عام على حكم مرسي.. لماذا يتمرّد المصريون؟ ( 1 (

الاقتصاد المصري: استنساخ لسياسات نظام مبارك!

عمرو صلاح

 

حين قدم محمد مرسي نفسه مرشحاً لرئاسة الجمهورية في مصر، كان برنامجه المتعلق بالسياسة الاقتصادية واضحاً للغاية.
وبدا ان قوام هذا البرنامج يرتكز بشكل اساسي على مصطلحات لطالما ترددت في حقب الحكومات التي تبنت افكار الليبرالية الجديدة، فالبرنامج تحدث بشكل واضح عن استمرار سياسات الخصخصة وتحرير التجارة.
هذا البرنامج لم يكن مختلفا كثيرا عمّا قاله نائب المرشد العام لـ«الإخوان المسلمين» خيرت الشاطر، او رجل الظل كما هو معروف في مصر.
في نيسان الماضي، قال الشاطر لوكالة «رويترز» إنّ العدالة الاجتماعية أمر مهم وأساسي «ولكنه مفهوم شامل». وتتلخص الشمولية لدى الرجل المتحكم في وعاء اقتصادي ضخم تملكه الجماعة، بالآتي: «نحتاج إلى مشاريع… والدولة لا تملك موارد على الأقل لمدة سنتين، وبالتالي لابد من تحفيز القطاع الخاص». لا يتحدث الشاطر هنا عن الصناعة والزراعة والسياحة فحسب، وإنما عن الكهرباء ومياه الشرب!

مؤشرات سلبية
وفقا لتقارير المصرف المركزي المصري، فقد شهد معدل التضخم العام خلال العام الماضي (تحديداً منذ تولي محمد مرسي الرئاسة) زيادة يقترب معدّلها من الواحد في المئة، (من 7.26 % في حزيران العام 2012 إلى 8.20% في أيار العام 2013). وكان من المتوقع ان يشهد معدل التضخم العام ارتفاعا اكبر ربما، غير ان القروض والودائع التي حصلت عليها مصر من دول عدة ربما حالت دون انفجار هذا المعدّل بشكل كبير.
وشهد سعر الدولار ارتفاعاً مطرداً بلغ جنيهاً واحداً خلال العام الاول من تولي مرسي السلطة في البلاد (من 6.00 جنيهات في حزيران العام 2012 الى 6.99 جنيهات في حزيران العام 2013 وفقا لاسعار البنك المركزي المصري).
وتوقع «صندوق النقد الدولي» في تقرير بشأن التوقعات الإقليمية (أيار 2013) اتساع عجز الموازنة المصرية ليصل إلى 11.3 % من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية التي تنتهي في حزيران الحالي (مقارنة بـ10.7% في العام الماضي)، وبهذا فان هذا العجز، وفقاً لصحيفة «الاهرام» الحكومية، يعد الأكبر منذ العام 2002.

قروض مرسي
خلال العام الأول لـ«ثورة 25 يناير»، واجهت مصر ازمة اقتصادية خانقة، زعمت جماعة «الاخوان المسلمين» قبل وصولها إلى الحكم – انها قادرة على علاجها. وانطلاقاً من ذلك، اسرفت الجماعة في تقديم التطمينات إلى المجلس العسكري بشأن قدرتها على جلب الاستثمارات الضخمة.
لكن الجماعة، وفي ظل توتر سياسي صنعته بنفسها وانفلات امني عززته سياستها الضعيفة، لم تجد وسيلة لمعالجة الازمة من دون اجراءات تقوم عمليا بمضاعفة المخاطر مستقبلا، فالقروض والودائع التي حصلت عليها مصر خلال عام من حكم مرسي، كانت السبيل الوحيد لاحتواء الغضب الشعبي والابقاء على معدلات التضخم والارتفاع المطرد للدولار ضمن اطار يمكن التحكم فيه، متجاهلة تبعات تلك القروض والودائع التي ستتحملها الاجيال المقبلة، خصوصاً مع تنوع الدائنين (صندوق النقد الدولي، قطر، ليبيا، تركيا…) وتنوع المراكز الاحتكارية التي تقدَّم لهؤلاء مجاناً في مصر.
ويقول الباحث الاقتصادي المصري وائل جمال إنه «من المتوقع أن يرفع إتمام الاتفاق مع صندوق النقد (ربما في حدود 6 مليارات دولار زائد 14.5 مليار دولار إضافية من الحزمة الأوروبية الأميركية العربية المشروطة به) حجم الدين الخارجي بنهاية العام أو منتصف العام المقبل إلى 63 مليار دولار، أي ضعف الدين الخارجي وقت سقوط حسني مبارك تقريباً، وهو أمر ينضوي على مشاكل كبيرة، خصوصاً أننا لا نعرف في أي مجالات سيتم استخدام هذه الأموال. وإذا أضفنا المنتظر جمعه بعد تمرير قانون الصكوك، فإن الرقم سيقفز أكثر وأكثر». وفي سبيل الحصول على قرض صندوق النقد، استهل مرسي ولايته الرئاسية بقرارات تضمنت زيادات ضريبية كبيرة على عدد كبير من السلع بالاضافة الى تعديلات على قانون ضرائب الدخل والمبيعات والدمغة والعقارات والضرائب النوعية. وجاءت السجائر على رأس أولويات السلع التي تمت زيادة ضريبة المبيعات عليها، وكذلك المشروبات الكحولية والمياه الغازية المحلية أو المستوردة، فضلاً عن إجراءات لرفع الدعم عن الوقود واعادة توزيعه من خلال نظام «الكوبونات».

الاستثمارات القطرية
وقد اتسع نطاق الاستثمارات القطرية في مصر خلال فترة حكم مرسي. ورصد محللون اقتصاديون تزامن القرض الجديد مع إلغاء حكومة قنديل الضرائب المزمعة على الإندماجات والاستحواذات في البورصة، والذي أدى عملياً إلى اعفاء صفقة استحواذ «بنك قطر الوطني» على «بنك الأهلي سوسيتيه جنرال»، والتي كانت ستمد الخزانة المصرية مباشرة بـ200 مليون دولار، وصفقة شراء مصرف الاستثمار القطري «كيوانفست» لـ60 في المئة من أسهم مصرف الاستثمار المصري «إي اف جي هيرميس» (المتهم حاليا في قضايا التلاعب في البورصة لحساب علاء وجمال مبارك).
وبإضافة القروض القطرية الأخيرة إلى سابقاتها (4 مليارات دولار)، يرتفع نصيب قطر وحدها من الدين الخارجي المصري الرسمي إلى ما يزيد على 16 في المئة، وهو ما لا يمكن إغفال أثره على السياسة المصرية الاقتصادية والإقليمية.

مشاريع مرفوضة شعبياً
وفي ظل تدهور اقتصادي حاد ترصده المؤشرات، بادرت الحكومة المصرية خلال عام من حكم محمد مرسي الى اتخاذ اجراءات تأتي في اطار عمليات خصخصة مقنعة، وتتراوح ما بين عمليات «بيع» و«ايجار» من قبل الدولة المصرية لاصولها وممتلكاتها.
لكن عمليات البيع هنا لم تأت تحت تعبير «الخصخصة»، بل تحت مصطلحات اخرى، ربما لتجنب السمعة السيئة لعمليات كان «الإخوان» يعارضونها في عهد مبارك. ومن أبرز هذه المشاريع «مشروع تطوير اقليم قناة السويس» و«مشروع الصكوك» الذي تقدم به الوزير محمود محيي الدين (وزير الاستثمار السابق في عهد مبارك)، وقد أضفى عليه «الإخوان» صبغة «إسلامية».
وقد طرح المشروعان بشكل مثير للريبة في وقت كان معظم الفاعلين السياسيين المصرين منشغلين بقرارات سياسية اخرى. وبدا ان السلطة الجديدة تتعمد تمرير المشروعين في ظل ارتباك المشهد السياسي المصري وتعقده. هكذا بدت السياسات الاقتصادية لـ«الإخوان» في عهد مرسي متماهية مع السياسات الاقتصادية القديمة، وهي سياسات لم تحدث أي تغيير حقيقي في الاوضاع المعيشية للمواطنين، لا بل أن الأمور تتجه على نحو اسوأ، خصوصاً في ظل محدودية متوسط الدخل المصري، وارتفاع معدلي الفقر والبطالة، وارتفاع اسعار السلع في الاسواق، الى جانب تفاقم المشاكل الاجتماعية الموجودة اصلا والتي تتمثل في انخفاض الاجور الحقيقية.
ووفقا لاحصاءات حديثة، اشار المصرف المركزي المصري الى ارتفاع اسعار العديد من المواد الغذائية كالبيض والجبن والزيوت والحليب بما دفع معدل التضخم الى الارتفاع بشكل كبير.
يضاف إلى ذلك الغياب المستمر للمنتجات النفطية، والمتمثل في ازمات السولار المكررة، وعدم القدرة على ضبط الاسواق في عمليات بيعه، وما شهدته القاهرة اخيرا من اختفاء بنزين عيار 92، والذي يعد الوقود الوحيد لمتاح ربما لقطاعات الطبقات الوسطى التي تملك سيارات في مصر.

:::::

“السفير”