هل يلهب “جهاد السلفيين” لبنان ؟

العميد الدكتور امين محمد حطيط                                           

مع المتغيرات الميدانية الجذرية في منطقة الحدود اللبنانية- السورية الشمالية الشرقية ، و بعد ان تمكن الجيش العربي السوري مؤازرا بجيش الدفاع الوطني و اللجان الشعبية ، تمكن من تطهير القرى الواقعة بين نهر العاصي شرقا و خط الحدود غرباً ، تطهيرها من مسلحي جبهة النصرة و ما يسمى “جيش سوري حر”  ، و اعادة المنطقة الى كنف الامن الشرعي السوري (باستثناء مدينة القصير ذاتها التي باتت محاصرة بشكل محكم و تتحضر القوى الشرعية لدخولها في الايام المقبلة ) مع هذه المتغيرات خرجت اصوات في لبنان تدعو الى “الجهاد لنصرة اهل السنة ” في سورية و تدعو حزب الله للتوقف عن القتال في سورية الى جانب  النظام فيها ، دعوة جاءت في ظرف لبناني دقيق حملت البعض على التخوف من اندلاع فتنة تقود الى حرب اهلية  لبنانية  بين السنة الذين من بعضهم  انطلقت  الدعوة الى الجهاد ، والشيعة الذين يشكل  حزب الله جزءا واسعا منهم ، فهل ان هذا التخوف في محله و هل ان لبنان بات على عتبة منطقة الحريق العربي ؟ و هل ان نار ذاك الحريق باتت جاهزة لالتهام الجسد اللبناني كما حصل في بلدان عربية اخرى ؟

بداية لا بد من ضبط المصطلحات الشرعية ، فالقول ب”الجهاد”  كما صدر عن عناصر من سنة لبنان هو في غير محله الشرعي ، فالجهاد لا يكون بحسب الشرع الاسلامي الا قتالا لحماية الاسلام و في سبيل الله او حماية المسلم في عقيدته و ماله ان كان  عرضة للانتهاك بحكم كونه مسلما ، الامر غير المتحقق في الحال المعروض و هذا ما اكد عليه علماء السنة حتى ومن السلفيين انفسهم حيث صدرت فتاوى من شيوخ وهابيين  في السعودية تؤكد بان القتال في سورية ليس جهادا و القتيل ليس شهيدا و الامر نفسه تكرر على لسان مفتي الديار التونسية الذي  اعتبر القتال في سورية منافياً  للجهاد و ان من يموت  في المواجهة يكون قتيلاً  ولا يكون  شهيدا . و بالتالي فان الحكم الشرعي يتنافي مع الدعوة و لا يجيزها ، لانها تكون دعوة للاقتتال والقتل و ليست دعوة لجهاد في سبيل الله .

و بعد هذا نعود الى الموضوع  من الناحية العسكرية و السياسية لمناقشة احتمال وقوع الفتنة واندلاع  الحرب الاهلية  في الداخل اللبناني  ونرى مبدياً ان من مصلحة اميركا و اسرائيل وبشكل مؤكد  ان تقع مواجهة بين حزب الله و مكونات لبنانية اخرى مواجهة تفرض على حزب الله الدفاع عن نفسه و تحمله على تخصيص جزء من قدراته العسكرية في سبيل تلك العملية الدفاعية ، ثم اطالة الحرب حتى تتأكل قدرات المقاومة في الداخل و عندها تفتح الطريق امام اسرائيل للقيام بحرب تكون غايتها الانتقام لهزيمة 2006 و تعويض ما فاتها تحقيقه يومها من “اجتثاث المقاومة ” تمهيدا لاقامة الشرق الاوسط الاميركي  الجديد. نعم ان الحرب على حزب الله في الداخل هي مطلب اسرائيلي و هي شرط كما قال استراتيجيو اسرائيل لقيام اسرائيل بشن الحرب على لبنان للانتهاء من مقاومته و للتمكن من تصفية القضية الفلسطنية . و اذا عدنا الى الارتباط بين الجماعات المسلحة في سورية و حاضنتهم الاقليمية مع الجهات الاسرائيلية والاميركية فاننا و بموضوعية نرى  بان الحرب الداخلية هي خطر جدي لا بد من التفكير بامكانية  و قوعه لانه حاجة  اسرائيلية  و هذه الجماعات تعمل كما بات واضحاً خدمة  للمصلحة الغربية و باملاءات غربية .

و لكن على المقلب الاخر يكون من الضروري مناقشة الامر من الوجهة العسكرية ، وهنا تجب دراسة الواقع  و خريطة التوزع الجغرافي و الميداني و القدرات العسكرية للفرقاء الذين يرشحون للدخول في المواجهة ، درس يتم بحثا عن امكانية توفر الشروط التي لا بد منها للبدء بالمواجهة ، ثم استمرار النار اذا وقعت الفتنة و اندلعت الحرب الداخلية و هنا نتوقف عند العناصر التالية :

1)                  عدم توفر التوازن بين القوى المرشحة للدخول في المواجهة ، و الكل يعرف قدرات حزب الله العسكرية و مدى احترافه و ارتفاع مستواه العسكري ، ما يجعل الاحتكاك به مكلفا و ما يجعل امكانية حسم الحزب  للمواجهة سريعة كما و لا نغفل عن قدرته على  اغلاق مناطقه  و منع وصول االنار المباشرة اليها  ، و العمل خارجها لمعالجة التهديد.

2)                  رفض البيئة السنية في معظمها لفكرة الحرب اصلا و بالتالي امتناعها عن تشكيل الحاضنة الشعبية لهذه الدعوات ، خاصة و ان العقلاء فيهم يعرفون ان مثل هذه الحرب غير مأمونة النتائج حيث تعرف بدايتها و لكن لا يمكن ان يحدد احد حجم الخسائر السياسية والمادية و الاجتماعية التي تنزلها و بمن ستلحق و سيكون من الخاسرين .

3)                  قدرات الجيش اللبناني بشكل خاص و القوى الامنية اللبنانية عامة ، و القرار المتخذ من قبل قيادة االجيش  للمحافظة على السلم الاهلي بعيدا عن التجاذبات السياسية خاصة وان في مقدور الجيش ان يتصدى لدعاة الفتنة و يشكل حاجزا بينهم و بين الجهات اللبنانية المستهدفة بالفتنة ما يحول دون اقامة  خطوط تماس  و اشعالها بين تلك الفئات المهاجمة والجهات المدافعة .

4)                  هواجس المنظومة الغربية و توابعها الاقليمين  بقيادة الولايات المتحدة ومخاوفهم من حرب تندلع شرارتها في لبنان و يكون عجز عن ابقائها محصورة في حدوده  خاصة اذا تطور الموقف و دخلت ايران على خط المواجهة و اختارت اهدافا لها في مناطق تنتشر فيها المصالح الغربية في الخليج بشكل خاص .

لهذه الاسباب نقول بان الفتنة في لبنان لا زالت ذات حظوظ متواضعة و  منخفضة رغم الصراخ و التوتر الذي يتسم به سلوك الفئات الحاضنة للجماعات الارهابية و المسلحين في سورية ، نقول بتدني فرص الانفجار حتى الان و لا نقول بانعدامها لاننا لا يمكن ان نستبعد من التقدير انزلاق من لا يملك فكرا رؤيويا استراتيجيا ، او من كان اصلا اداة تستعمل في سياق الحرب الناعمة التي تضرب نيرانها المنطقة ، انزلاقه لاشعال الفتنة و زج لبنان في اتون الحريق العربي .

 لذلك وجب الحرص و الحذر من جهالة او عمالة هؤلاء لمنعهم من جريمتهم ، و ان لم يكن قدرة على المنع فعلى الاقل يجب اتخاذ التدابير التي تمنع من توسع دائرة النار ان اندلعت واطفاء النار باسرع ما يمكن فالمسألة لا تحتمل التسويف كما لا تحتمل الحسابات والرهانات الخاطئة  ، لان لبنان بعد الفتنة لن يكون كما قبلها في واقعه وجغرافيته و نظامه السياسي ، ففتنة تقع اليوم في ظل مجريات الحريق العربي ستعود وتطرح المصير اللبناني و تعيدنا الى ما قبل العام 1920 .

:::::

جريدة البناء ..2542013