اسقطت مصر “حكم الاخوان “…فما هي التدعيات ؟

العميد الدكتور امين محمد حطيط

في ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ خرج 33 مليون مصري ( اي 40 % من مجموع الشعب و 60% من اصحاب الحق بالاقتراع ) خرجوا الى الساحات و الشوارع يعلنون بشكل لا لبس فيه و لا شبهة رفضهم لنظام الاخوان المسلمين الذين وصلوا الى الحكم عبر مناورة سياسية محكمة الحبك، قامت على استغلالهم  للحراك الشعبي ضد حسني مبارك الذي اشاع الفساد  و ارتهن  بتبعية قاتلة لاميركا، و على استنادهم  الى دعم غربي بقيادة اميركا توفر لهم بعد ان عقدوا الصفقة الشهيرة القائمة على  التسليم لاميركا  بالهمينة على المنطقة و تثبيت اسرائيل فيها بشكل آمن مكتمل الاستقرار مقابل توفير الحماية للاخوان  في انظمة الحكم التي يقيمونها في هلال يحيط باسرائيل.

لكن الاخوان و تحديدا في مصر المنطقة و الدولة الاهم في كل الهلال، فشلوا في ادارة الدولة و عجزوا عن تثبيت حكمهم فسقطوا  بشكل مدوي، اثر الرفض  الشعبي العارم لهم و لحكمهم، رفض  يستجيب لمفاهيم الثورة الشعبية الى حد بعيد، لكن و رغم ان الامر كان من الوضوح ما يجعل اي تأويل او تفسير يخرج الحال عن حقيقته و يضعه   في غير محله فان البعض لم ير فيما حصل سوى انقلاب عسكري يعيد الى الاذهان مشهد انقلابات القرن الماضي، لكن هذا التوصيف و رغم ما يثيره من التباسات، لن يحول دون التأثير العميق على الحركة و العلاقات الدولية من باب موقع الاخوان المسلمين و تنظيمهم العالمي الذي اصبح عمره نيف و ثمانية عقود.

و قبل ان ندخل في بحث التداعيات التي ستترتب على هذا السقوط نتوقف عند  توصيف ما جري  لوضعه في موقعه الطبيعي من المفاهيم المعتمدة، فمع وجود من يرى  بان ما حصل هو انقلاب عسكري  لا علاقة له بثورة شعب ضد حاكم، كما يرى الاطراف القائمون به، فاننا نعود الى القواعد الاساس التي تضبط الموضوع  و نرى ان ما حصل يتنافي مع طبيعة الانقلابات العسكرية و مفاهيمها حيث انه من المسلم به ان الانقلاب هو عمل بمقتضاه تبادر جهة عسكرية منضوية في الجيش الشرعي للبلاد، تبادربصورة مفاجئة و دونما سابق انذار الى اقتلاع السلطة الشرعية القائمة و وضع اليد على الدولة و تولي السلطة فيها  بالاستناد الى القوة العسكرية التي تملكها و دونما الاخذ بعين الاعتبار لاي شان اخر. فالانقلاب العسكري يتمثل باقامة حكم عسكري مباشر، او مقنع بحكم مدني، يستمد شرعيته من القوة العسكرية وحدها،  التي  تفرض امرا واقعا، يتحول الى الشرعية الواقعية المتباينة مع الشرعية الدستورية و الشرعية الشعبية  حيث   لا يكون لاي من قواعد الدستور النافذ او  الارداة الشعبية  هنا دور و لا يملك الشعب سوى الاستسلام لهذا الامر. فاذا اسقطنا ذلك على ما حصل في مصر نجد تباينا كبيرا بين الواقع و توصيف الانقلاب العسكري : حيث ان الذي بادر للتحرك  ضد الحاكم هو الشعب نفسه الذي اعترض سلميا على الرئيس  ثم جمع توقيع اكثر من 22 مليون مصري من اصحاب الحق بالاقتراع اي بما يفوق العدد الذي حصل عليه محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية، ثم خرج 33 مليون مصري للتاكيد على هذا الرفض، هنا و من اجل المصلحة الوطنية العليا تدخل الجيش بعد ان حذر و انذر و بعد ان تأكد من ان الشعب اسقط شرعية الرئيس و استعاد تفويضه بالسلطة  عبر ما يمكن تسميته بالدمقراطية المباشرة،  تدخل الجيش ضد رئيس فاقد الشرعية الشعبية التي تعتبر اهم من الشرعية الدستورية، تدخل ليترجم الارادة الشعبية المباشرة و ليوفر البيئة التنفيذية لها تدخلا كان بالموافقة التامة من معظم الجهات التمثيلية للشعب ( باستثناء جماعة الرئيس و هي لا تصل الى  من 12% ) التي وضعت خطة  الانقاذ لاعادة تكوين السلطات في الدولة بالعودة الى الشعب عبر انتخابات حرة تجري في مهل معقولة. و بالتالي يمكن وصف ما حصل في مصر بانه ثورة حماها الجيش، و شعب مارس حقه في انتاج السلطة، و كان دور الجيش دورا اعلانيا و لم يكن انشائيا للسلطة،فاعلن قيام  سلطة ارادها الشعب دون ان يتولاها الجيش، بينما في الانقلابات العسكرية يكون دور الجيش  دورا انشائيا للسلطة التي يتولاها،و ان مصر شهدت ثورة شعبية اختصر الجيش طريقها ليسرع وصولها الى المبتغى و لم شهد انقلابا عسكريا يوصل  الجيش الى السلطة.

و بعد هذا التوضيح نعود الى الاساس في المسألة متوقفين عند تداعيات ما حصل على امور اساسية تتعلق بمنظومة الاخوان المسلمين و بمشروعهم الدولي، و انعكاس الامر على ما يتعلق بهذا المشروع و نسجل ما يلي:

أ‌.        على صعيد المشروع الاخواني العام: يمكن اعتبار خروج الاخوان من حكم مصر بمثابة الاسقاط  الفعلي لمشروع اقامة هلال حكم  الاخوان المسلمين الممتد من تونس غربا الى سورية و تركيا شرقا و شمالا. فبسقوط مصر و هي القاعدة الاساس في المشروع لن يستطيع من بقى من مكونات الهلال الاخواني الصمود في مواجهة الريح الشعبية العاتية التي تعصف به و بالتالي سيكون التخطيط الغربي الذي قام على فرضية صدام الهلالين ( هلال المقاومة و هلال الاخوان ) و انهيار المنطقة تطبيقا لاستراتيجية القوة الناعمة عبر صراع سني شيعي، او عربي فارسي، سيكون هذا المشروع محل اعادة نظر الان لاستحالة تطبيقه بعد تشكل استحالة اقامة الهلال الاخواني بسقوط الاخوان في مصر و ستكون اسرائيل المتأثر الاول من هذا السقوط لانها ستفقد الهلال الحامي لها و المشاغل لهلال المقاومة و المتسبب بتآكل قدرات و طاقات الامة العربية و الاسلامية.

ب‌.   على صعيد مصر ذاتها. لا نتصور بان الاخوان و الجهات الاجنبية الداعمة و الحاضنة لهم سيستسلمون بسهولة و يقبلون بالهزيمة، و لهذا فاننا نتصور ان تكون مصر في المرحلة المقبلة عرضة لتجاذبات و مخاطر و ضغوط  متعددة  اقله كما يلي:

1)    فالبنسبة للتدخل الخارجي سنرى مسارعة وهابية سعودية للحلول محل الاخوان في مصر عبر دعم السلطة الجديدة لااستتباعها، ما يضمن للسعودية و لاميركا قائدتها،  ابعاد مصر عن هلال المقاومة و بقاءها مرتبطة او تابعة بشكل وثيق مع المنظومة العربية التابعة للغرب، و سيكون في هذا الامر ان حصل اغتصاب جديد للارداة الشعبية و احتواء للثورة و انتقال سوط الجلاد من يده اليمنى الى يده اليسرى و يبقى الشعب هو الضحية، لهذا السبب سيكون على الشعب المصري ان يرتقي الى اعلى   درجات الحذر و الحرص على ثورته خوفا من ان تصادر مرة اخرى و اننا على ثقة اليوم من قدرة الشعب المصري على ذلك.

2)    اما بالنسبة للضغوط  الداخلية  فانها  تتمثل بشكل خاص بتحركات الاخوان المسلمين المدنية و العسكرية و التي ستجعل الامن و الاستقرار في البلاد محل اهتزاز و زعزعة طويلة، و لكن لا نتصور ان تؤدي هذه التحركات الى اعادة الاخوان الى الحكم، فخروجهم صنعه الشعب و حماه الجيش، و لا يعتقد عاقل ان يتمكن الاخوان من حشد القدرات التي تمكنهم من الانتصار على هذا الثنائي.

3)    و تبقى الضغوط الخارجية التي سيشكلها الطرف الاخر في صفقة الاخوان، اي الغرب بقيادة اميركا، ضغوط تعلم الجهات المنفذه له انه لن يعيد الاخوان الى الحكم لكنه سيمارس من اجل ابتزاز نظام الحكم القادم الى مصر من اجل الحصول على ضمانات من قبله في امور اساسية  اولها اسرائيل و امنها و  اتفاق كامب دافيد، ثانيها موقع مصر الجيوسياسي و ووظيفتها الاستراتيجية.

ج‌.    على صعيد  دول الحكم الاخواني الاخرى و هنا نعني بصورة خاصة تركيا و تونس.

1)    ستكون تركيا الخاسر الاكبر على اكثر من صعيد فسقوط الاخوان في مصر مع  ما استتبعه من سقوط هلالهم في الشرق – هلال كان من المخطط له ان يكون بقيادة تركية –  افقد  تركيا فرصة استعادة السيطرة على المنطقة و انتاج صورة منقحة للعثمانية الغابرة.  ان سقوط الاخوان في مصر اسقط هذا الحلم كليا، و اذا عطفنا الامر على الواقع السياسي للجوار التركي من ايران الى العراق و سورية، و توقفنا عند الحساسية المفرطة بين السلفية و الاخوانية ( السعودية و تركيا ) لوجدنا ان تركيا خسرت فضاءها الاستراتيجي المشرقي  كليا مع استمرار ايصاد الباب الاروبي بوجهها غربا.. و لهذا سيكون محتوما  الرفض التركي لما يحصل في مصر، و اقدام  حزب العدالة و التنمية  على التصرف بهسيتريا عبر  ثنائيه اردغان – اوغلو الذي عليه ان يقر بان النهاية اقتربت و ان تركيا التي حلموا بها دولة قائدة وحيدة للمنطقة ستنقلب الى دولة منكفئة على ذاتها مغلقة على هزيمتها و خسائرها و هذا سيكون سببا كافيا لخروج الاخوان لاحقا من حكم تركيا.

2)    اما تونس فانها ستتلقى ارتدادات الحدث المصري و ستكون امام خيارين، اما ان يتعقل حزب النهضة و يسارع  الى اعادة تحريك العملية السياسية بما يحقق المشاركة الشعبية الواسعة و يسقط سياسة الاقصاء و الالغاء التي اشتهر بها الاخوان و هنا ستكون الفرصة امام تونس لاقامة نظام شعبي متوازن و بشكل سلمي يكون الاخوان فيه شركاء، او ان يستمر الاخوان في المكابرة و هنا ستكون تونس على موعد يعيد الى المسرح المشهد المصري.

د‌.       على صعيد الازمة في سورية و محور المقاومة.نعلم انه و من ضمن تنفيذ الصفقة الاخوانية الغربية الاميركية، فان التخطيط قام على  تنصيب الاخوان حكاما في سورية رغم رفض الاكثرية الشعبية لهم، و ذلك بالاعتماد على العنف و الارهاب. و لاجل هذا انشئ ما اسمي “الائتلاف الوطني”  ذو الاساس الاخواني و كرسته اميركا ممثلا وحيدا للشعب السوري لتمكنه من الاستيلاء على السلطة باسم الاخوان هذا اذا تمكنوا من اسقاط النظام. و الان و بعد ان سقط اصل الحلم و المشروع باقامة الهلال الاخواني، سقوط معطوف على انهيار و انحدار الجماعات المسلحة و الارهابية في الميدان السوري في مواجهة الجيش العربي السوري و القوات الرديفة، نرى ان الامور ستتسارع اكثر لصالح الدولة السورية  و محور المقاومة للوصول الى نهاية قريبة للحرب الكونية الجارية على ارضها، و هنا نقول ان سورية مع محورها حققت في مواجهة الاخوان و صفقتهم التدميرية انجازين: حيث انها حالت دون اقامة هلال الاخوان و اكتماله ثم تجذره في المنطقة و انتاج  صيغة الاستعمار الجديد، ثم انها  كانت حافزا رئيسيا للاجهاز على مشروع الهلال الاخواني و اسقاطه في مصر  فخلصت مصر كما خلصت المنطقة من شرورهم.

:::::

جريدة الثورة دمشق في 872013