيْن، والخداع، والاستعباد، والاستغلال، وبأوقح قبض في التاريخ على قلوب الناس حول العالم وعلى عقولهم ونفوسهم. ما من شيءٍ في هذه المقالات يقول إن قصة العراق عام 2003 إنما كانت تتمة لقصة مُخزية. ولم تكشف [هذه المقالات] أيضاً أنّ تلك القصة القديمة قدم الإمبراطورية قد اتخذت الآن أبعادا جديدة مرعبة، بسبب حجمها في هذا الوقت من العولمة، وبسبب البراعة التي نُفِّذت بها. بيد أنه بالرغم من تلك الهَنات، فقد تسرّبت القصة، وإنْ بترددٍ على الأغلب.

إن فكرة القصة المترددة في تسربها أصابت مني مكانا حساسا. فقد ذكَّرتني بقصتي الشخصية وبالسنينَ العديدةِ التي كنت فيها أؤجل روايتها. كنتُ أعلمُ منذ زمن طويل أنّ لديَّ اعترافاً يجبُ أنْ أبوحَ به؛ لكنني أجّلتُه. وحين أستعيدُ التفكير أرى أن شكوكي، وهمساتِ الذنب التي كانت تنتابني، كلها كانت لديّ منذ البداية. لقد بدأتْ في شقة كلودين، حتى قبل التزامي بالذهاب إلى إندونيسيا في تلك الرحلة الأولى، وبقيتْ تُلاحقني بدون توقفٍ طوال تلك السنين.

كذلك كنتُ أعلم أنني ما كنتُ لأترك [عملي] لو لم تكن الشكوكُ، والألم، والشعور بالذنب تناكفني بلا توقف. لكنت، كالكثرة غيري، تورّطتُ [في عملي]، وما كنت لأقفَ على أحد شواطئ الجزر العذراء وأقرِّرَ ترك شركة مين. مع ذلك كنتُ لا أزال أؤجل، لأننا نميل في ثقافتنا إلى التأجيل.

بدا أنّ هذه العناوينَ الكبيرةَ تُلمّحُ إلى الحلف ما بين الشركات الكبرى، والبنوك الدولية، والحكومات. غير أن تلك القصص، كملخص سيرتي في شركة مين، لا تكاد تلمسُ السطح؛ فلم تكن سوى طبقة لامعة، ولم يكن للقصة الحقيقية سوى علاقة صغيرة في كون شركات الهندسة والبناء أخذت مرة أخرى تقبضُ مليارات الدولارات لتنمية بلد على الصورة التي نهوى – وبين شعب لا يرغبُ في تلك الصورة – أو أنّ نخبةً من الرجال تُكرّرُ الترانيم القديمة عن سوء استخدام أصحاب المناصب الحكومية العليا لامتيازاتهم.

تلك الصورة بسيطة حدّ السذاجة. فهي تُلمِّحُ إلى أنّ كلَّ ما نحتاج إليه، إن أردنا تصويب أخطاء النظام، أن نُلقي بهؤلاء الرجال إلى الخارج. إنها تُعزِّزُ نظريات المؤامرة فتُعطينا عذرا ملائما لمشاهدة التلفاز ونسيان الأمر، مرتاحين إلى نظرتنا المبسطة للتاريخ، والتي تقول: “هم” سوف يتكفلون بالأمر؛ إنّ سفينةَ الدولة قادرةٌ على خوض عباب البحر وسوف تعود إلى خطِّها الصحيح. قد نحتاج إلى انتظار الانتخابات التالية، لكنّ كلّ شيء سيعود إلى الأفضل.

إنّ الصورة الحقيقية للإمبراطورية الحديثة – لسلطة الشركات التي تستغلّ اليائسين وتقبضُ على الموارد بطريقة لم يعرف التاريخ مثلها وحشية، وأنانية، وتدميراً أخيرا للنفس – لا علاقة لها إلا قليلا بما نشرته الجرائد في ذلك الصباح، بل إنها ذاتُ علاقة كاملة بنا. هذا يُفسر، بالطبع، سبب استصعابنا الاستماعَ إلى القصة الحقيقية. ذلك أننا نُفضل أن نصدِّقَ الخرافة القائلة إن آلاف السنين من التطور الاجتماعي الإنساني قد جاءت بهذا النظام الاقتصادي المثالي التام، بدل مواجهة الحقيقة في أننا اشترينا فكرةً خاطئةً وقبلناها بُشرى سماوية. لقد أقنعنا أنفسنا بأن كلَّ نموٍّ اقتصاديّ مُفيدٌ للبشرية بأسرها، وكلما ازداد النموُّ، كلما عمّت الفائدة. وأخيراً، أقنعنا بعضنا بعضاً بأنّ النتيجةَ المنطقيةَ لهذه الفكرة صحيحةٌ وعادلةٌ أخلاقيا: وأنّ من يتفوّق في إذكاء نار النمو الاقتصادي يستحق التمجيد والجزاء، بينما لا ضيرَ في استغلال من يولدون على الأطراف.

تُستخدمُ هذه الفكرةُ وما يُبنى عليها لتبرير كل وسائل القرصنة – فتُمنَحُ التصاريحُ لاغتصاب الأبرياء ونهبهم وقتلهم في إيران، وبنما، وكولمبيا، والعراق، وغيرها. وتزدهرُ أعمال القتلة الاقتصاديين، وبنات آوى، والجيوش ما دامت أعمالهم تؤدي إلى نمو اقتصادي – وهي في الأغلب الأعمِّ تؤدي إلى مثل هذا النمو. وبفضل “علم” التنبؤ والاقتصاد الرياضي والإحصاءات، إذا قصفنا بالقنابل مدينة ثم أعدنا بناءها، فسوف تُظهر لنا المعطياتُ ارتفاعاً كبيرا في النمو الاقتصادي.

تكمنُ القصة الحقيقية في أننا نعيش داخل كذبة. فمثل ملخص سيرتي الذاتية لدى شركة مين، لقد اختلقنا قشرة ملساء تخفي تحتها سرطانا قاتلا. وتفضح هذا السرطانَ أشعةٌ سينيةٌ صادرةٌ عن إحصاءاتنا، وهي التي تكشف الحقيقة المرعبة أن لدى أقوى وأغنى إمبراطورية في التاريخ نسبةً عاليةً علوّاً مفرطا في الانتحار، وتعاطي المخدرات، والطلاق، وسوء معاملة الأطفال، والاغتصاب، والجريمة؛ ومَثَلُ هذه البلايا مَثَلُ السرطان الخبيث، تنشر مِجساتها في دائرة يتسع قطرها كل سنة بلا توقف. كل واحد منا يستشعر الألم في صميم قلبه. نصرخ لأجل التغيير، ومع هذا نُطْبِق بأيدينا على أفواهنا لكي نخنق تلك الصرخات، فلا يسمعنا أحد.

سيكون عظيما لو استطعنا أنْ نلقي باللائمة كلها على مؤامرة ما، لكننا لا نستطيع. فالإمبراطورية تعتمد على فعالية المصارف الكبرى والشركات والحكومات – أي سلطة الشركات – ولكنها ليست مؤامرة. وسلطة الشركات هي نحن – نحن من نقوِّمُها – وهو السبب، طبعا، في أن معظمنا يجد صعوبة في الوقوف في وجهها. نُفضِّلُ أن نلمح متآمرين مندسين في العتمة، لأن معظمنا يعمل لدى أحد هذه المصارف أو الشركات أو الحكومة، أو أننا بطريقة ما معتمدون عليها لما تُنتجه وتُسوِّقُه من بضاعة وخدمات، فلا نستطيع عضَّ يد السيد الذي يُطعمنا.

ذلك هو الوضع الذي كنتُ أُفكر فيه وأنا جالسٌ أحدِّقُ إلى العناوين الكبرى على شاشة حاسوبي. وقد استثار لديّ عددا من الأسئلة. كيف لك أن تتمرّد على نظام يؤمِّن لك بيتك وسيارتك، وطعامك وملبسك، وحاجتك من الكهرباء والرعاية الصحية – حتى حين تعلم أن هذا النظام قد خلق عالما يموت فيه من الجوع أربعةٌ وعشرون ألفَ نسمةٍ كلَّ يوم، وفوقهم ملايينُ يكرهونك، أو أنهم على الأقل يكرهون السياسات التي صنعها من انتخبتهم؟ كيف لك أنْ تتحلى بالشجاعة لكي تخرج من السراط وتتحدى الأفكار التي تقبَّلتَها أنت وجيرانُك على الدوام كتنزيل سماوي، حتى حين تشكُّ في أنّ هذا النظامَ جاهزٌ لتدمير نفسه؟ وقفتُ ببطء واتجهتُ إلى منزلي لكي أصبّ لنفسي فنجان قهوة آخر.

انعطفتُ قليلا لألتقط نسختي من جريدة بالم بيتش بوست الملقاة بالقرب من صندوق البريد إلى جانب مرآبنا. كانت فيها المقالةُ ذاتُها عن بكتل والعراق، بإذنٍ مننيويورك تايمز. لكنني الآن لاحظت التاريخ في أعلى الجريدة: 18 نيسان. إنه تاريخ مشهور، على الأقل في نيو إنكلند، مغروزٌ في نفسي من والديّ اللذين يُجِلاّن حربَ الثورة [الأمريكية]، وكذلك من شعرٍ قاله لُنْغفِلو:*

أصيخوا السمعَ، أولادي، فسوف تسمعون

عن حملةِ بول رِفير في منتصفِ الليل،

في الثامنَ عشرَ من نيسان، سنةَ خمس وسبعين؛

يكاد لا يوجد رجلٌ حيٌّ واحدٌ

يذكرُ ذلك اليومَ والسنة الشهيرين.

في هذه السنة، اتفق أن جاء يومُ الجمعة الحزينة في الذكرى السنوية لحملة بول رِفير. حين رأيتُ ذلك التاريخ على الصفحة الأولى من الجريدة، فكرتُ بصائغ الفضة ذاك أيام الاستعمار ممتطياً صهوة فرسه يعدو عبر الشوارع المظلمة من مدن نيو إنكلند، مًلوِّحاً بقبّعته وهو يصيح: “البريطانيون آتون!” خاطر رِفير بحياته لكي ينشر الكلمة، فاستجاب له الأمريكيون المخلصون، وفي ذلك الزمن استطاعوا أنْ يوقفوا الإمبراطورية.

تساءلتُ ما الذي حفزهم، ولماذا كان هؤلاء الأمريكيون أيام الاستعمار مستعدين للخروج من السراط؟ كان الكثرةُ من زعماء الثورة ميسورين حالا. فما الذي أوحى لهم بعضِّ اليد التي كانت تُطعمهم، مُخاطرين بأعمالهم وحياتهم؟ لا ريبَ في أنّه كان لكلٍّ منهم أسبابه. ومع ذلك لا بد أنّ قوةً موحِّدةً، طاقةً، حافزاً، شرارةً أوقدت نيران هؤلاء الأفراد في تلك اللحظة الفريدة من التاريخ.

ثم خطرت ببالي: الكلمات.

لقد جاءت بتلك الشرارةِ روايةُ القصة الحقيقية عن الإمبراطورية البريطانية وأنانيتها، ونظامها التجاري المُدمر لذاته. فبكلماتٍ قالها رجال مثل توم بين وطومس جفرسن، أضرم كشفُ المعنى المُضمََرِ خيالاتِ شعبهم فاتحاً القلوب والعقول. بدأ المستعمَرون يسألون، فاكتشفوا، إذ فعلوا، حقيقةً أزالت غشاوةَ الخداع. لقد أدركوا الصدق الكامن تحت الغطاء، وفهموا الطريقة التي تلاعبت بها عليهم الإمبراطورية البريطانية، وخدعتهم، واستعبدتهم.

لقد رأوا أنّ أسيادهم البريطانيين قد وضعوا نظاما واستطاعوا أن يُقنعوا معظم الناس بكذبةٍ ملفقة – أنه كان أفضلَ نظام في مقدور الجنس البشري أن يأتي به، وأن الإمكانيات لعالم أفضل تعتمد على تمرير الموارد عبر ملك إنكلترا، وأن الوسيلة الملكية للتجارة والسياسة هي الأكثر كفاءةً وإنسانيةً في مساعدة أغلبية الناس – بينما تكمن الحقيقة في أن النظام جلب الثروة لقلةٍ قليلةٍ من الناس فقط على حساب الكثرة. هذا التلفيق، وما نتج عنه من استغلال، استمرَّ وتوسَّع لعقود إلى أنْ بدأ في قول الحقيقة حفنةٌ من الفلاسفة، ورجال الأعمال، والمزارعين، وصيادي السمك، وحرس الحدود، والكُتاب، والخطباء.

الكلمات. فكّرتُ بقوتها حين عدتُ لملء فنجان قهوتي، ثمّ مشيت عائدا إلى مكتبي، ورجعتُ إلى الحاسوب.

أغلقتُ موقع فضائية سي.إن.إن. وأخرجتُ الملف الذي كنتُ أعمل عليه في الليلة البارحة، وقرأتُ الفقرة الأخيرة مما كتبت:

هذه القصةُ يجب أن تُروى. إننا نعيش زمنَ أزمةٍ بغيضة – وفرصة عظيمة. تروي قصةُ هذا القاتل الاقتصادي بالذات كيف وصلنا إلى ما نحن فيه ولماذا نواجه الأزمات التي تبدو بلا مخرج. هذه القصةُ يجب أنْ تُروى لأنه بفهم أخطائنا السالفة فقط يُمكننا الاستفادةُ من الفرص المستقبلية. … والأهمُّ أنّ هذه القصة يجب أنْ تُروى لأنه لأول مرة في التاريخ اليوم ثمة أمةٌ واحدةٌ تملك القدرة، والمال، والقوة لتغيير كل هذا. إنها الأمةُ التي وُلدتُ فيها وخدمتها كقاتل اقتصادي: الولايات المتحدة الأميركية.

لن أتوقف هذه المرة. فالمصادفات في حياتي وما اخترتُ إزاءها من خيارات قد أوصلتني إلى هذه النقطة. إني ماضٍ قُدُما.

فكّرتُ ثانيةً بذلك الرجل الآخر، ذلك الفارس الذي يعدو بفرسه عبر الظلام في ريف نيو إنكلند، صارخاً مُحذِّرا. كان صائغُ الفضة يعلم أن كلمات كُتَّاب المنشورات – حتى قبل توم بين – قد سبقته، وأن الناس قرأت تلك الكلماتِ في بيوتها وتداولتها في الحانات. كان توم بين يكشفُ حقيقةَ استبدادِ الإمبراطورية البريطانية. وكان جفرسن يُعلن أن أمتنا قد كرّست نفسها لمبادئ الحياة، والحرية، والسعي وراء السعادة. وقد أدرك رِفير، وهو يعدو على فرسه في الليل أن الكلماتِ سوف تشحن بالقوة الرجال والنساء في المستعمرات قاطبة؛ وأنهم سوف ينهضون ويقاتلون لأجل عالم أفضل.

الكلمات …

قررتُ أنْ أكفَّ عن التأجيل، أنْ أُنهي أخيرا ما بدأته مراتٍ كثيرةً في تلك السنين كلها، أنْ أُزَكِّي نفسي بالاعتراف – أنْ أكتب كلمات هذا الكتاب.

 


* ساما (SAMA) مختصر استخدمه الكاتب ليعني ما وُصف بمسألة غسيل الأموال السعودية (Saudi Arabian Money-Laundering Affair) إشارة إلى العقود المذهلة مع السعودية في سبعينات القرن العشرين. وفي هذا الاختصار أيضاً تورية، لأنه اختصار للاسم الإنكليزي للخزينة السعودية (Saudi Arabian Monetary Agency). [المترجم]

* هو الشاعر الأمريكي المشهور هنري وَدزويرث لُنْغْفِلو (Henry Wadsworth-Longfellow) المولود عام 1807 والمتوفى عام 1882. [المترجم]


[i] إحصاءات الدين العام من مكتب الدين العام، منشور على الرابط التالي:

www.publicdebt.treas.gov/opd/opdpenny.htm;

إحصاءات الدخل القومي من البنك الدولي، منشور على الرابط التالي:

www.worldbank.org/data/databytopic.GNIPC.pdf.

[ii] Elizabeth Becker and Richard A. Oppel, “A Nation at War: Reconstruction. U.S. Gives Bechtel a Major Contract in Rebuilding Iraq,” New York Times, April 18, 2003,http://www.nytimes.com/2003/04/18/international/worldspecial/18REBU.html.

[iii] Richard A. Oppel with Diana B. Henriques, “A Nation at War: The Contractor. Company Has Ties in Washington, and to Iraq,” New York Times, April 18, 2003,http://www.nytimes.com/2003/04/18/international/worldspecial/18CONT.html.

[iv] http.//money.cnn.com/2003/04/17/news/companies/war-bechtel/index.htm.