ليست ثورة التي تطالب القضاء بقضاء مهامها

عادل سمارة

ربما لا يوجد في مصر من لا يسمي ما حصل قبل 25 يناير 2011  وبعده أية تسمية غير ثورة. وربما لا توجد سوى قلة في مصر تسمح لغير المصريين بالحديث عن مصر، حيث نلمس حتى لدى يساريين مركزانية مصرية ضد العرب الآخرين، بينما يُجيز هؤلاء لأنفسهم الحديث الحر عن اي قطر عربي آخر، وهي إجازة لا نعترض عليها ولكننا نطالب بالمثل.

وقد لا يكون من قبيل التندر بل الغيظ ان تصل مصر إلى حالٍ صار بوسع قطر اللُعب بها. فقد شهدت أمس فيلما مصريا على إحدى الشاشات عمره ستون سنة، فقلت لنفسي: اليست كارثة أن هذا البلد الذي كان هكذا قبل ستين عاماً يتذلل اليوم لقطر!، فإذا كان أنور الساات قد أُغتيل من قبل إسلاميين  بسبب توقيعه اتفاق كامب ديفيد، فما معنى الاحتفاظ بمبارك لمدة عامين كي يُحاكم على يد القضاء، وكأنه لم يُكمل دور السادات في إنهاك مصر وتركيعها.

دفعني هذا لتفكير أكثر بالحراك الذي حصل في مصر. وربما كنت من بين الذين ترددوا في تسمية ما حصل في مصر ثورة، وإن حصل،  فلا زلت عند اعتقادي بأنها الثورة الأولى، حيث تنقصها الثورات الثانية والثالثة. الثورة  الثانية الطبقية والثالثة القومية أو تبديل تتابعهما أو تداخلهما، وهذا شأن التطورات على الساحة في مصر.

من بين الشواهد المبكرة على ذلك التشكك: هل ما جرى ثورة، أو ثورة ذات تأثير حتى لو لم يكن طبقياً بقوة ووضوح، كان مجيء هيلاري كلينتون وتجولها في ميدان التحرير بين مئات آلاف الثائرين. وليس ما نقصده  ان تُقتل أو تُركل تلك السيدة التي ساهمت في قتل وركل مصر، بل ما أقصده أن الإدارة والمخابرات في الولايات المتحدة لم تكن لترسل وزيرة خارجيتها إلى مصر اساساً، فما بالك إلى ميدان التحرير، لو لم تكن تعلم أو لديها تطمينات بأن تلك الجموع هي تراكم عددي هائل يعوزه النور الثوري الذي منه فقط تخشى بل ترتعب كلينتون من مجرد الاقتراب من ميدان التحرير. فنحن نتحدث عن الأيام الأولى لما بعد  25 يناير حيث كل شيء كان ساخناً.

وقد زاد اقتناعي بترهل هذه الثورة ورخاوتها، مجيىء الشيخ القرضاوي ليؤم في ميدان التحرير رغم أن الإخوان والسلفيين لم ينضموا إلى مركبة الثورة سوى بعد يومين من تنحي مبارك من جهة، ورغم أن الثورة لم تكن مثلا ضد نظام شيوعي انهزم حتى يأتي الشيخ الإخواني ليؤم في الناس مثلا بعد :”فتح مكة”.

بعد الأيام الساختة للثورة، بدأت تتضح العلاقات والزيارات المتبادلة للرسميين الأميركيين لمصر، في محاولات تنضح بالفظاظة هادفة حرباً نفسية تُفرغ من الناس شحنتها الثورية التي تقول: لا تسرحوا كثيراً، ما زلنا نحن هنا. لا تزال الثورة المضادة على  حالها وقوتها في مصر. واشتمل ذلك على تأكيدات قيادات الإخوان على التمسك باتفاق كامب ديفيد، وحصار قطاع غزة، وضخ الغاز للكيان، واستقبال السفيرة الأميركية التي اطمأنت إلى وضع مصر إلى درجة الإفراط في الشرب لتقول ما قالته بحق مصر. والحقيقة أنه لا يمكن لدبلوماسي أن يفرط في الشرب في بلد فيه ثورة لولا أنه يعيش حالة الاسترخاء والاطمئنان بأن بلده مرحب بها ولا عداء تجاهها.

لفت نظري في الأيام الأخيرة الأزمة المتعلقة بالقضاء المصري الذي يتعرض اليوم لهجمة او انتقادات ممن يعرف وممن لا يعرف، وكأن القضاء ليس مؤسسة وعلماً، بل وكأنه قضاء عشائري لا تحكمه قوانين وإنما وضع بطريركي وخبرات  شخصية.

هذا مع أن القضاء في مصر هو مؤسسة عريقة. لقد استمعت عدة مرات لقضاء/يات يتحدثون بمنطق علمي رزين وعميق.  وهو من المؤسسات التي لم تنضوي تحت جناح السلطة الديكتاتورية الخائنة لمصر سواء حكم السادات أو مبارك، وهما الرئيسيان اللذان دفعا بالبلد إلى حضيض صارت تتذلل معه لدويلات ذات مال وليست ذات مواطنين كقطر والإمارات والكويت ناهيك عن السعودية.

سألني “راديو عَلَمْ”  في جامعة الخليل، قبل اسبوع عن رأيي في مشكلة القضاء في مصر، وأنا بالطبع لست حقوقياً، كما انني لست على اطلاع بتفاصيل الوضع هناك، وهل من الحكمة بمكان المطالبة بحل الجهاز القضائي أو كما يُقال “أخونة القضاء”؟ وهل القضاء كان عادلا في المحاكمة الأخيرة لمبارك…الخ؟

كان اجتهادي هو التالي: إن علينا التفريق بين قانون الثورة وبين القضاء كمؤسسة. فما يمكن أن يقوم به الثوار  في لحظة التأجج الثوري، يصبح مشروعا ومبرراً ولا يحتاج لقانون. هو قانون اللحظة الثورية، وهذا يعني أنه كان على الثوار رفض التنحي ومحاكمة مبارك محكمة ميدانية وإعدامه أو طرده على الأقل. حينها تنتهي المسألة بقرار الشرعية الثورية، وهذا ما حصل في حالات ديكتاتوريات ليست خائنة مثل مصرع تشاوشيسكو في رومانيا، وما حصل في قصر الرحاب في العراق 1958. أما وقد تم تهريب مبارك إلى شرم الشيخ ووضعه قيد الإقامة الجبرية او في مستشفى أو قصر نقاهة…الخ، فذلك يعني انه ليس مطلوبا للثورة، أو أن الثورة ليست حقيقية ولا جذرية. ولأنها ليست كذلك، فقد صار من الخطورة بمكان أن تتم محاكمته اليوم محاكمة ثورية ولكن على يد القضاء. بمعنى أن القضاء كمؤسسة يتعامل مع بيِّنات ودفوع وليس مع افتراضات، هي صحيحة ولكن لا يأخذ بها سوى القانون الثوري في لحظة التهاب الشارع.

وقد فوجئت يوم الخميس 25 نيسان، بأن المستشار زكريا شلش رئيس محكمة جنايات الجيزة وهو يقول تقريبا نفس ما استنتجته من بعيد، بينما هو في مركز الحدث.

خلاصة القول، بأن ثورة رخوة، قد تم امتطاؤها من الثورة المضادة، ووصل التجاذب فيها بين الإخوان وإخوان الإخوان. فهل يُعقل أن عمرو موسى أفضل من قادة الإخوان المنفتحين على الإدارة الأميركية وعلى الكيان الصهيوني؟ هذه الرخاوة هي التي لم تولد بعد حراكا جماهيريا  طبقيا بالتحديد في مواجهة التغول المنتقل من عهد مبارك إلى عهد مرسي حيث لا تغير؟